| أهوار العراق بين الجفاف القادم وهجرة أهلها   عدد القراء : 3862   . زينب الجميلي تواجه اهوار العراق التي تعد اهم الاجسام المائية في منطقة المشرق العربي تهديدا جديدا. فالاهوار تمثل نظاما بيئيا فريدا تمكن عبر عدة قرون من ادامة تنوع هائل من الحيوانات والنباتات، وتنوع الحياة فيها والمهن التي يزاولها سكانها كما مكنت طبيعتها ومساحتها الشاسعة سكانها من تطوير اسلوب حياة متميز فيها معتمدين على الاكتفاء الذاتي. واهوار العراق تتعرض اليوم الى الانكماش بسبب الجفاف وشحة المياه المتأتية عن قيام الدول المجاورة للعراق كإيران وتركيا وسورية ببناء السدود على نهري دجلة والفرات وروافدهما. مما قلل كمية المياه الواردة الى النهرين في داخل الاراضي العراقية ومن ثم الى الاهوار. ولذا فقد اضطر العديد من اهل الاهوار، الذين عاشوا في تناغم مع هذه البيئة لآلاف السنين، الى هجرها من الجديد. وذلك لشظف العيش وقلة الموارد ولاعتمادهم بالشكل الاساس على المياه وما تحمله من خيرات لهم . الأهوار تتقلص لتتلاشى!! فالمنطقة التي كانت عبارة عن مساحة شاسعة من المياه وحقول البردي، قد تحولت الى صحراء جرداء تتخللها السواقي الطينية. وكانت منطقة الاهوار تغطي تاريخيا مساحة تتجاوز الـ 15 الف كيلومتر مربع، ولو انها تقلصت في العصور الحديثة الى نحو تسعة آلاف كم مربع.ولكن هذه المساحة تقلصت بشكل كبير في ثمانينيات القرن المنصرم نتيجة اقامة مشاريع في المنطقة الجنوبية بحيث اصبحت لا تتجاوز(760) كيلومترا مربعا. واذا كانت الاهوار ازدهرت من جديد بعد ان هدمت السدود التي حجبت المياه عن الاهوار واعيدت الحياة الى اكثر من (40%) من مساحتها. ولكن الوضع سرعان ما تدهور من جديد الآن، إذ تقلصت مساحة الاهوار ثانية الى(30%) فقط من مساحتها السابقة، والوضع مرشح للتفاقم اذا انحبست الامطار لسنة اخرى. وقال حازم الدلي، وهو مهندس مياه يعمل في وزارة البيئة الحكومية(إن شح المياه الذي نشهده حاليا يمثل مشكلة كبيرة. انه ليس طبيعيا). فنتائج هذا الشح وتأثيراته على نوعية المياه المتوفرة وعلى التنوع البيئي في الاهوار واضحة للعيان، وهي تجبر سكان المنطقة على النزوح منها. وفي الحقيقة، يسهل لنا ان نرى تأثير شح المياه من خلال ملاحظة انخفاض منسوب نهر دجلة في بغداد. ندرة الأمطار أحد الأسباب تعد ندرة هطول الامطار في السنوات الاخيرة السبب المباشر لانحسار الاهوار، الا انها ليست السبب الوحيد بأي حال من الاحوال. لان تاثير الدول المجاورة اكبر ضررا على مياه نهري دجلة والفرات وعلى مستقبل البلد المائي. يقول حسن برتو الخبير في برنامج البيئة التابع للامم المتحدة: (إن مشكلة الجفاف التي يعاني منها العراق خطيرة حقا، فموسم 2007-2008 كان واحدا من اقل المواسم مطرا على الاطلاق وكذلك في عام 2009 كما كان مستوى تساقط الثلوج في منابع دجلة والفرات اقل من الاعتيادي وليس من المتوقع ان يشهد العراق تساقط امطار غزيرة). وقال:(اما بالنسبة للاهوار، والتي تغذيها المياه الناتجة عن تساقط الثلوج، فاننا لا نعلم حجم الفيضان (الناتج عن ذوبان الجليد في جبال تركيا وايران)، فإن العلامات المتاحة غير مشجعة بالمرة. ولكن حتى في حال تساقط الامطار والثلوج بمعدلات فوق الطبيعية، فإن كثرة السدود والمشاريع الاروائية التي شيدت على حوضي نهري دجلة والفرات كفيلة بحجب نسبة كبيرة من المياه عن الاهوار. يقول عزام علوش، مدير جماعة (Nature Iraq) المعنية بشؤون البيئة، والذي بذل جهودا كبيرة في محاولات اعادة الحياة الى الاهوار، إن دورة الفيضان الطبيعية للنهرين قد قوضت بفعل السدود التي انشئت في تركيا وسورية والعراق ذاته - ولكن تركيا على وجه الخصوص. والتي لا زالت مستمرة في اقامة مشاريع كبيرة دون اعارة أي اهمية لحجم الخسائر التي تتعرض لها الدول المجاورة لها والمشتركة معها في هذه المياه حيث تعد نفسها المالك الوحيد لها ولا تلتزم باي مواثيق دولية خاصة وانه لا توجد حكومة تملك مقدراتها والقوة التي تحمي بها حقوق هذا البلد السليب. إن نظام الانسيابية الطبيعية للمياه لن يعود ثانية ما لم تجري ادارة السدود الواقعة خارج العراق كجزء من نظام متكامل ومنسق يشمل حوضي النهرين ,علينا ضمان توزيع عادل ومتساو للموارد المائية، وان نزيد من كفاءة استخدام الموارد الموجودة. يذكر ان للعراق اتفاقات لاقتسام الموارد المائية مع كل من سورية وتركيا وايران، ولكن يصعب على هذه الاطراف الالتزام بذلك واطلاق كميات المياه المتفق عليها في سنوات الجفاف.فضلاً عن ذلك، هناك العديد من السدود قيد الانشاء، مما سيزيد الازمة سوءا. الأتراك والإيرانيون والأهوار والعراق ففي الوقت الذي تقوم به تركيا بتشييد اكبر هذه السدود واضخمها، يقوم الايرانيون من جانبهم ببناء السدود على نهر الكرخة الذي يصب في الاهوار مباشرة. كما قامت ايران بتشييد حاجز طيني كبير على طول الحدود الدولية في هور الحويزة مما عرقل المسارات الطبيعية لمياه الاهوار. لا يخلو العراق نفسه من امثال هذه المشاريع، حيث تسهم بعض المشاريع الاروائية التي شيدت شمالي الاهوار في خفض كميات المياه التي تصل اليها. فضلاً عن ذلك كله، فإن لظاهرة التغير المناخي دوراً ايضا في تفاقم المشكلة.فنستطيع رؤية آثار الاحتباس الحراري على مناسيب المياه في انهارنا، وفي جفاف اجزاء كبيرة من الاهوار. كما تشير الادلة الى ان ما نراه اليوم هو غيض من فيض ما ستأتي به السنوات المقبلة، لذا فإن على المختصين في شؤون الثروة المائية في العرق ان يبلوروا الخطط الضرورية للتعامل مع ظاهرة التغير المناخي ورفع توصيات لإلزام الدول المجاورة باتفاقيات الموقع عليها او ابرام اتفاقات تتواءم مع الواقع واتخاذ تدابير سريعة قبل ان تتفاقم هذه الازمة. واخيرا ان الاهوار تمتاز بالقدرة على تحمل الجفاف والعودة الى الحياة حال توفر كميات مناسبة من المياه.ومن المقترح خطة تقضي ببناء(17) ناظما تسمح بخزن المياه في الشتاء واطلاقها في موسم الربيع مما يخلق نبضة فيضانية اصطناعية تشبه الى حد بعيد الفيضان الطبيعي. يقول الناشط البيئي عزام علوش: هذه خطوة حيوية لن تضمن اعادة الحياة الى اجزاء كبيرة من الاهوار فحسب، بل ستؤدي ايضا الى زيادة المساحات المسترجعة هذا اذا نفذت فعلا وواقعا وان النشاط الزراعي الذي يعتمد على الاستغلال الزائد والمبذر للموارد المائية يجب ان تعتمد تقنيات الري الحديثة الاكثر كفاءة، والا سيكون مصيرها الفناء نتيجة تزايد نسب الملوحة. واذا لم يطوروا اساليب الارواء، فسيحكمون على انفسهم بالموت نتيجة ترسب الاملاح. اما الاهوار، فسيمكنها الاستمرار بالرغم من المياه المالحة ولو بتنوع بيئي يختلف عما نراه اليوم. يبدو الامر الآن ان الاهوار ستواجه سنة صعبة للغاية، ولكن اذا طبقت الدول المعنية اتفاقات المشاركة في الموارد المائية بشكل صحيح، واذا اعتمدت انظمة متطورة لادارة الموارد المائية في الانهار كما في الاهوار ذاتها، فالمستقبل حنئذ لن يبدو كما يبدو اليوم. هذا اذا لم تكن الاتفاقات حبرا على ورق فالامر بحاجة الى وقفة جادة من قبل كل الاطراف المعنية والى ذلك الحين نبقى ننتظر. |