فساد التجارة .. وتجارة الفساد في العراق!!   عدد القراء : 3931   .
سامي يوسف
عرضت بعض الفضائيات الحكومية قبل أيام قليلة مجرى أحداث مسرحية هزلية وهزيلة، تمثلت في مساءلة المدعو فلاح السوداني وهو وزير التجارة في الحكومة الحالية، وطبعا كل ذي عقل سليم سيدرك بان الأمر كله ما هو إلا لغرض الاستهلاك الإعلامي المحلي وبمثابة حقن من المورفين يزرق بها الشعب لتخديره وصرف انظاره عن الكوارث وقضايا فساد الحكومة حتى موعد إجراء ما يسمى بالانتخابات البرلمانية القادمة.
والمضحك في الأمر أن من لعب دور المدعي العام في هذه المسرحية الهزلية والتي جرت أحداثها داخل أروقة بناية برلمان الحكومة الحالية هو أحد أعضاء حزب الفضيلة، وهذا الحزب وحتى وقت قريب كان الآمِر والناهي والمتسلط الأول على زمام أمور أنابيب تصدير النفط في البصرة.
ولعدة سنوات مضت فقد قام هذا الحزب ببيع وتصدير النفط بلا حساب ولا كتاب وبدون عدادات ومقاييس تذكر وبشهادة أمريكية، وقدرت كمية النفط المهرب آنذاك بأكثر من خمسمائة ألف برميل يوميا، فأين كانت تذهب أموال هذا النفط يا أيتها الأحزاب التي ارتديتن ثوب العفاف والفضيلة، في حين أن الشعب يتضور جوعا وأكثر من خمسة ملايين فردا من ابنائهِ باتوا يعيشون تحت خط الفقر.
 أما فيما يخص وزارة التجارة ووزيرها الحالي، فهذا الرجل قد لبس تاج القدسية لكونه أحد أعضاء حزب الدعوة، وبالتالي فهو لن ينال عقابا صارما لسرقته قوت الشعب ونهبه لعلب حليب الأطفال الرضع، وكغيره ممن سبقوه فسيتم الاكتفاء باعفائه من مهامه ليتم استدعاء لص آخر أكثر خبرة ومهنية ومعرفة بفنون السرقة التي يصعب كشفها وتتبعها.
وبالنسبة لفلاح السوداني فلن يتضور جوعا بعد تركه العمل لكونه قد أمن نفسه ومستقبله عبر الأموال المكدسة في بنوك أوربا وبعض المشاريع الإنتاجية في الإمارات وإيران وغيرها، وعلى الشعب أن لا يفرح كثيرا ويظن خيرا بالحكومة الحالية عندما شاهد مجريات أحداث تلك التمثيلية المعنونة بمساءله وزير التجارة.
 فهذه العصبة قد حبكت الأدوار جيدا عبر التدريب والممارسة ولفترة طويلة مضت، وما عملية كشف الفساد في وزارة التجارة إلا قطرة من بحر عما يجري على ارض الواقع، حتى أن صحيفة نيويورك تايمز ذكرت في عدد سابق لها بأن وزارة التجارة العراقية تحتل المرتبة العاشرة من الفساد، أما وزارة الداخلية فتحتل المرتبة الأولى، أما هيئة النزاهة الحالية فقد ذكرت أن الحزبية والمحسوبية والمحاصصة تحمي الفاسدين.
وقد عزا تقرير صحيفة نيويورك تايمز بأن تفشي ظاهرة الفساد المالي والإداري في العراق تسبب بخلق العقبات التي تحول دون مقاضاة المسؤولين الفاسدين، والمتمثلة بالتدخلات الحزبية والانتماءات الطائفية، والتهديدات بالقتل والابتزاز، فضلا عن الوساطة والرشوة والقوانين التي تمنح الوزراء حق مسامحة الفاسدين.
 وأضافت الصحيفة نفسها وعلى لسان رئيس ما يسمى بهيئة النزاهة (رحيم العكيلي) قوله (إن سبب الفساد المستشري في العراق هو شعور المسؤول الفاسد بأنه محمي من قبل حزبه أو انتمائه الطائفي) علما انه وخلال العام الماضي قد تم إلغاء التهم الموجهة إلى (2772) موظفا حكوميا من المشتبه بذمتهم المالية، بسبب شمولهم بقانون العفو العام، وطبعا العفو العام الصادر عن حكومة الاحتلال هو مخصص للصوص والسراق من منتسبي الأحزاب المشاركة في العملية السياسية الحالية ويستبعد منه أبناء العراق الأبرياء الذين يقبعون خلف القضبان ومنذ سنين وبدون أي تهمة توجه لهم.
ويذكر انه ومنذ عام 2005 وحتى الآن فقد تم توجيه تهم رسمية بالفساد إلى خمسة وزراء، وقد تم تبرئة بعضهم، فيما فر الآخرون إلى خارج العراق.