| لغة القرآن    عدد القراء : 703   . ليث سلمان الآلوسي (وَإِذَا لَقُواْ الَّذِينَ آمَنُواْ قَالُواْ آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْاْ إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُواْ إِنَّا مَعَكْمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِءونَ اللّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ أُوْلَـئِكَ الَّذِينَ اشْتَرُوُاْ الضَّلاَلَةَ بِالْهُدَى فَمَا رَبِحَت تِّجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُواْ مُهْتَدِينَ) بسم الله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد فنكمل في هذه الحلقة لغة القرآن لنبين الايات اعلاه من سورة البقرة لقيته ولاقيته: اذا استقبلته قريبا منه وقرا ابو حنيفة (واذا لاقوا)خلوت بفلان واليه اذا انفردت معه ويجوز ان يكون من(خلا)بمعنى المضي وخلاك ذم: اي عداك ومضى عنك ومنه:القرون الخالية ومن(خلوت به)اذا سخرت منه وهو من قولك خلا فلان بعرض فلان يعبث به. والشيطان: من شاط يشيط بقلب ابن آدم وقد فصلنا القول في معاني كلمة الشيطان في الحلقة الاولى هذا وقد جعل سيبويه نون الشيطان في موضع من كتابه اصلية وفي اخر زائدة. والدليل على اصلتها قولهم: تشيطن واشتقاقه من شطن. ومن شاط اذا بطل اذ جعلت نونه زائدة. الطغيان مصدر طغى طغيانا بضم الطاء وكسرها ولام طغى قيل ياء وقيل واو ومعناها مجاوزة الحد. يعمهون: العمة التردد والتحير وهو قريب من العمى الا ان بينهما عموما وخصوصا لان العمى يطلق على ذهاب نور العين وعلى الخطأ في الرأي والعمه لايطلق الا على فقد الحكمة والبصيرة. اشتراء الضلالة بالهدى: اختيارها عليه واستبدالها به على سبيل الاستعارة لان الاشتراء فيه اعطاء بدل واخذ اخر. اخذت بالجمة رأسا ازعرا وبالثنايا الواضحات الدر دراً وبالطويل العمر حيدرا كما اشترى المسلم اذ تنصرا فان قلت كيف اشتروا الضلالة بالهدى وما كانونا على هدى؟ قلنا: جعلوا لتمكنهم منه واعراضه لهم كأنه في ايديهم فاذا تركوه الى الضلالة فقد عطلوه واستبدلوها به ولان الدين القيم هو فطرة الله التي فطر الناس عليها فكل من ضل فهو مستبدل خلاف الفطرة. الضلالة الجور عن القصد وفقد الاهتداء يقال ضل منزله فاستعير للذهاب عن الصواب في الدين. والربح: الفضل على رأس المال ولذلك سمي الشف. والتجارة: صناعة التاجر وهو الذي يبيع ويشتري للربح وناقة تاجرة كأنها من حسنها وسمنها تبيع نفسها. البلاغة: انطوت الايات على قصرها على فنون عديدة نوجزها فيما يلي: 1- المفارقة بين الجمل: فقد خاطبوا المؤمنين :آمنا وهي جملة فعلية. في حين خاطبوا شياطينهم بقولهم:انا معكم وهي جملة اسمية. وذلك لان الجملة الاسمية اثبت في اللغة من الجملة الفعلية. فايمانهم قصير المدى لايعدو تحريك اللسان في مدة لقائهم بالمؤمنين وركونهم الى شياطينهم دائم مستمر وهو اعلق بنفوسهم. 2-المخالفة بين جملة مستهزءون وجملة (يستهزئ). وذلك لان هزء الله بهم متجدد وقتا بعد وقت وحالا بعد حال ليوقعهم في متاهات الحيرة والارتباك زيادة في التنكيل بهم. 3-المشاكلة:فقد ثبت ان الاستهزاء ضرب من العبث واللهو وهما لا يليقان بالله تعالى وهو منزه عنهما ولكنه سمى جزاء الاستهزاء استهزاء فهي مشاكلة لفظية لا اقل ولا اكثر. 4-الفصل الواجب في قوله:(الله يستهزئ بهم) لان في عطفها على شيء من الجمل السابقة مانعا قويا لانها تدخل عندئذ في حيز مقول المنافقين والحال ان استهزاء الله بهم وخذلانه اياهم ثابتان مستمران سواء خلوا الى شياطينهم ام لا فالجملة مسـتأنفة على كل حال لانها مظنة سؤال ينشأ فيقال ما مصير أمرهم؟ فيستأنف جوابا عن هذا السؤال. 5-الاستعارة التصريحية الترشيحية والمعنى: اختاروا واستبدلوا وقرينة الاستعارة الضلالة ثم رشح لهذه الاتسعارة بقوله: فمار ربحت تجارتهم فاسند الربح الى التجارة فالمستعار منه الذي هو الشراء رشح لفظي الربح والتجارة للاستعارة لما بين الشراء والربح من الملاءمة. 6-الفرق بين اشتروا واستبدلوا من وجهين أ/ان الاستبدال لايكون شراء الا اذا كا ن فيه فائدة يقصدها المستبدل منه سواء كانت حقيقية ام وهمية. ب/ان الشراء يكون بين متبايعين بخلاف الاستبدال فاذا اخذت ثوبا من ثيابك بدل اخر يقال انك استبدلت ثوبا بثوب فالمعنى الذي تؤدي اليه الاية ان اؤلئك القوم اختاروا الضلالة على الهدى لفائدة لهم بازائها يعتقدون الحصول عليها من الناس فهو معارضة بين طرفين يقصد بها الربح وهذا هو معنى الاشتراء ومثلهما البيع والابتياع ولا يؤديه مطلق الاستبدال اذا عرفت هذا ادركت السر في اختيار اشتروا على استبدلوا ليتضح لك ان القرآن وهو اعلى درج البلاغة لايختار لفظا على لفظ من شأنه ان يقوم مقامة الا الحكمة في ذلك وخصوصية لاتوجد في غيره.
|