| الفصل بين السلطات في الإسلام   عدد القراء : 2312   . يعدُّ مبدأ الفصل بين السلطات من الضمانات الهامة لحماية الحريات والحقوق، ونظام الدولة وقانونها ومصالحها الشرعية ويدرأ الاستبداد والطغيان والتعسف، فتسند المراكز الثلاثة التشريعية والتنفيذية والقضائية لسلطات ثلاث مستقلة عن بعضها، كما في عهد عمر الفاروق رضي الله عنه ومن بعده. وهذه السلطات تقوم على أهل الكفاءة والامانة والتقوى، وعلى قواعد ومبادئ شرعية وخُلُقية في ظل الاسلام الذي يهدف الى تحصيل مصالح العباد في العاجل والآجل، ودرء المفاسد والاضرار عنهم، ولها حق المراقبة والاشراف والاطلاع والاستشارة والمناقشة وابداء الاراء والنصح والتعاون ومنع التجاوز لكي يتحمل الجميع المسؤولية في الخضوع للقانون والنظام والشرع، ودرء احتمال الخروج عليه، ويكون ذلك بنظام وضوابط وحدود، وبالرجوع الى السلطة التشريعية الممثلة عن الامة ونائبة لها، لمنع التجاوز وتصحيح المسار الشرعي. قال تعالى :((ولا يجرمنكم شنئان قوم على الا تعدلوا اعدلوا هو اقرب للتقوى)) المائدة: 8. فالسلطة التشريعية لها نشاط تشريعي واستنباط الأحكام والقوانين والانظمة للمسائل المتجددة التي لا نص فيها في الشرع الحنيف وفق اصول الاجتهاد الصحيح وضوابطه، ووضعها موضع التنفيذ كقانون من قبل السلطة التنفيذية. قال تعالى:((ومن يتعد حدود الله فقد ظلم نفسه)) الطلاق:1. وهذه السلطة ممثلة في مجلس الشورى الذي يضم العلماء والمجتهدين والمختصين بشؤون الحياة المختلفة، وهم نواب عن الامة يمثلونها عن طريق الانتخاب العادل الذي ينتخب بمقتضاه اعضاء الشورى، اذ ان الامة الاسلامية لا تجتمع على خطأ او ضلالة. قال تعالى :((وأمرهم شورى بينهم)) الشورى:38. وقال رسول الله (صلى الله عليه وسلم) :(ان امتي لا تجتمع على ضلالة) رواه الترمذي وابن ماجه. ومبدأ الشورى من أهم مقومات نظام الحكم في الاسلام ثبت في الكتاب والسنة واجمع عليه الفقهاء، وهو حق الأمة وواجب على الخليفة، والتفريط به سبب لعزله. قال ابن تيمية :( لا غنى لولي الامر عن المشاورة فان الله تعالى امر بها نبيه (صلى الله عليه وسلم) السياسة الشرعية ص 169. قال العلماء :(لم يكن احد اكثر مشورة لاصحابه من رسول الله (صلى الله عليه وسلم) ابن تيمية: السياسة الشرعية، ص169. قال ابن عطية :(والشورى من قواعد الشريعة وعزائم الاحكام، من لا يستشير اهل العلم والدين فغزله واجب) القرطبي: التفسير،(249/4) وقال الجصاص :(الاستشارة تكون في امور الدنيا، وفي امور الدين التي لا وحي فيها..) احكام القرآن، 40/2. ولاعضاء المجلس الحماية من التصرف بحرية تامة في طرح الاراء ومناقشتها للوصول الى الصواب في الامور الاجتهادية مع الاشراف والمراقبة والتقويم والمحاسبة للادارة العامة في الدولة وتطويعها للقانون والانظمة، وتصحيح مسارها الشرعي. اما تحديد عدد اعضاء المجلس ومدتهم فيه، فان مرده الى الحاجة والضرورة وسعة للامة او يتسع كذلك الى الاخذ برأي الاغلبية على سبيل الالزام في قراراته وتشريعاته. والسلطة التنفيذية ممثلة في رئيس الدولة، الذي تسند اليه السلطة بالبيعة من قبل الامة التي تباشرها نيابة عنها اهل الشورى بالشروط المعتبرة به شرعاً، ليباشر تنفيذ الشرع وسياسة شؤون الحياة به، وتحقيق المصالح ودرء الاضرار عنها. قال تعالى :((ان الذين يبايعونك انما يبايعون الله يد الله فوق ايديهم فمن نكث فانما ينكث على نفسه ومن اوفى بما عاهد عليه الله فسيؤتيه اجراً عظيماً)) الفتح:10. قال ابن قدامة :(من اتفق المسلمون على امامته وبيعته ثبتت امامته ووجبت معونته) المغني، 17/8). وقال ابن خلدون والماوردي عن منصب الخليفة :(فهو من فروض الكفاية وراجع الى اختيار اهل العقد والحل، فيتعين عليهم نصبه ويجب على الخلق طاعته) المقدمة، ص193. الأحكام السلطانية، ص4) ويتحمل رئيس الدولة المسؤولية عن تقصيره امام الله والشرع والامة، فيناقشه مجلس الشورى ويضعه امام المسؤولية ويناصحه ويبصره بالحق ويحاسبه ويقومه ثم يقرر خلعه وابعاده واستبداله بغيره، ان لم ينفع معه النصح والارشاد. قال تعالى:(( يا ايها الذين امنوا لاتخونوا الله والرسول وتخونوا اماناتكم وانتم تعلمون)) الانفال:27. قال ابن حزم :(فهو الامام الواجب طاعته ما قادنا بكتاب الله تعالى وسنة رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، فاذا زاغ عن شيء منهما منع من ذلك واقيم عليه الحد والحق، فان لم يؤمن اذاه الا بخلعه خلع وولي غيره) الملل والنحل، 102/4. وقال ابو يعلى :(..فيختارون غيره ليقوم بمصالح المسلمين) الاحكام السلطانية، ص605. ويباح شرعاً تحديد مدة لرئاسة الدولة، ويتفق عليها اذا رأت الامة مصلحة في ذلك. وللفرد الحق في ترشيح نفسه لرئاسة الدولة او لعضوية مجلس الشورى، وهو بمثابة الاعلان عمن تتوفر فيهم شروط العضوية، ومن قبيل الدلالة على الخير وارشاد الامة الى انتخاب الاصلح. قال تعالى عن نبي الله يوسف (عليه السلام) عندما رشح نفسه :(( قال اجعلني على خزائن الارض اني حفيظ عليم)) يوسف:55. اما السلطة القضائية، فهي تملك الولاية الكاملة على كل افراد الدولة الاسلامية بدون استثناء في تحقيق العدالة بين الناس والحكم في المنازعات والخصومات والجرائم والمظالم، واستيفاء الحقوق، فيحضر امامها اعلى رجل في الدولة الى ادناه؛ ليحاكم عن أية قضية جنائية او مدنية. وتمتد رقابة السلطة القضائية الى سلطات الدولة باسرها التشريعية والتنفيذية، كما تسري على السلطة القضائية نفسها. قال تعالى :((لقد ارسلنا رسلنا بالبينات وانزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط)) الحديد:25. وهذه السلطة نائبة عن الامة الممثلة في مجلس الشورى الذي يتولى تعيين قضاتها الذين يمتازون بالنزاهة والامانة والعدل والتجرد عن الهوى، لتحقيق تطويع الافراد والادارة للقانون والانظمة مع قضاء المظالم الذي يتولى اخضاع السلطات العامة للقانون وبسطه على رجال الدولة واصحاب النفوذ ممن يعجز القضاء على اخضاعهم. |