بعض قواعد السياسية الشرعية في الإسلام   عدد القراء : 1536   .

يعد المحور السياسي كأحد قواعد السياسة الشرعية في الاسلام مهما وخطيرا اذا ما دار دورته بأناة وحكمة وروية ورشد وثقل، فان الاسلام يدور حوله كما تدور الرحى حول قطبها، ولا تقول ما يقول العلمانيون بضرورة الفصل بين الدين والسياسة فهذا القول كفر مخرج من الملة لانه يفصل الدين عن الحكم والسلطان أولاً، ولانه يفصل الدين عن الحياة ثانياً وهل السلطة والحياة الا طريق سياسية يسوس بها الدين الناس في القضاء والحرب والاقتصاد والاجتماع والاعلام والتربية ومرافق الحياة الاخرى؟! ولأن السياسة هي روح الحياة بكل ميادينها فقد اعطى الشرع الحنيف لها اهمية كبيرة ومكانة مرموقة ومنزلة رفيعة فهذا كتاب الله تعالى ينطق بالسياسة والتشريع وتقنين الحياة وتنظيم الحياة الاسلامية بكل مرافقها وينظم حياة المسلمين مع غيرهم من اهل الكتاب ومن الكفار والمشركين ويضع الحدود والعقوبات المناسبة لكل جرم، ويحلل الحلال ويحرم الحرام ويوجب الواجبات ويبيح المباحات ويعلم الناس البيوع والمعاملات، وينظم حياة الأسر والمجتمعات ويأمر بالعدل والاحسان والمساواة بين الناس في أصل الآدمية والبشرية ويفرق بينهم في أصل الايمان والاسلام والتقوى والصلاح والخير والفضيلة وكل ذلك من السياسة الشرعية، وكذلك النبي محمد صلى الله عليه وسلم فحياته كلها كانت سياسية منضبطة بالوحي الكريم فكان صلى الله عليه وسلم يسوس أمته على أتم وجه وأكمل صورة لما معه من العدل والانصاف والخلق الرفيع، مكللاً ذلك بالحكمة الرفيعة والاناة والرشد والفقه في الواقع والافراد والجماعات واعطاء كل ذي حق حقه وكل ذي منزلة منزلته، ويخاطب الناس على قدر عقولهم، ولا يظلم يهودياً ليهوديته ولا نصرانياً لنصرانيته ولا مشركاً لشركه ولا كافراً لكفره، انما العدل والانصاف شعاره في كل زمان ومكان وفرد ومجتمع،يعرف متى يقاتل، متى يصالح، ومتى يعاهد لا يغضب لنفسه وانما غضبه لله تعالى، له في السلم سياسة، وفي الحرب سياسة وفي مرحلة الاستضعاف سياسة، وفي مرحلة التمكين سياسة، لا يأمر بأمر الا وكانت المصلحة فيه راجحة على مفسدته، ولا ينهى عن شيء الا وكانت مفسدته أعظم من مصلحته، وله نظرة ثاقبة في الامور والمسائل والاحوال، ويتجنب السطحية في الاحكام والتصورات، لا يستبيح من أموال الكفار أو المسلمين الا ما أذن الله له فيه، ولا يسفك الدماء بشهوة أو بشبهة، له مع الملوك سياسة، ومع العوام سياسة، ويستخدم الخدعة في الحرب، ويستعمل التورية والمعاريض للتمويه على اعدائه، ويبعث العيون لرصد تحركات الخصوم، ويأمر بالحيطة والحذر من اعداء المسلمين، ولا يأمن مكرهم ولا كيدهم، وكان صلى الله عليه وسلم يقظاً متنبهاً، لا تفوته فائتة، ولا يخدعه مخادع لما معه صلى الله عليه وسلم من الذكاء والفراسة والمراس والخبرة والتجربة في الحياة، وكل ذلك من السياسة، فعلينا ان نتعلم من رسول الله صلى الله عليه وسلم السياسية الشرعية على أتم وجه فهو النبي الكريم الذي رباه ربه جلا وعلا تربية خاصة جعلت منه اعظم نبي ورسول وساس امته والامم الاخرى بكل عدل وخير وفضيلة، حارت به عقول العقلاء ودهاة العرب والعجم وساسة الدنيا من الرومان واليونان فعلى كل سياسي مسلم أن ينهل من رسول الله صلى الله عليه وسلم وسيرته الكريمة ما يلي:
1- العدل وعدم الظلم وان كان الخصم كافراً.
2- العناية بكل انواع الفقه المتعلق بالسياسة الشرعية مثل:
آ- فقه الاولويات وتقديم ما هو أولى على ما يمكن تأجيله أو تأخيره لعموم الحاجة الملحة اليه.
ب- فقه الموازنات وتقديم المصلحة الراجحة على المصلحة المرجوحة، وتقديم درء المفسدة الراجحة على المفسدة الضئيلة المرجوحة، وتقدم درء المفاسد على جلب المصالح اذا كان في المفسدة ضرر اعظم من المصلحة المرجوحة.
جـ - فقه الواقع ومراعاة احوال الناس وعقولهم وعاداتهم واعرافهم وتقاليدهم وقناعاتهم ومفاهيمهم ومخاطبة الناس على قدر عقولهم واستيعابهم، وعدم الخوض في أية مسألة  لا تدركها عقول المخاطبين فان في ذلك فتنة لهم.
ء - فقه المقاصد للنصوص وعدم اعتبار ظاهر النص في كل الاحوال فان لكل نص مقصداً وغاية وهدفاً، وان كل ناظر الى ظاهر النصوص دون مراعاة المقاصد منها سوف يَضل ويُضل وهذا ما عابه اهل العلم على مذهب الظاهرية الذين عطلوا المقاصد واعتبروا الظواهر وهذا من الافراط في التعامل مع الظواهر، قابله تفريط المفرطين الذين عطلوا الظواهر واعتبروا المقاصد فالعدل والانصاف يقتضيان اعتبار الظاهر اذا أريد الظاهر، واعتبار المقاصد اذا اريد ذلك وكل ذلك معلوم من خلال النصوص وفهم السلف الصالح مثل فهم بعض الصحابة لقوله تعالى: ((لا يضركم من ضل اذا اهتديتم)) فقال الصديق رضي الله عنه: (ان اية في كتاب الله تضعونها في غير موضعها) فالشاهد هو أن الصحابة اخذوا الآية على ظاهرها دون النظر الى المقصد منها فبيّن أبو بكر رضي الله عنه المقصد منها وهو ان ضلالة الضال بعد الامر بالمعروف والنهي عن المنكر لا تضر الا صاحبها فزال الاشتباه ومثل هذا كثير في الكتاب والسنة.
هـ - فقه المرحلة: وهو فقه مهم للغاية لأن المسلم يجب أن يحيا مرحلته وعصره ووقته، مستنداً الى تجارب الماضي ومتطلعاً الى طموح المستقبل، معتنياً بهذا الفقه بواجب الوقت الذي يفرضه الشرع الحنيف عليه فلا يلتفت الى واجب مضى ولا ينشغل بواجب لم يأت أوانه بعد انما المهم الذي يجب ان ينشغل المسلم به ما أوجبه الله تعالى عليه في التو والساعة، كما ان الرجل اذا دخل وقت صلاة الظهر انشغل بها وعقد النية على أدائها في وقتها فلا يفكر في صلاة الصبح التي أداها ولا ينشغل بصلاة المغرب قبل الغروب، انما شاغله ما أوجب الله تعالى عليه في ذلك الوقت وهذا مثال للايضاح المراد منه أن يكون المسلم (رجل المرحلة) التي يحياها فيراعي فيها الواجبات الحينية وهذا قطعاً سوف يعينه على ادائها على أكمل وجه لانه سوف يُفرِغ وسعه للاتيان بها كاملةً، متزنةً، واقعية، عقلانية وفق ما يقتضيه واقع الحال وفقه المرحلة أما اذا انشغل المسلم بماضٍ أكل الدهر عليه وشرب، وبمستقبل غيبي لا يعلمه الا الله تعالىفان ذلك مضيعة للوقت والجهد والصحة والفراغ وربما للمال والشباب الذي منَّ الله تعالى به على المسلم ليغتنمه على وجهه الامثل الذي اراده الله تعالى من المسلمين.