| المرأة العراقية تستحق ما هو أفضل من ( ديمقراطية ) الاحتلال   عدد القراء : 1749   . هيفاء زنكنة- كاتبة عراقية لنفترض بأن المرأة العراقية ساذجة، و من أهل الله حسب التعبير العراقي، تصدق كل ما يقال لها بلا مساءلة او تمحيص. لنفترض بانها بلا تاريخ شخصي او عام متناسين انتمائها الى العائلة والمجتمع وتاريخ العراق العريق. دعونا ننسى، في الوقت نفسه، مساهمتها في بناء العراق الحديث، لان ما هو مطلوب منها ومنا ايضا الا نعير التاريخ، شخصيا كان أم عاما، أي اهمية. لماذا؟ من اجل بناء العراق الجديد وبالدرجة الاولى من أجل خلق الانسان العراقي الجديد . وهو هدف نسمعه مرارا وتكرارا، يوميا، في تصريحات مسؤولي الادارة الامريكية بوش ورامسفيلد ورايس، والحكومة البريطانية متمثلة بتوني بلير وجاك سترو، ونتلقى صداها، بحرارة أكبر، من خلال كل اعضاء الحكومة العراقية المؤقتة حاليا واعضاء مجلس الحكم سابقا. فما الذي يتوجب على المرأة العراقية، وهي المشمولة افتراضا بشعار خلق الانسان العراقي الجديد، القيام به لتصبح مؤهلة لأداء دور فعال في العراق الجديد؟. وفقا لطبيعة الاحتلال، عليها أولا ان تمسك بممحاة كبيرة وتمسح الآتي جملة وتفصيلا: على المرأة العراقية ان تمسح من ذاكرتها التاريخية صورة الشاعرة فدعة الأزيرجية، ابنة مدينة العمارة التي زغردت الشعر في القتال ضد قوات الاحتلال البريطاني في ثورة العشرين. ان تنسى أم نزار، شاعرة الثلاثينيات والأربعينيات الداعية ابناء العراق الى طرد المغتصب البريطاني الدخيل، وتوصيهم بالصبر واليقظة لكيد المستعمرين، وخيانة الانتهازيين وقصائدها التي صاغت فيها عواطفها في نكبة فلسطين. ان تلغي نازك الملائكة، الناقدة ورائدة الشعر العربي الحديث، وقصائدها التي جمعت فيها بين نضال الفرد العراقي والجزائري والفلسطيني ضد الاحتلال، محذرة كما في قصيدتها اللصوص ، من المحتلين الذين ينتحلون شتى الأسباب لدخول الوطن العربي تحت أي ستار وهدفهم: يسلبونك لو يقدرون خضرة الشجر المبتسم . ان تنسى مساهمتها في النضال السياسي السري والعلني ضد الحكومات العراقية المتتالية الممثلة، عمليا، لمصالح الاستعمار البريطاني، واعتقالها، حالها حال الرجل، في مسيرة تحقيق الاستقلال التام. أن تنسى منجزاتها القانونية والتشريعية والاجتماعية والتعليمية والصحية التي حققتها في العقود التالية لثورة 1958، بمثابرتها وارادتها ونضالها، على الرغم من القمع السياسي والحروب المتتالية التي ابتلت بها تحت النظام الصدامي و13 سنة مريرة من سنوات أقسى وأطول حصار اقتصادي يفرض على شعب في التاريخ ، حسب تصريح مندوبة الامم المتحدة في العراق، عام 2000. لنفترض بانها مسحت ذلك كله وتخلصت من الاحداث والوقائع التاريخية والمجتمعية، صالحة كانت ام طالحة، المكونة لشخصيتها وهويتها ووجودها. لنفترض بانها اصبحت بلا ذاكرة كما هو مطلوب منها في ظل الاحتلال والحكومات العراقية المؤقتة، لتساهم في عملية بناء الانسان العراقي الجديد . ولم يبق امامها غير اعادة تركيب ذاكرتها او بنائها وفق الانجازات اليومية التي عايشتها، بنفسها، خلال العامين الماضيين، في فترة التحرير و الديمقراطية و ضمان حقوق المرأة. فما الذي ستراه؟ تهديم البنية التحتية للبلد، انخفاض ساعات تزويد البيوت بالتيار الكهربائي الى ساعتين يوميا، تلوث مياه الشرب بفضلات المجاري والمواد المشعة، قلة الدواء في المستشفيات ونهب المعدات، انتشار المخدرات بين الصبيان بشكل لم يشهد له العراق مثيلا من قبل، التهديد اليومي بالغاء الحصة التموينية، وقوف النساء والرجال في طوابير لساعات من أجل التزود بالبنزين او الحصول على قنينة غاز يتيمة، وهم مواطنو البلد الذي يملك ثاني أكبر احتياطي بترول في العالم. سترى نهب الآثار المستمر بشكل يومي، عدم وجود متحف مفتوح واحد في بلاد المتاحف، اغلاق المكتبات الوطنية، اقتصار التعيين في الدوائر الحكومية لمن يمد يده بشهادة التزكية من أحد الأحزاب السياسية المشاركة في الحكومة المؤقتة ، وصول نسبة البطالة بين عامة الشعب، وخاصة النساء، نسبة 70 %، والخيام المنصوبة للمهجرين من المدن التي تم قصفها من قبل قوات الاحتلال. سترى اخواتها النساء وهن يتنافسن مع الاطفال في الصباح الباكر في مراكز تجميع النفايات حول المدن، لالتقاط أي شيء صالح للاكل او البيع بينما تقرأ عن اختفاء مبلغ 9 مليارات دولار من مدخول مبيعات النفط العراقي تحت حكم بول بريمر ومجلس الحكم بدون اجراء أي تحقيق في الاختفاء حتى الآن. كما تقرأ عن نقل مبلغ 300 مليون دولار نقدا بواسطة طائرة الى بيروت بحجة شراء اسلحة حديثة، لتختفي ملايين الشعب العراقي، بلا تحقيق، في ضجة تبادل الاتهامات بين سياسيي الحكومة المؤقتة، ومن ثم سباقهم السريع في عرض خدمات الخصخصة وتوقيع اتفاقيات الفرهود المبيحة لثروات البلاد باسعار مغرية ومجزية للدول التي أرسلت قواتها لاحتلال العراق تحت قيادة الادارة الامريكية. في مجال حقوق الإنسان، سترى بان رجال مخابرات النظام السابق هم انفسهم رجال مخابرات النظام الحالي، أخلاقا وسلوكا وإن حضروا دورات تدريب على حقوق الأنسان ، وان توثيق الجرائم المنتهكة لحقوق الانسان والقبور الجماعية وتوفير المعلومات الحقيقية عن ملابسات الجرائم التي ارتكبت برعاية النظام السابق، ما زال يقتصر على اغراض دعائية بحتة، من قبل قوات الاحتلال واعضاء الحكومة العراقية المؤقتة، غافلين عمدا عن الاشارة الى جرائم وانتهاكات قوات الاحتلال لحقوق الانسان العراقي. هذه الانتهاكات المخزية والمقززة ما تزال تمارس، يوميا، ضد المواطن العراقي وتمر بلا حساب او تدخل من قبل اي جهة سياسية او قضائية او حكومية تعمل تحت مظلة العراق الجديد . فوقعت مسؤولية ادانة هذه الانتهاكات على عاتق بعـــــض المنظمات الانسانية الدولية، من بينها منظمة العفو الدولــــية التي اصدرت، في الشهر الماضي، تقريرا شاملا عن وضع المرأة العراقية واجواء الخوف التي تعيشها يوميا، جاء فيه: يتوجب على السلطات العراقية أن تتخذ إجراءات فعالة لحماية النساء وتغيير التشريعات القائمة على التمييز التي تشجع على ارتكاب العنف ضدهن. وقال عبد السلام سيد أحمد مدير برنامج الشرق الأوسط وشمال أفريقيا إنه ينبغي على السلطات العراقية اتخاذ تدابير محسوسة لحماية النساء مضيفاً أنه يتعين عليها إرسال رسالة واضحة بأنها لن تتسامح إزاء العنف ضد المرأة بإجراء تحقيقات في جميع مزاعم الانتهاكات المرتكبة ضد النساء وبتقديم المسؤولين عن ارتكابها إلي العدالة أياً تكن انتماءاتهم. ودعت المنظمة قوات الاحتلال التي تقودها الولايات المتحدة إلى تعزيز الضمانات المتوافرة للنساء في الاعتقال والتحقيق دون إبطاء في جميع مزاعم العنف ضد المرأة، بما فيها الاعتداءات الجسدية التي يرتكبها جنودها أو موظفوها الآخرون. فهل تحتاج المرأة العراقية ما هو أكثر من هذا لتكشف توهيمات ديمقراطية الاحتلال ولتواصل نضالها، بأي طريقة كانت، ضد لصوص بلادها؟. |