في ذكرى تأسيسها.. هيئة علماء المسلمين: الثابت والمتغير   عدد القراء : 3574   .
إسماعيل البجراوي
يبدو ان المحن والصعاب التي تمر على الامم لها ما لها من افاعيل، وهذه الافاعيل قد تقود الى تحريك او لنقل تثوير لسلوكيات وانماط مذهلة وخاصة اذا كانت هذه الامم تمتلك خزيناً حضارياً وتأريخياً ثراً، فالامم الحية هي التي تمتلك مقومات نهضتها وانعتاقها رغم المحن والشدائد فتكون هذه الاخيرة بمثابة المحرك او المهيج لذاك الخزين الخصب والحديث يقودنا الى ما حصل ويحصل على ارض الرافدين.
ولنكتف بمسمى ارض الرافدين وما يمتلك من رمزية لعمق حضاري وتأريخي ضارب في القدم ولنضف اليه رمزية البعد الديني التي هي الاساس، فالعراق ارض الرسالات والانبياء والرجال الصالحين فليس من بقعة فيه الا وضمت جسداً طاهراً، فالعراق وفق جميع المقاييس مبعث الاشعاع والنور للبشرية جمعاء والويل والثبور لمن يتجرأ ويدنس ثراه الطاهر، فواقع الحال اثبت لكل ذي بصر وبصيرة ان الرهان على العراق بانه سوف ينكسر ويتنازل عن قيمه ودينه ومعطاه الحضاري والتأريخي خاب فأله ورهانه.
 فالعراق غزير برموزه المقارعة للمعتدين والعراق ولود لكل فذ ومغوار والعراق عنوان كبير تنصهر فيه العناوين الاخرى الا ان واقع الامر يفرض علينا تسليط الضوء على بعض العناوين والرموز وبما اننا الآن نعيش عصر المحن والصعاب والشدائد عصر الاحتلال وعملائه عصراً لا بد ان يظهر فيه رجال الحق ليعيدوا الامور الى نصابها الصحيح، فرغم ترهات قوى الشر والعدوان بان العراق لن تقوم له قائمة الا ان هذا التنظير لم ولن يبرح احلامهم المريضة وامانيهم الخائبة التي امّلهم بها الخونة من عملاء واعوان وهم لاعقي احذية الغزاة وهم في كل زمان ومكان موجودون بل انهم اشر من الغزاة المعتدين لانهم يتكلمون بلساننا ويعيشون بين ظهرانينا.
إذاً لابد من المعادلة ان تكون متكافئة فأمام قوى الشر لا بد ان تكون قوى خير وقوى الخير هذه هي التي سوف نتحدث عنها فهي التي قوت شوكة العراق في القدم وتقويها اليوم.
وامامنا نحن الجيل الذي عايش العراق واقع الاحتلال المرير رمز لا يمكن لأي منصف ان يتجاهله او ان ينكره وهذا الرمز هو هيئة علماء المسلمين، فهي هيئة مباركة بكل ما تحمل هذه الكلمة من معانٍ وهي هيئة مجاهدة بكل ما تحمل هذه الكلمة من معان ايضاً، فهي إذاً هيئة الحق، وحري بي ان اتوقف هنا عند هذه الكلمة وهذه الكلمة لها دلالة عميقة لا يمكن لاي شخص ان يمر عليها مرور الكرام واقول الحمد لله رب العالمين الذي جعلنا على تماس مع هذا الرمز الحق طيلة السنين الماضية، فالحق والصدق لم يعرف ولن يعرف وسط ضبابية وغبش الانذال المحتلين وعملائهم واعوانهم لولا صوت الهيئة وافاعيلها في الساحة العراقية، وهذه شهادة قالها الاعداء قبل الاصدقاء فلم يهدأ المقر السليب في جامع ام القرى في سنين التأسيس الأُول والتي تزامنت مع سنين الاحتلال الأُول ايضاً، فكانت الزيارات لمختلف الشخصيات سواء من دول اجنبية كانت أو عربية أو اقليمية لمقرها ممثلة بسفراء ودبلوماسيين كذلك منظمة الامم المتحدة ممثلة بسفيرها السابق (اشرف قاضي) ومبعوثها (الاخضر الابراهيمي) وكذلك ينسحب الحال على الجامعة العربية.
 وقد كان لها محطات معروفة ولقاءات معروفة مع هيئة علماء المسلمين ابتداء من عمرو موسى وانتهاء بـ(احمد بن حلي) و (مختار لماني) لايجاد مخرج للازمة العراقية ازمة الاحتلال ومشاريعه وما خلفه هذا الاحتلال البغيض وحكوماته المتعاقبة من خراب ودمار لبلد الرافدين ارضاً وشعباً.
وفضلاً عن كل ذلك بعض رموز العملية السياسية الشوهاء الذين جاءوا للهيئة من اجل مآرب ومصالح وضعت هيئة علماء المسلمين يدها عليها وقارنتها مع الثابت لمبدئيتها فلم يرض هذه الاطراف ثوابت الهيئة التي لا يمكن ان تتنازل عنها وهي (اللاءات المشهورة) التي اقلقت وزيرة الخارجية السابقة لادارة المجرم (بوش) (الكوندليزا) وهذه (اللاءات) معروفة وهي (لا للاحتلال، لا لمشاريعه التقسيمية، لا لعمليته السياسية التي اوجدت وباء المحاصصة الطائفية المقيتة، لا لسرقة ثروات العراق وخيراته...).
هذا الاستعراض مهم لمسيرة انطلاق هيئة علماء المسلمين لانه يضع اليد على مكمن جد مهم وهو ان هيئة علماء المسلمين منذ انطلاقتها لم تجامل على حساب المبادئ والثوابت الوطنية فكانت بحق صمام الامان للعراق والعراقيين والذي جعل جميع الشخصيات والمنظمات الدولية والاقليمية والمحلية تسعى اليها، فالهيئة هي التي وضعت منذ البداية (مشروع الخلاص) من نير الاحتلال وقدمته للامم المحتدة والجامعة العربية والشواهد على ذلك كثيرة بل ان الدليل المادي موجود في ارشيف تلك المنظمتين لمن يريد ان يطلع عليه.
الطرح الآخر الذي اريد ان اقف عنده في هذا المقال الجدلية التي بزغت والتي تتناغم مع فكرة الرمزية وهذه الجدلية ملخصها هل ان الامين العام الحالي لهيئة علماء المسلمين الشيخ (حارث سليمان الضاري) الهيئة هي التي جعلته رمزاً ام هو الذي جعل الهيئة رمزاً يشار اليها بالبنان بمعنى آخر من الذي اضاف الى من؟ ليكون بالتالي هذا الصرح العظيم المسمى بـ(هيئة علماء المسلمين) والاجابة على هذا التساؤل المشروع بسيط ولا يحتاج لتعقيد فـ(أبو مثنى) الشيخ المجاهد (حارث سليمان الضاري) رجل زاهد تواضع الى الله فرفعه وكل صرح عظيم وعنوان عظيم يحتاج لرجال عظماء وما مذكرة الافلاس الحكومي التي عرفت بمذكرة الاعتقال للشيخ الضاري الا استفتاء واضح كما الشمس في رابعة النهار لحب العراقيين لرموزهم، فكان استفتاء اذهل الكثير من الامعات والعملاء والخونة لم يرده (ابو مثنى) الا أن هذه الشهادة التأريخية جاءت على طبق من ذهب قدمها له اعداؤه.
والحديث هنا يستوقفني عند امر مهم وهو غباء الاحتلال وعملائه وسوء تخطيطهم وكيف ان الامر وصل بهم الى معالجة حماقاتهم بحماقات اكبر، فبعد مذكرة الافلاس الحكومي بحق الشيخ الضاري توالت المؤامرات على هيئة علماء المسلمين  حتى وصل الحال الى الاستحواذ على مقرها العام في جامع ام القرى بمعونة الامعات، فكان هذا الامر فاتحة خير لانطلاق الهيئة الى افق جديد جعلها خيمة لجميع القوى المناهضة للاحتلال ومشاريعه في الداخل والخارج.
 وانا اذكر هنا عندما كنا في المقر العام السليب كيف ان جامع ام القرى كان مفتوح الابواب للكل الصديق والعدو من دون اي تحصينات تذكر وكان الحفظ من الله وانا ادعو الجميع اليوم للذهاب الى جامع ام القرى السليب لينظروا ماذا حل به بعد الاستحواذ عليه من قبل اطراف باعت ضمائرها للمحتل من اجل المناصب، فالمفروض انهم حرروه من الارهاب كما زعموا، فلم كل هذه التحصينات وكأن الجامع تحول الى ثكنة عسكرية فضاعت معالم بيت الله فاصبح بيت المأجورين والأفاكين والمرعوبين حتى من ظلهم، وهذه آية وحكمة ربانية تجلت لكل ذي بصر وبصيرة، وعليها فلنقس من هو الذي على حق ومن هو الذي انساق وراء الباطل فكان له الخزي في الدنيا قبل الآخرة.
وقبل ان اختم مقالي هذا الذي جاء منصباً على ذكرى عزيزة وهي تأسيس هيئة علماء المسلمين فأنا اقول ومن واقع التجربة المتواضعة في الميدان اي ميدان الاعلام والسياسة بأن هيئة علماء المسلمين لخصت ثقافة شعب مقاوم للاحتلال فهي ثقافة العراقيين الاصلاء وهذه  الثقافة تخضع للثابت والمتغير، والثابت فيها ينطلق من القرآن والسنة وهذا امر لا جدال فيه فهي هيئة شرعية، والمتغير فيها يخضع لاجتهادات، فحري بنا نحن اليوم ان نغمض اعيننا ونسير وراء هذا الرمز الحق المقارع للاحتلال ومشاريعه لنصل الى ضفة الامان بمشيئة الله جل في علاه.