ساركوزي أفضل وريث لبوش في تلقي أوامر الرب   عدد القراء : 1081   .
كامل العبيدي
في الغالب تبقى الاهداف الحقيقية لأي فعل سياسي او عسكري تكتيكياً كان أم ستراتيجياً، تبقى هذه الاهداف خفية يندر اعلانها، والسبب ان المخطط  لهذا الفعل لا يمكن ان يعلن اهدافه الحقيقية، لأن مبدأ الكتمان هو سر نجاح اية عملية، ويحدثنا التاريخ السياسي والعسكري عن الكثير من القيادات التي نجحت في بلوغ اهدافها بسبب كياستها وتعقلها وتمكنها من كبح جماح رغباتها في التصريح او التلميح فتمسكت بالكتمان، وعن قيادات اخرى توخت اهدافاً غير مشروعة وغير مسوغة وغير مقبولة من الرأي العام، فاستخدمت التضليل والخداع لعرض اسباب واهداف غير حقيقية لمقاصدها بغية اخفاء الاهداف الحقيقية، وهذا ما فعله بوش وبلير وهيئات ومؤسسات القرار العدوانية في الولايت المتحدة وبريطانيا في مرحلة التخطيط والإعداد للعدوان على العراق ووظفت كل امكاناتها الاعلامية  والفنية لصرف الانتباه عن الاسباب الحقيقية للعدوان الى فرية البحث عن اسلحة التدمير الشامل ثم الربط بين النظام في العراق وبين تنظيم القاعدة.
لكن (بوش) لم يتمكن من ابقاء لسانه داخل فمه والعض عليه فما لبث ان اعلن ان ما يقوم به هو وشريكه (بلير) انما هو حرب صليبية جديدة، وان بدا هذا الاعلان غريبا وشكل صدمة للكثير من المراقبين، الا ان المطلعين على تركيبة بوش والافكار التي يحملها لم يفاجأوا بهذا الاعلان، لانهم طالما سمعوا بوش المسيحي وهو يتحدث بلسان صهيوني عن تلقيه التعليمات والتوجهات من الرب تدعوه الى شن الحرب على الاسلام والمسلمين والانتصار للصهاينة الذين ادعى انهم ظلموا على مر العصور وانه وآخرين مكلفون بتحقيق وعد الرب بنصرهم وعودة مجدهم.
وعندما كان الكثير من المطلعين على بواطن الامور السياسية الدولية يقولون ان بوش وبلير ومن شاركهما الرأي من الذين اطلق عليهم مصطلح المحافظين الجدد او (الصقور) ما هم الا اعضاء في منظمة مسيحية الظاهر صهيونية الحقيقة تقود الحرب على الاسلام والمسلمين متبرعة تقديم افضل الخدمات للصهيونية العالمية واهدافها  في المنظمة العربية والاسلامية بشكل  خاص وفي العالم عموماً، حتى ان (بوش) كان يعلن دائماً عندما يسأل عن سبب اصراره على العدوان على العراق بالقول (انه تلقى اوامر من الرب) ولا ندري كنه هذا الرب الذي ينزل  اوامره على بوش وامثاله، وكان بلير اكثر تحفظاً من بوش رغم انه ينتمي الى المدرسة نفسها، فلماذا لم يتمكن (بوش) من كتمان هذا الهدف الصهيوني الذي كان يعمل جاهداً على تحقيقه وفق مبدأ الكتمان ليحقق المباغتة ويمنع العدو من مواجهة استحضارات وخطط الطرف المقابل.
لاشك ان كثيراً من المحللين لا يختلفون حول كون عامل الحقد والكراهية التي تشبع بهما (بوش وبلير) وعصاباتهم ضد الاسلام والمسلمين والعرب والانقياد التام والخضوع المريب لرغبات الصهيونية العالمية كان وراء انفجار التصريحات من فم بوش الذي سارع هو وحاشيته لتبريرها تارة تحت وصفها بانها زلة لسان واخرى تحت تبرير عدم القصد، ما لبث  بوش واركان ادارته من فرسان الصليب تحت وطأة التنويم المغناطيسي الذي وطنوا انفسهم عليه الى اطلاق تصريحات اخرى ربما كانت اشد تطرفاً واكثر دلالة على العدوانية وحب الانتقام من الشعوب التي لم تخضع لأجندة الصهيونية والادارات السائرة في فلكها.
كان عدد غير قليل من الدول الاوربية قد اخذت موقفاً واضحاً برفض العدوان على العراق الذي يقول (بوش) ان الرب قد امره بشنه، ومن هذه الدول المانيا وفرنسا ناهيك عن موقف روسيا، حتى ان (بوش) قد تحامل على ألمانيا وفرنسا ومن شايعها في موقفها من غزو العراق ناعتها بانها تمثل اوربا المتخلفة والمتقاعسة عن محاربة ما اسماه بالارهاب، وقد شهدت اجهزة الاعلام الامريكية والغربية تراشقاً فيما بينها إبّان غزو العراق وبعده، وبكل تأكيد فان الحكومتين الألمانية والفرنسية كانت تمثل النهج الاوربي المستقل عن الهيمنة الامريكية ولم تكن تخضع كغيرها للاملاءات الامريكية مثلما كانت بريطانيا تفعل الى الحد الذي عُرف فيه بلير بكونه التابع الذليل لجورج بوش، وبكل تأكيد ايضاً فان الحكومة الفرنسية ابان الغزو وبعده كان يمثل امتداد الخط الديغولي المستقل.
وبعد ان تساقط كل من أيد العدوان على العراق وساهم فيه من دول الغرب وفي مقدمتهم رئيس  الوزراء  البرتغالي (ازنار) كان واضحاً ان معظم شعوب اوربا كانت ضد العدوان، ولقد تعزز هذا الموقف وثبتت صحة مواقف الدول الغربية التي توقعت فشل ادارة بوش في عدوانها وحذرت من تداعيات هذا العدوان على العراق وعلى المنطقة والعالم كله، تعزز هذا الموقف بعد فشل المخطط الامريكي فشلاً ذريعاً وحقيقياً، ولكن الذي لابد من الاعتراف به ان ادارة بوش قد نجحت في تدمير العراق وخرابه شعباً ودولة.
وبينما كان بوش وبلير في طريق الانحدار والعد التنازلي، وصل في غفلة من الزمن الى الرئاسة الفرنسية (نيكولا ساركوزي) بعد ان صرف  على ماكياجه وطرق تجميل وجهه مبالغ كبيرة جداً حسب اعتراف مصادر رسمية فرنسية، ما يدل على ان وجه ساركوزي لم يكن مألوفاً او مقبولاً كما ينبغي من الشعب الفرنسي، وصل ساركوزي ليبدأ مشوار رئاسته بالاعلان عن منح الدفء للعلاقة الفرنسية الامريكية الباردة منذ ايام الجنوال (ديغول)، بل واستعداده للالتحاق بالقطار الامريكي المسحوب بالماكنة الصهيونية ولم يمض وقت طويل حتى  بانت سياسة ساركوزي الداخلية الحاقدة على من اسموهم الغرباء من العرب والمسلمين في فرنسا، ولم يتمتع ساركوزي بالذكاء الكافي ليفهم ان ابتعاد فرنسا عن قطار العدوان الامريكي هو الذي ضمن لها الحماية من اعمال الانتقام التي يقوم بها  البعض من الذين يشعرون بالظلم الامريكي والغربي الساند له.
وهكذا بدأت مواقفه منهية لمرحلة نظرة الاعتدال الديغولية من القضايا العربية والاسلامية وفي مقدمتها قضية فلسطين، ليعلن ساركوزي في الكثير من المواقف انحيازه الكامل للعدو الصهيوني والمتلبس على الدوام بجرائم ابادة الشعب  الفلسطيني والعدوان على الدول القريبة منه خاصة لبنان، وفي الوقت الذي راح فيه ساركوزي يغازل الدول العربية شمال افريقيا لتحقيق مصالح فرنسا الاقتصادية، استثمر ساركوزي المشاكل التي خلقتها اسرائيل في لبنان بعدواناتها المتكررة لتخريب العلاقة بين لبنان وسوريا يميل الكثير من المحللين المتابعين للسياسة الدولية الى الاعتقاد ان ساركوزي لو كان في السلطة عشية شن  العدوان على العراق لكان جر فرنسا الى المشاركة في هذا العدوان، ويبدو ان (ساركوزي) لم يحتمل الاستمرار في اخفاء ما يكنه صدره من حقد على الاسلام والمسلمين والعرب، كما يبدو ان مغادر خادم الرب (جورج بوش الصغير) البيت الابيض وتسلم (اوباما) دفة الحكم فيه وما نضح عن اوباما من افكار ورؤية جديدة عبرت عنها تصريحاته حول التطلع الى علاقات جديدة مع المسلمين وتوجه لسياسة منفتحة في التعامل مع قضاياهم لا يمكن الحكم مبكراً على مدى جديتها، ثم زيارته لتركيا والترحيب والارتياح الذي لقيته من ا لشعب والحكومة التركية ودعم اوباما لمشروع انضمام تركيا للاتحاد الاوربي، يبدو ان ذلك كله اصاب (ساركوزي) بالصدمة فكان اول تعبير عن هذه الصدمة (الفيتو) الذي استخدمته فرنسا ضد انضمام تركيا للاتحاد الاوربي لم يلبث ساركوزي بعدها كثيرا]ً ليعلن انه احد جنود الرب المكلفين بحمل الرسالة التي كان يحملها بوش من قبله والتي يبدو ان (اوباما) قد تخلى عنها. ولم يعد (بلير) قادراً على حملها بعد ان اسقطته مشاركته في العدوان على العراق رغم تغييره مذهبه واعتناقه الكاثوليكية... لقد ظهر ساركوزي ممتعضاً غاية الامتعاض من توجهات اوباما ومغازلته المسلمين عبر تركيا. ساركوزي الذي انخفضت شعبيته ما يزال يشعر ان شكله رغم كل التحسينات والمساحيق ورغم الانفاق على هذا الجانب ما يزال غير مقبول من الرأي العام. فاعتقد ان الخدمات  التي بإمكانه تقديمها للصهيونية العالمية وللمسيحية المتصهينة تحت شعار (خدمة الرب وتنفيذ توجيهاته) يمكن ان تحسن صورته وتعوضه عن الشعور بالنقص والاحباط  وعقدة الشكل.
ساركوزي يشعر ان الفرصة مواتية لأن يرث المنزلة الروحية لبوش ويجلس على الكرسي الكهنوتي نفسه الذي كان بوش يتلقى وهو جالس فيه تعليمات الرب وأوامره بالهجوم على العراق وافغانستان وقيادة الحرب على الإرهاب.