المشروع الوطني لإنقاذ العراق.. تمنيات.. أم حقيقة وضرورة حتمية   عدد القراء : 1143   .
كامل العبيدي
حينما نقول ان المشروع الأمريكي في العراق قد فشل، فإن هذا لا يعني بالضرورة ان الادارات الامريكية التي زاوجت اهدافها ومشاريعها مع اهداف ومشاريع الصهيونية العالمية قد غيرت ستراتيجتها العامة وانها قد تنازلت عن اهدافها بعيدة الامد في المنطقة والعالم، وان الاقرب للواقعية القول ان ما واجهته قوى الاحتلال الامريكي في العراق من مقاومة صلدة من الشعب العراقي، وما نشأ عن احتلالها للعراق من ظروف معقدة ومشاكل مركبة جعلت امكانية نجاح مشروعها في العراق امراً مستحيلاً، ناهيك عن استحالة انطلاق هذا المشروع من العراق الى عموم المنطقة ثم الى الابعاد النهائية لمشروعها عبر العالم.
وعلى هذا الاساس يمكن القول ان مؤسسات القرار الامريكية قد لجأت الى التكتيك للتخلص او التملص من الورطة الكبيرة التي وقعت فيها باحتلالها العراق، رغم الإقرار بأنها حققت هدفاً مهماً يخدم الكيان الصهيوني والنظام الايراني وآخرين، وهو تدمير الدولة العراقية وخلق واقع مزر واشاعة نمط خطير من التمزق داخل المجتمع العراقي، سيحتاج العراقيون الاصلاء الى المزيد من الجهد والوقت للتعامل معه واعادة تثبيت اسس تلاحم وتماسك هذا المجتمع من جديد، سيما وان بذور الاصالة والوطنية ما تزال موجودة لدى معظم اطياف هذا المجتمع رغم كل الظروف التي فرضت على ابنائه ورغم ويلات الاحتلال ومن جاء مع الاحتلال.
وعلى هذا الاساس ايضاً فاننا نعتقد ان الولايات المتحدة لم تُلغ مشروعها في العراق والمنطقة بشكل نهائي وانما اجّلته او جمدته في هذه المرحلة لعدة اسباب.
اولها: ان الولايات المتحدة اصبحت بفضل احتلالها للعراق عجوزاً متعبة تحتاج الى الراحة والتقاط الانفاس ومعالجة النتائج السلبية التي حصدتها بسبب هذا العدوان على الصعيد السياسي  والاقتصادي والعسكري والمعنوي، الداخلي والخارجي، وثانيها: كسب المزيد من الوقت لاعادة تقويم الموقف ودراسة البدائل الممكنة للانطلاق مرة اخرى، او انتظار المتغيرات في العراق والمنطقة علها ترى فرصة سانحة لاعادة طرح المشروع مرة اخرى، وهكذا اصبح الموضوع برمته منصباً على ابقاء الجنين الذي زرعته في رحم عملائها في العراق والمسمى عملية سياسية (حيا) مع كل ما يرتبط به من خزعبلات الديمقراطية والتعددية والفدرالية واحتمالات التقسيم وطمس هوية العراق العربية.
مع ان الادارة الامريكية الجديدة مقتنعة في داخلها ان هذه العملية السياسية هي إحدى فصول مسرحيتها الفاشلة في العراق الا انها باتت لا تمتلك البديل بعد ان توقف عرض باقي فصول المسرحية، وربما كانت تعلم البديل الصحيح والحقيقي لكن كبرياءها وغرورها يمنعانها من الاقرار بالفشل الكامل وإناطة الامر للبديل، ومع الاعتقاد بأن انسحاب القوات الامريكية من العراق اصبح مطلباً وحاجة ملحّين للامريكيين الا ان هامش المناورة والمماطلة والضبابية لهذا الانسحاب يبقى قائماً، وبالتأكيد فان اية خطوات قادمة سوف تتوقف الى درجة كبيرة على مستجدات الموقف في العراق والمنطقة المحيطة به عربية وغير عربية.
الادارة الامريكية الجديدة وهي تطرح مشروع سعي جديد مع انه ليس بجديد لحل ما تسميه مشكلة الشرق الاوسط  والتي تعني القضية الفلسطينية لا نعتقد انها جادة فيها الا بقدر ما يتعلق بخدمة مصالح الكيان الصهيوني، ولا بأس من اسماع الفلسطينين والعرب العبارات العائمة ولا بأس ايضاً ان (تسرحهم بالقنافذ) كما يقول المثل العراقي. والادارة الامريكية الجديدة بزعامة اوباما وهي تطرح لاجل تحسين صورة الولايات المتحدة القبيحة مشروع الانفتاح على الآخر والحوار عبر العالم وتطرح شعارات التغيير والتصالح والود مع المسلمين التي قرر اوباما ان يبدأ خطوتها الثانية بعد ان كانت الاولى قد بدأت خلال زيارته السابقة لتركيا، قرر اوباما ان يبدأ خطوتها الثانية من مصر ليطلق عبرها نداءً الى الدول  الاسلامية للاعتراف بالكيان الصهيوني وحقه في الحياة كدولة.. هذا المشروع الذي سربت شعاراته واهدافه قبل ان تبدأ الزيارة بقصد قياس ردود الفعل عليه والتمهيد لتقبله. يظن اوباما ان بامكانه ان يلعب لعبة الضحك على الذقون، ولا بأس ان يقول ان هذا المشروع سيكون مكسباً كبيراً للانسانية ومكسباً للدول الاسلامية، مقابل كلام وهراء يطيب به خاطر (ابو عباس) الحالم وليس المجاهدين في فلسطين. حوار مع الجميع وخيارات ومسالك مفتوحة لتحقيق مصالح الجميع.. اسرائيل وايران وغيرها، الا مصالح العرب والفلسطينين.. فيكفيهم تكرم اوباما عليهم بالابتسامة والكلمة الطيبة.. اليست الكلمة الطيبة صدقة؟! لقد عودونا ان نعطي دائماً وهم   يأحذون دائماً، ويبدو ان اوباما المنقطع عن جذوره الاسلامية ما يزال يتذكر ما علمه اياه والده المسلم من ان (الكلمة الطيبة صدقة)، ثم ان العرب والفلسطينين بالذات هم من الاصناف الثمانية المستحقة للصدقة كما في شرعة والد اوباما المسلم، وبالمناسبة فالقلوب عند بعضها كما يقول المثل لان ما فعله بابا الفاتيكان خلال زيارته للكيان الصهيوني ينبع من الوعاء نفسه ويعتمد الاسلوب نفسه. المكاسب للكيان الصهيوني، والضحك على الذقون للعرب والمسلمين.
ونعود الى ما يهمنا من هذا الموضوع وهو ان الادارة الامريكية خلقت واقعاً في العراق يؤشر خطين تعلم هذه الادارة اكثر من غيرها انهما لا يمكن ان يلتقيا.
الخط الاول.. هو خط العملية السياسية المستمدة من الاحتلال الامريكي والمشربة بأجندة الاحتلال الايراني تسحب وراءها تراكمات سنوات الاحتلال من القتل والتدمير والتشريد والاعتقال وانتهاك الحرمات والاعراض والنهب والسلب واشاعة الانحلال الخلقي وتفكيك المجتمع العراقي. جرائم لابد من القصاص العادل عنها.
والثاني.. خط المبادئ الوطنية والقيم العليا ورفض الاحتلال وكل آثاره وتبعاته واحتضان المقاومة العراقية واعتبار تحرير العراق من الاحتلال في اعلى سلم اولويات المرحلة.
والولايات المتحدة تعلم ايضاً انه من المستحيل مد اي جسر ولو بسمك الشعرة بين هذين الخطين، وانه لابد من التخلص من احدهما، وبما ان الاول هو وليد  الاحتلال وقرة عينه فقد عملت ادارة الاحتلال وقواته ما بوسعها لتصفية طليعة الخط الثاني وقياداته بالاشتراك مع كل القوى التي استثمرت فرصة الاحتلال لترمي بثقلها في الساحة العراقية ومنها مليشيات ايران وعملائها واجهزتهم الامنية وجيشهم، وكان القتل والتهجير والتشريد والاعتقال وسيلتها لتحقيق هذه الغاية، وفي المقابل فهي تقوم باسناد وليدها باقصى ما يكون الاسناد. ومع كل  هذا وذاك فادارة الاحتلال وقادة الاجندة الايرانية يدركون ان مسألة الصراع بين الخطين ليست سوى مسألة وقت، وان الخط الثاني لا يمكن قهره او تصفيته لانه يستند الى الشرعية الشعبية والوطنية والاخلاقية والقانونية، وانه لابد من تحقيق النصر طال الزمن او قصر.
اما ارباب العملية السياسية الحالية والذين جاؤوا على ظهور دبابات الاحتلال او خلفها فقد ركبوا (التايتانك الامريكية) ظناً منهم انها عصية على الغرق في طوفان الشعب الغاصب، متناسين ان مصير ركاب (التايتانك) لن يكون الا جثثاً هامدة في قعر البحر السحيق.
ومن مراجعة سجل الولايات المتحدة الاسود ليس في عدوانها على شعوب العالم وحسب وانما في تعاملها مع عملائها بعد استنفاد ادوارهم وانتهاء   خدماتهم لاسيادهم، يتبين انها لا يمكن ان تستمر في تبني هؤلاء العملاء ولا يمكن ان تقدم التضحيات من اجلهم وان مصيرهم لن يكون احسن من مصير الذين ركبوا من قبلهم (تايتانيك الاحتلال) في الصين وفيتنام وايران.
ومن خلال هذه الحقائق تبرز اهمية الدور الذي يجدر بالخط الثاني ان يضطلع به والذي يتمثل بكل تأكيد بالمشروع الوطني لانقاذ العراق.
وهنا ياتي التساؤل المشروع.. هل ان هذا المشروع مجرد احلام وامنيات لشعب تكالبت عليه قوى الظلم والعدوان والظلام من كل جانب.. ام انه حقيقة وضرورة حتمية..
سنحاول مناقشة بقية الموضوع في العدد القادم..