| المالكي ودعوته لنظام رئاسي.. الدوافع والأسباب لا داعي لها   عدد القراء : 1007   . وقاص الرفاعي في البداية لنتعرف على ما هية النظام الرئاسي ومن ثم نحاول أن نضع النقاط على الحروف لنستنتج بعدها فيما لو كانت دعوة المالكي لاعتماد هكذا نوع من نظام الحكم في العراق نابعة من شعور وطني أم بدافع طائفي مقيت، فالنظام الرئاسي هو نظام حكم تكون فيه السلطة التنفيذية مستقلة عن السلطة التشريعية ولا تقع تحت محاسبتها ولا يمكن أن تقوم بحلها، وتعود أصول النظام الرئاسي إلى النظام الملكي في العصور الوسطى في فرنسا، وبريطانيا واسكتلندا التي كانت فيها السلطات التنفيذية تصدر أوامرها من التاج الملكي وليس من اجتماعات مجلس الأعيان (البرلمان). ويمتاز النظام الرئاسي بأنه يقوم على حصر السلطة التنفيذية بيد رئيس الدولة كما يقوم على الفصل التام بين السلطات، فرئيس الدولة منتخب من قبل الشعب مالك السلطة ومصدرها، ويرأس رئيس الدولة الحكومة ويمارس سلطاته بنفسه وهو الذي يختار وزراءه الذين يقومون بتنفيذ السياسة العامة التي يرسمها لهم، ومن أهم مظاهر الفصل بين السلطات، هو حرمان السلطة التنفيذية من حق اقتراح القوانين وحرمان الوزراء ورئيس الدولة من الاشتراك في مناقشات البرلمان وحرمانهم أيضا من حل المجلس النيابي، ويقابل ذلك حرمان البرلمان من حق سحب الثقة من الرئيس أو وزرائه، أي تكاد تكون مناصبهم شرفية ومعلقة للمرضاة السياسية لا أكثر. أما فيما يخص دعوة المالكي لنظام رئاسي، فيقول المثل (اسمع كلامك يعجبني، انظر لأفعالك استغرب) ومن يستمع لأقوال المالكي يكاد ينبهر من شدة روعته لما يتخلله من مضامين وطنية، تكشف أفعال المالكي وحكومته بان أطروحاته ما هي سوى فقاعات في بحر التسويق الإعلامي، ففي عصر الشعارات والهتافات الفارغة، لم تعد هناك آذان صاغية لمثل هكذا دعوات ولم يعد بمقدور المالكي أو غيره أن يحشد الجماهير خلفه بمجرد نظم بعض الجمل الكلامية البعيدة عن الفعلية. فاللعبة السياسية اليوم وكل المشاركين فيها يمارسون فن الكر والفر ويؤدون بالتناوب ادوار القط والفأر، ومهما حاول بعضهم من أن يروج لنفسه دعاية إعلامية على انه خلع ثوب الطائفية والعنصرية وبات يسير على الخط الوطني فهوا كاذب وبدرجة امتياز، فهم أساسا مسيرون غير مخيرين، ورأس مالهم ورصيدهم لدى الجهات الداعمة والمساندة لهم هي تميزهم بطائفيتهم وعنصريتهم، وسيفقدون صلاحية استخدامهم داخل المنطقة الخضراء فور تخليهم عن هذه النزعات الشوفينية، لذا فمن المستبعد جدا أن نعدّ هذه الدعوات نابعة من صحوة وطنية لمواقف بعض السياسيين الحاليين وخاصة المالكي ودعوته الأخيرة لاعتماد النظام الرئاسي في العراق. فالأجدر بهذا الرجل أن يتخلى عن دورة الحالي كأمين عام لحزب الدعوة الطائفي كي يتمكن من التغرير ببعض السذج للتصفيق والرقص لدعوته بعد هذا، فالمالكي يحاول أن يجسد دور (السوبر مان) أمام العراقيين وانه الرجل المناسب في المكان والوقت المناسبين، إذ استغل جراحات الشعب وانهار دمه الجارية كي يخرج بين الفينة والأخرى ليلقي بعض الخطب المحبوكة نحويا بكونه مختصا باللغة العربية لا أكثر، ومن ثم يقدم للشعب تحليلا لأسباب الوضع المتردي في العراق، ويركز في كل مرحلة معينة وبحسب الظرف والحاجة على عدو مختلق آو كشف للمؤامرات الداخلية والخارجية والظروف البيئية في كوكب المريخ غير مستبعدة من معادلة المالكي طبعا عند بحثه عن شماعة يعلق عليها أخطاءه وكوارث حكومته اليومية. المهم في الأمر لديه هو استغلال أي فرصة يمكن أن تتيح رفع مستوى القبول له ولحزبه ضمن أوساط منتخبة دون غيرها، والتهجم والتصعيد مؤخرا من قبل المؤسسات الإعلامية الحكومية والموجهة من قِبل مكتب المالكي ضد دول عربية معينة وتزامنا مع تردي الوضع الامني على الساحة هو مثال بسيط لطبيعة عمل هذا الرجل الذي يبتغي صرف الأنظار محليا عن فساد حكومته نحو عدو خارجي، وهو حاليا في سباق مع الزمن وللاستحواذ على اكبر كم من المكاسب السياسية عبر خلط الأوراق وتوفير الأجواء لتتصادم باقي الأحزاب فيما بينها، إذ قام الآن برمي الكرة في ملعب ما يسمى بالتوافقات السياسية، إذ برر دعوته لاعتماد النظام الرئاسي على آن المحاصصات هي العثرة الأساسية في طريق الإصلاح والبناء المزعوم، فاكتشف هذا الرجل وبعد ست سنوات العلة والخلل الذي تم تشخيصه أصلا ومنذ اليوم الأول من قِبل القوى الوطنية أبان تشكيل ما يسمى بمجلس الحكم والذي تمخض عنه إصدار الدستور السيئ الصيت، والذي احتوى على فقرات وبنود اعدّت التقسيمات الطائفية والعنصرية بمثابة خطوط حمراء ومقدسة لا يجوز المساس بها وإلا فستصيبك اللعنة وتخرج من الملة وتكون مرتداً وخائنا للأمانة ولعهود ملتقى نوادي لندن وأربيل. لذا فان الدور الذي لعبه المالكي على كونه رجلاً وطنياً لم يأت محبوكاَ ومؤثرا وفيه الكثير من مكامن التكلف والتصنع المكشوف للعيان، خاصةً وان الشعب قد سئم هكذا ادوار وأصيب باليأس من حدوث معجزة ما ليبزغ عليهم فجراً جديداً يرون فيه احد أصنام اليوم وهو يعلن أسفه واعتذاره لهم عما تسبب به من دمار وقتل وهتك للأعراض طوال الفترة الماضية، فان ادعى احدهم التوبة، فان للتوبة شروطاً لقبولها، وأهمها التعهد بعدم العودة لارتكاب الإثم نفسه وإعادة الحق للمتضررين جراء هذا الآثم المرتكب. ففي ظل دعوة المالكي لاعتماد النظام الرئاسي والذي وصفه البعض بأنه يمثل صحوة وتوبة عما مضى، فالسؤال هو هل استوفى المالكي شروط قبول التوبة، بالطبع لا والعكس هو الصحيح، فهناك إصرار متعمد على تطبيق السياسة المعتمدة نفسها منذ أيام الاحتلال الأولى وحتى الآن، فملاحقة الوطنيين وتصفيتهم جسديا أو اعتقالهم وترهيبهم ما زالت مستمراً، وتغييب صوت الحق وإطلاق العنان لصوت الطائفية والثار والانتقام والعزف على أوتار أوهام المظلومية أيضا ما زال مستمراً، وإبعاد المهنيين وذوي الكفاءة والطاقات والخبرات العلمية والفكرية يسير على قدم وساق عبر استبدالهم بذوي الشهادات المزورة ما داموا يحملون شهادات بديلةأخرى تدعى (المولات) وهي مناهضة ومنافسة لشهادات الدكتوراه والبروفاسيرية، فأين النفس الوطني في دعوة المالكي لاعتماد النظام الرئاسي بدلا من البرلماني وهو يعطل أي أجراء يمكن أن ُيتخذ بحق وزراء ومسؤولين تابعين لحزبه ومتورطين بقضايا فساد، وفي الوقت نفسه يحاول أن يظهر أمام الناس وكأنه الوصي على أرواحهم وممتلكاتهم والتي هي أساسا مهددة ومنتهكة في كل لحظة وفي آي مكان من قبل قواته الأمنية الخاصة، وسجل الانتهاكات يشهد على هذا، وما جرى فيما يخص قضية فساد وزير التجارة التابع لحزبه وكيف آن المالكي سارع بالموافقة على استقالته قبل أربع وعشرين ساعة فقط من التصويت على قرار رفع الثقة عنه خيرُ دليل، فقد أتاح لسارق قوت الشعب في الهرب خارج البلاد وبحوزته أموال بلدٍ يتضور نصف سكانه من الجوع والعوز، فكيف سيكون عليه حال البلاد في حالة حصر السلطات بيد شخص واحد كالمالكي فيضع المصلحة الحزبية والطائفية قبل مصلحة الوطن والشعب ككل، والخطوة التي يسعى المالكي لتحقيقها ستجلب المزيد من البلاء والتدهور على كل الاصعدة، والخلل ليس في النظام الرئاسي المعمول به في الكثير من بلدان أوروبا وهي تعيش اليوم في أجواءٍ سليمة من التسامح والتوافق والحرية المنضبطة، ولكن الخلل يكمن في شخوص أولئك الراغبين بالاستحواذ على هذا النظام وفق نواياهم التي كشفتها أفعالهم، فهم شخوص لا نتذكر منهم سوى الأوقات المظلمة التي تكللت بمقتل مليون ونصف المليون عراقي، وأكثر من مليون أرملة وأربعة ملايين يتيم والقائمة تطول وتطول كونها نتائج طبيعية بعد أن قامت حكومات الاحتلال المتعاقبة بإطلاق يد المليشيات وفرقها الخاصة لتعيث في الأرض الفساد وتقتل وتسرق كيفما شاءت لكون المحصلة النهائية ستصب فائدتها في جعبة حكومة المالكي ومن معه، وبعد كل ما تقدم فان العراق لن يهنأ ولن يرى النور سواء النظام المعمول به برلمانيا كان أو رئاسيا ما دامت الشخوص والأصنام هي نفسها تعمل على الساحة اليوم. |