حرب الثلاثة ترليونات   عدد القراء : 3917   .
إعداد/ قسم التحقيقات
صدر للباحثين الاقتصاديين جوزيف ستيغليتز، الحائز على جائزة نوبل للاقتصاد، وليندا بيلمس المحاضرة في جامعة هارفارد، كتاب بعنوان حرب الـ(3)تريليونات دولار، في آذار 2008
لم تخطئ إدارة  المجرم(بوش) حساباتها بشأن منافع حربها على العراق فحسب، بل أخطأت أيضا بشأن الكلف الباهظة لهذه الحرب التي مضى عليها ست  سنوات. وبدلاً من توقعات المجرم( بوش) ومستشاريه بأن تكون حرباً سريعة وغير مكلفة، فقد أصبحت ثاني أطول حرب تخوضها أمريكا. وتشير تقديرات باحثين اقتصاديين مرموقين في الولايات المتحدة إلى أن تأثيرها على الاقتصاد الأمريكي فاق كل التوقعات، وتقدر كلفة ما تكبده حتى الآن(3) تريليونات دولار (أي 3 آلاف مليار دولار). ويتوقع هؤلاء الباحثون أيضا ان تخلّف الحرب آثاراً وخيمة على مستقبل الاقتصاد الأمريكي، وعلى مدى عقود، وإن كانت بعض المؤشرات إلى ذلك بدأت تطفو على السطح في الفترة الأخيرة مقترنة ببدايات مرحلة ركود اقتصادي يشبه في بعض سماته الركود الكبير في أواخر عشرينيات القرن الماضي.
الملف العراقي
بالنسبة إلى العراقيين، تكتسب دراسة تأثير الحرب على الاقتصاد الأمريكي أهمية خاصة لارتباط ذلك على نحو وثيق بخطط صناع القرار في واشنطن وسياسة الإدارة الأمريكية تجاه الملف العراقي، والاحتمالات التي تكتنف مسارها، بما في ذلك مسألة الوجود العسكري الأمريكي، البعيد المدى والمفتوح، في العراق والسيطرة على ثرواته النفطية الهائلة.
فمن جهة، سيكون من السذاجة الاعتقاد بأن الولايات المتحدة، وبالأخص الاتجاهات اليمينية المتطرفة في المؤسسة الحاكمة والمجمع الصناعي العسكري، ستتخلى بسهولة عن الأهداف التي رسمتها للحرب في العراق ومنطقة المشرق العربي، في إطار استراتيجيتها للأمن القومي على الصعيد العالمي، خصوصاً بعد كل ما تكبدته من خسائر اقتصادية وسياسية، وفي الأرواح، خلال السنوات الست  الماضية. يضاف إلى ذلك، توقع احتدام الصراع والتنافس على مصادر الطاقة، وبالأخص النفط، بين أمريكا ومنافسيها القدامى والجدد، بالأخص في أوروبا وآسيا (الصين والهند)، وما يعنيه ذلك بالنسبة إلى احتياطي النفط الهائل في العراق الذي يحتل المرتبة الثانية عالمياً.
كلفة العمليات العسكرية المباشرة
تشير أحدث دراسة للباحثين جوزيف ستيغليتز، البروفسور في جامعة كولومبيا والحائز على جائزة نوبل للاقتصاد (2001)، وليندا بيلمس المحاضرة في السياسة العامة في جامعة هارفارد ، إلى أن كلفة العمليات العسكرية الأمريكية المباشرة وهي لا تتضمن حتى الكلف البعيدة المدى مثل رعاية قدامى المحاربين المصابين تزيد على كلفة حرب فيتنام، التي استمرت 12 سنة، وتبلغ أكثر من ضعفي كلفة الحرب الكورية.
وحتى في أحسن السيناريوهات المحتملة، يتوقع إن تبلغ هذه الكلفة عشرة إضعاف ما كلفته حرب الخليج الأولى، وتزيد بنسبة الثلث تقريباً على كلفة حرب فيتنام، وتبلغ ضعف كلفة الحرب العالمية الأولى. والحرب الوحيدة في تاريخ أمريكا التي كلفت أكثر منها هي الحرب العالمية الثانية، عندما خاض 16،3 مليون جندي أمريكي القتال على مدى أربع سنوات، وبلغت كلفتها الإجمالية (بقيمة الدولار في 2007، وبعد أخذ معدل التضخم بالاعتبار) حوالي 5 تريليونات دولار (أي 5 آلاف مليار دولار). وفي تلك الحرب، عندما شاركت القوات المسلحة الأمريكية كلها تقريباً في القتال ضد الألمان واليابانيين، كانت الكلفة لكل جندي اقل من 100 ألف دولار (بقيمة الدولار في 2007). بالمقارنة مع ذلك، تصل كلفة الحرب في العراق إلى 400 ألف دولار لكل جندي.
ولم يتحسس الأمريكيون بعد هذه الكلف. فالكلفة بالدم دفعها الجنود المتطوعون ومتعاقدون جرى استئجارهم. أما الكلفة المالية فقد جرى تمويلها كلياً بالاقتراض. ولم تجر زيادة الضرائب لتمويلها، بل جرى في الواقع خفض الضرائب على الأغنياء. ويعطي العجز في الموازنة الأمريكية الانطباع بأنه يمكن تعطيل فعل قوانين الاقتصاد، وان بالإمكان الاستمرار، عبر زيادة العجز، بتمويل الإنفاق على الحرب والحاجات الاجتماعية على السواء. لكن هذه القوانين لا يمكن أن تلغى. وتبقى كلف الحرب حقيقية حتى إذا جرى تأجيل استحقاقاتها إلى جيل آخر.
وقد ارتفع الدين القومي للولايات المتحدة بحوالي 2،5 تريليون دولار منذ بدء الحرب، ويرجعتريليون دولار واحد منه بشكل مباشر إلى الحرب بالذات. ويستمر هذا الرقم بالارتفاع، وتشير التقديرات إلى انه بحلول 2017 سيرتفع الدين القومي، بسبب الحرب وحدها، بحوالي تريليوني دولار.
آثار بعيدة المدى
ليس معروفاً كم سيدوم التراجع أو الانكماش الحالي في الاقتصاد الأمريكي، أو مدى عمقه، لكن المرجح أن يكون أسوأ من أي تراجع مماثل في ربع القرن الأخير، وستكون كلفته هائلة. وحتى إذا بلغ معدل النمو هذه السنة (80%) (حسب توقعات صندوق النقد الدولي)، وبدأ النمو يسترد عافيته السنة المقبلة ليصل إلى (2%)، ويعود في 2010 إلى نمو بنسبة (53%) مثلاً (وهي وتيرة تحسن أسرع مما يتوقع معظم المحللين)، فان الخسارة الإجمالية في الناتج على مدى هذه السنوات الثلاث (إي الفرق بين الناتج الفعلي للاقتصاد وقدرته) ستبلغ حوالي (15) تريليون دولار (أي 1500 مليار دولار).
وفي كل الأحوال، مهما كان غنى أمريكا فأنها لا يمكن إن تهدر (3) تريليونات دولار دون ان يؤثر ذلك على قوتها ويضعف مكانتها على الصعيد العالمي، ويحد من قدرتها على خوض حروب عسكرية متزامنة عبر البحار، وبمستوى حربها في العراق. وإذا بقيت القوات الأمريكية في العراق سنتين اخريتين، فان ذلك سيضيف (500) مليار دولار على الأقل إلى الكلفة الكلية للحرب. ولا بد لكلف الحرب وتأثيرها على الاقتصاد أن تترك آثاراً بعيدة على مجالات حيوية تمس حياة المواطن الأمريكي، مثل الرعاية الطبية ونظام الضمان الاجتماعي والتعليم. (حسب الباحثة الاقتصادية الأمريكية بيلمس فان مبلغ تريليون دولار يمكن ان يغطي توظيف (15) مليون مدرس في المدارس الحكومية، أو تقديم منح دراسية كاملة لأربع سنوات لـ(43) مليون طالب أمريكي في الجامعات الحكومية). وسيؤثر خفض الاستثمار المطلوب في التكنولوجيات والعلوم من القدرة التنافسية للاقتصاد الأمريكي. بالمقابل، كان الرابح الأكبر في أمريكا من حرب العراق هو الشركات الكبرى (مثل هاليبرتون التي احتكرت عقود إمداد وتموين القوات الأمريكية)، والمجمع الصناعي العسكري، وشركات النفط.
 الخسائر البشرية للاحتلال
وهناك دراسة - أعدها (إيرك ليفر) و (فيلس بينز)، وأشرف عليها معهد الدراسات السياسية بواشنطن – تبين تفاوت الآراء وتباين الأرقام حول الخسائر البشرية الأمريكية في العراق، إذ يتحاشى المسؤولون الأمريكيون إعطاء تقديرات دقيقة عن التكلفة المالية لتلك الحرب؛ فما هي التكلفة الحقيقية التي تقع على كاهل دافعي الضرائب الأمريكيين جراء الحرب في العراق؛ وهل تقتصر الأرقام على التكلفة المالية المباشرة، أم أنها تتضمن أيضاً التكلفة غير المباشرة على الاقتصاد والسكان؟.