| (خرافة يكرهون نمط حياتنا)   عدد القراء : 1145   . عاد الإرهاب الى لندن، وعاد الحديث عن اسبابه وسبل مواجهته، كما عاد السؤال التقليدي (لماذا يكرهوننا؟) ومعه خرافة الجواب (انهم يكرهون ما نمثل لا ما نفعل). الإرهاب من نوع ما شهدت لندن الخميس، وقبل اسبوعين غير مبرر وغير مقبول، ويجب تعاون الجميع مع بريطانيا، وقبلها الولايات المتحدة، للقضاء عليه في ارضه، من باكستان وأفغانستان، الى أي بلد آخر عربي او مسلم يفرز ارهابيين، الى بريطانيا وبلدان اوروبا التي تضم جاليات اسلامية كبيرة. ولعل من حسن الحظ ان الإرهاب الأخير فشل وهناك ادلة كثيرة من قنابل وغيرها لتعقب الإرهابيين. خرافة (انهم يكرهون نمط حياتنا)طلع بها اليمين الأميركي لإبعاد الشبهة عن اسرائيل ومسؤولية الانحياز الأميركي الكامل لها في تغذية اسباب الكره، وتوفير تربة خصبة لتجنيد ارهابيين يكرهون السياسة الأميركية الى درجة ان يموتوا في محاربتها. ثمة اسباب اخرى، الا ان هذا هو السبب الأهم والذي يسبق كل سبب آخر. وبما اننا رأينا الولايات المتحدة بعد ارهاب 2001/11/9 تعمل ضد الإرهاب على اساس كذبة نمط الحياة وتفشل، فالإرهاب زاد ولم ينقص بعد حربها عليه، فإنني ارجو ان يكون الدرس الأميركي كافياً لإقناع الحكومة البريطانية بمعالجة الأسباب الحقيقية، لا الأسباب الإسرائيلية التي يروج لها المحافظون الجدد في الإدارة الأميركية وحولها. هناك كتاب جديد بعنوان (الموت من اجل النصر: المنطق الاستراتيجي للإرهاب الانتحاري)من تأليف ريتشارد بيب (Pape)، وهو استاذ في جامعة شيكاغو سجل 462 عملية انتحارية منذ اوائل التسعينات وحتى السنة الماضية، ودرس اسبابها، ووجد ان الغالبية العظمى منها, او اكثر من 95 في المئة، هدفها اخراج قوات اجنبية من اراضٍ محتلة. وهو خلص الى الاستنتاج ان (الإرهاب الانتحاري) سببه الرد على احتلال اجنبي وليس الأصولية الإسلامية، لذلك فإرسال قوات عسكرية الى بلدان ومناطق لمكافحة الإرهاب سيزيده بدل ان ينقصه. وليس ما سبق رأياً منفرداً. فالصحافي الخبير جيم لوب نقل عن دراسة لمجلس علوم الدفاع في البنتاغون نفسه قوله في دراسة السنة الماضية (ان المسلمين لا يكرهون حريتنا، بل يكرهون ما نفعل. ان الغالبية العظمى تبدي معارضتها لما تعتبر انه تأييدنا الكامل لإسرائيل ضد حقوق الفلسطينيين وتأييد حكومات اسلامية قمعية ضد شعوبها).. رئيس الوزراء توني بلير يلتزم السياسة الأميركية بما فيها الزعم ان الإرهابيين يكرهون نمط حياتنا، لا أي سياسة بعينها. والخطر في هذا الموقف هو ان الإنكار سيؤدي الى زيادة الإرهاب، كما رأينا في المثل الأميركي، لذلك نرجو ان تفصل الحكومة البريطانية نفسها، ولو مرة واحدة، عن السياسة الأميركية، وتعالج الأسباب الحقيقية للإرهاب، كأن تبدأ بفك ارتباطها في العراق، وسحب جنودها منه، وأن يتزامن ذلك مع خطوات ضد المحرضين من نوع عمر بكري وأبي قتادة وبعض الأئمة الشبان الذين لا يمثلون الغالبية العظمى من المسلمين في بريطانيا. ببساطة، اذا كان المتطرفون يعارضون نمط الحياة في بريطانيا فليعودوا الى بلادهم. ويبدو ان الحكومة البريطانية قررت ان تعمل لطرد المحرضين بعد ان استغل كثيرون الديموقراطية المعروفة، وعاشوا على الضمانات الاجتماعية وهم يعضون اليد التي تطعمهم. وببساطة مماثلة، يجب ان تعترف الحكومة البريطانية بالصورة العامة، ففضحية الإرهاب في بريطانيا ليس (اثمن) من ضحيته في العراق، وقد مضى اكثر من اسبوعين على ارهاب 2005/7/7، وبريطانيا قامت ولم تقعد في الحديث عنه، ومعها قامت قيامة العالم. غير ان العراق يواجه كل يوم ما واجهت بريطانيا في يوم واحد، وما نجت منه في يوم آخر. ففي كل يوم هناك ثلاثون ضحية من العراقيين, او اربعون او خمسون، ولن اتحدث اليوم عن تسليم لصوص بغداد المسؤولية عن انتاج النفط العراقي. اين (التحرير) والعراق يذبح كل يوم ويسرق في ظل عجز دولي وعربي الى درجة التواطؤ؟ حكومة بلير مسؤولة عن انتشار الإرهاب في العراق بقدر مسؤولية الإرهابيين عن ممارسة الإرهاب في بريطانيا او أي بلد آخر. وهذه الحكومة ستخدم شعبها بالابتعاد عن الكذب الأميركي في موضوع مكافحة الإرهاب، خصوصاً انها تعرف النتائج، لتجرب اسلوباً جديداً ينطلق من الأسباب الحقيقية، من فلسطين الى العراق وكل بلد. لو توقفت في كلامي عند هذه النقطة لكنت امارس الإنكار الذي تمارسه الإدارة الأميركية وتوني بلير في موضوع الإرهاب، فبريطانيا ليست مسؤولة وحدها، وإنما هناك مسؤولية العرب والمسلمين الذين خرج الإرهابيون من مجتمعاتهم لمكافحة الإرهاب الذي ضربهم مع بقية العالم. الإرهابيون (يدافعون) عن الإسلام، غير ان الإسلام لم يكن متهماً حتى هبّوا للدفاع عنه، وكما ان انكار الولايات المتحدة مسؤولية سياستها عن زيادة الإرهاب مرفوض، فإن دفاع مسلمين كثيرين عن الإرهابيين ومحاولة تبرير اعمالهم مرفوض ايضاً وبالقوة نفسها. لا مبرر للإرهاب ولا عذر، وكل من يدافع عنه يصبح شريكاً فيه، ولكن أختتم بكلمة للحكومة البريطانية عن استضافتها كل طارق، او طارئ، يزعم انه مضطهد في بلاده ويخاف على حياته فيها. هناك ناس لجأوا الى بريطانيا لأسباب صادقة، وكلنا يعرف ان بلادنا غير ديموقراطية والمعارض قد يدفع حياته ثمناً لمعارضته، إلا ان بريطانيا استضافت مع المعارضين الحقيقيين اصحاب القضايا العادلة، صنوفاً من المتطرفين الذين يشجعون الإرهاب ويجندون الشباب وقوداً لمدافعه. ولعل الإرهاب المتكرر في شوارع لندن وأنفاق قطاراتها يقنع الحكومة البريطانية بعمل (جردة) حساب للمعارضين الذين احتضنتهم، لتفرق بين اصحاب الحقوق منهم والاعتذاريين للإرهاب الذين يجب استئصالهم معه. |