المشروع الوطني لإنقاذ العراق.. تمنيات.. أم حقيقة وضرورة حتمية   عدد القراء : 1293   . كامل العبيدي
توصلنا في الجزء الاول من هذا المقال الى ان الاحتلال افرز واقعاً جديداً في العراق يتمثل في قطبين متناقضين متنافرين كاقصى ما يكون التناقض والتنافر.
القطب الاول يحتضن مشروع الاحتلال الامريكي ووليدته العملية السياسية بكل تعارضها مع الحقوق والكرامة والسيادة والوطنية العراقية وبكل خضوعها ليس لرغبات ومصالح الاحتلال الامريكي الصهيوني وحسب وانما خضوعها وانبطاحها امام رغبات ومصالح غير مشروعة لاحتلال آخر أشد خطراً على الهوية العراقية والثقافة العراقية ومستقبل الوطن العراقي ونقصد به دون ادنى شك الاحتلال الايراني واجندته الشريرة في العراق.
أما القطب الثاني فانه يحتضن المشروع الوطني بكل ابعاده ومكوناته واهدافه، وهو بكل تأكيد يعد النقيض لمشروع الاحتلال بكل ما تحمل هذه الكلمة من معنى لدرجة انه بامكاننا القول ان التركيبة الجينية لأي من المشروعين تعدّ طاردة للمشروع الآخر فلا حياة لاحدهما مع حياة الآخر.
 وهنا يطرح الكثير من المتفائلين الذين يستخدمون اسلوب المناورة والقفز على الحقائق وهم يحسبون ذلك نوعاً من انواع المرونة السياسية يطرحون تساؤلاً مؤداه ان لا مستحيل في السياسة وان تجارب التاريخ السياسي في العالم حفلت بتلاقي الكثير من النقائض، فما هو المانع لان يلتقي في يوم ما مشروع الاحتلال واعوانه مع المشروع الوطني ويحصل التزاوج والتوافق بين المشروعين على حالة اسمها الوسطية وكما يقولون فان خير الامور الوسط، وانه لا داعي للتطرف في رفض احد المشروعين للآخر طالما ان الحياة هي مطلب كل منهما.
ان هذا الطرح يفسر لنا الاساليب والآليات والشعارات المختلفة التي سوقتها ادارة الاحتلال وقياداته على الارض في العراق واعوانه ممن يسمون بقيادات العملية السياسية لاغراء واستقطاب بعض الاطراف والشخصيات وربما التنظيمات التي حسبت في وقت ما على قائمة القوى الرافضة للاحتلال وعمليته السياسية والتي كشفت الوقائع انها لم تكن كذلك وانما كانت تظهر بعض الممانعة مستغلة تأثير القوى الوطنية الحقيقية الرافضة للاحتلال والمقاومة له على الارض لغرض تحقيق بعض المكاسب والمنافع الشخصية من مناصب حكومية وغيرها موهمة الاحتلال واعوانه انها من القوى ذات التأثير في المعادلة العراقية وانها تمثل المكونات الرافضة للاحتلال. ما لبثت ان ركبت موجة العملية السياسية بمجرد ان قبضت بعض الدولارات، وما لبث الاحتلال ان اكتشف خطأ تقييمه لهذه القوى لكنه استحسن فكرة الاستمرار بطرحها على انها انجاز للعملية السياسية وان كان في قرارة نفسه مقتنعاً بانها صفر على الشمال، وهنا لابد من توضيح ان اية نقائض حصل التلاقي بينها لم يكن يحصل لو لم تكن ثمة قواسم مشتركة او حدٌ ادنى من نقاط الالتقاء بين نقيضين يمكن البناء عليه، كما ان سجل التاريخ السياسي في العالم لم يؤشر لنا في اي زمان او مكان حالة واحدة التقى فيها مشروع للاحتلال الاجنبي لأي بلد في العالم مع اي مشروع وطني.
ان من الاهمية بمكان لمعرفة حجم التناقض والتنافر وقوة الطرد بين المشروعين ان نتعرف على خصائص كل منهما فنقول:
ان مشروع الاحتلال ينطلق من الخصائص والحقائق الآتية:
1- اعتمد مشروع الاحتلال منذ انطلاقه على قبول فكرة احتلال العراق من قبل القوى الاجنبية باستخدام القوة المسلحة مع القبول بل والسعادة بالتدمير والقتل والتشريد والقبول بكل الخسائر والاضرار المادية والبشرية والاخلاقية والمعنوية والنفسية المترتبة على هذا الاحتلال والتي يدفع الشعب والوطن العراقي ثمنها.
2- ان الذين انخرطوا في مشروع الاحتلال سوغوا احتلال العراق بل انهم عملوا ما في وسعهم لاستجلابه ثم جاءوا على ظهور دباباته وساهموا عن قصد وسبق  اصرار وترصد في جريمة تدمير العراق دولة ووطناً وقتل وتشريد شعبه.
3- يعتمد المنخرطون في مشروع الاحتلال مبدأ الاستقواء بالاحتلال الامريكي وكل قوى الشر في العالم والاستقواء كذلك بنظام الشر الايراني لتفكيك وحدة قوى الشعب العراقي الرافضة للاحتلال والمقاومة له بهدف اضعاف ارادتها على المقاومة وارضاخها لواقع الاحتلال واخضاعها لشروط عمليته السياسية المشبوهة وبهذا يكون المنخرطون في هذا المشروع قد سلخوا عن انفسهم  اية قاعدة شرعية او اخلاقية او قانونية وتحللوا من اي ارتباط وطني عراقي.
4- ان مشروع الاحتلال ومن معه لا يستند الى القواعد والثوابت الشرعية والاخلاقية والقانونية ولا يستمد قوته من اي تأييد شعبي وان كان ضئيلاً.
5- اعتمد مشروع الاحتلال منذ تأسيسه على منهج المحاصصة الطائفية والعرقية   لتمزيق لحمة الشعب العراقي وضمان البقاء في السلطة تحت عباءة عملية سياسية مدمرة ودستور مزور مشبوه الافكار والدوافع والاغراض.
6- تشبعت القوى المنخرطة في العملية السياسية تحت الاحتلال حتى نخاع عظامها بميكروبات الطائفية والعرقية ولهذا فهي تستمد من الطائفية والعرقية القوة لغرض الهيمنة على الشارع العراقي في محاولة للتعويض عن فقدان القاعدة الشعبية باستنهاض قوة مذهبية وطائفية وهمية تحت شعار المظلومية تارة والاغلبية تارة اخرى وهي تستفز بهذا الاسلوب قوى طائفية ومذهبية وعرقية اخرى تعتقد انها تدافع عن حقوقها باعتماد المنهج نفس وبهذا تضمن تعميم الحالة وتكريسها والبناء عليها.
7- تعتمد القوى المنخرطة في مشروع الاحتلال وبتشجيع منه ستراتيجية النهب والسلب والاستحواذ على المكاسب وتكوين الثروة عن طريق نهب المال العام والتفريط بمصالح البلد.
8- لا تتمسك هذه القوى بوحدة العراق ارضاً وشعباً بل انها تتساهل امام مشاريع تقسيم العراق تحت شعارات الفدرالية والتعددية والديمقراطية طالما ان هذا الاسلوب يحقق منافعها الذاتية ويخدم الاجندات المرتبطة بها.
9- تعمل القوى المنخرطة في مشروع الاحتلال على تغيير ديمغرافية العراق وتدمير موروثه الثقافي والحضاري والقيمي لاضعاف ارتباطه العضوي بحاضنته العربية وتغيير هويته خدمة لاجندات اقليمية وتوجهات قوى داخلية تجد في تفكيك العراق ارضية لاقامة دويلاتها.
10- ملخص القول ان مشروع الاحتلال يرى الكفر ايماناً والايمان كفراً ويرى الاحتلال تحريراً ويرى مقاومته ارهاباً ويرى الحق باطلاً والباطل حقاً، ويرى الاخلاق تخلفاً والانحلال والفساد تقدماً وانفتاحاً ولا يرى اي ضير من انتهاك حرمات واعراض العراقيين والعراقيات من قبل مرتزقته او  مرتزقة الاحتلال وربما عده تكريماً وتشريفاً.
(المشروع الوطني لانقاذ العراق)
ينطلق المشروع الوطني العراقي من الحقائق والثوابت الآتية:
1- رفض الاحتلال من اي منشأ كان ومقاومته والعمل على تحرير العراق ارضاً وشعباً وإلغاء كل آثار الاحتلال وتبعاته وفي مقدمتها المحاصصة الطائفية وكل  القوانين والقرارات والتشريعات التي اصدرها او اوعز لاتباعه باصدارها.
2- استخلاص حقوق الدولة العراقية والشعب العراقي من دول العدوان واحالة كل الذين تعاونوا مع الاحتلال وسهلوا مهمة غزوه للعراق وتدميره واشتركوا في عمليات قتل العراقيين وتدمير مؤسسات الدولة العراقية الى المحاكم لينالوا جزاءهم عن الجرائم التي ارتكبوها والتي في اقلها قتل اكثر من مليون عراقي وتشريد اكثر من اربعة ملايين ونهب اموال وثروات العراق وتدمير التراث الانساني العراقي.
3- العمل على ضمان وحدة العراق ارضاً وشعباً كما كان على مر العصور وعدم التفريط باية ذرة من ترابه تحت اي شعار واي مسمى كان.
4- يستمد المشروع الوطني ارادته وقوته وشرعيته من التأييد الشعبي والارادة الوطنية الرافضة للاحتلال وتبعاته ويعدّ الشعب وقواه الواعية مصدر اية سلطة تتولى زمام الامور في العراق.
5- يتعهد المشروع الوطني العراقي بالمحافظة على هوية العراق العربية مع مراعاة حقوق شرائح المجتمع العراقي المختلفة ويعتمد الهوية العراقية صفة لكل العراقيين بعيداً عن اية انتماءات طائفية او عرقية او حزبية او فئوية وبعيداً عن الاجندات الخارجية.
6- يؤمن المشروع الوطني العراقي ان ثروات العراق ملك للشعب يجب حمايتها وصيانتها وتنميتها لتعود بالخير والرفاه على المواطنين وضمان مستقبل الاجيال اللاحقة. من خلال هذه الخصائص الموجزة لكلا المشروعين يظهر مدى الاختلاف والتناقض وعدم وجود اية امكانية للالتقاء على اية ارضية وعلى اية نقطة من النقاط وحيث ان الهدف الاسمى للمشروع الوطني هو طرد الاحتلال وازالة  تبعاته وبما ان المنخرطين في عملية الاحتلال السياسية هم من اتباعه ومن تبعاته فلابد ان يزولوا او يزالوا بزوال الاحتلال.
وحتى لا يتوهم المغرضون ان المشروع الوطني ليس الا امنية او خيالاً لا يستند الى اية ارضية واقعية لابد لنا من تحديد ملامح هذا المشروع ومكوناته وابعاد تحركه.
وهذا ما سوف نناقشه في الجزء الثالث...