ثقافة الانحطاط أم انحطاط الثقافة؟!   عدد القراء : 1633   .

كتب الغزالي رحمه الله واسكنه فسيح جناته كتاباً في ذم الفلسفة واهلها (تهافت الفلاسفة) فرد عليه الفيلسوف العربي المسلم ابن رشد رحمه الله بكتاب مضاد سماه تهافت التهافت دحض على الغزالي كل طروحاته ومفهوميته في الفلسفة في كتابه سالف الذكر (تهافت الفلاسفة) وكتب برودون الفيلسوف الفرنسي كتاباً في الفلسفة الاقتصادية الاجتماعية سماه فسلفة البؤس فرد عليه ماركس بكتاب مضاد دحض فيه عليه مفهوميته في تلك الفلسفة سماه بؤس الفلسفة.. وكتب مرة مفكر عربي مقالاً سماه نقد الهوامش فرد عليه مفكر عربي آخر بمقال سماه نقد النقد وركوباً لذات الموجة سأطلق على مقالتي هذه انحطاط الثقافة ارد فيه على رؤى واوهام ثقافة الانحطاط التي كثيراً ما تبناها وزمر لها بعض مفكرينا بعض اولئك (مروجي فلسفة الرجل الابيض في ديارنا).
والتضاد في الاشياء التضاد في الطبيعة التضاد في الانسان التضاد في الذرة قانون علمي فلسفي اودعه الله سبحانه في كونه ومخلوقاته وهو ليس شراً كله، بل هو ليس شراً بالمرة وان تضمن اقسى الحقائق في وجودنا وامرها فالحياة ستسكن حد الموت ان لم يفعلها قانون التضاد هذا  بل ستجف وتتكلس حد الموت ان لم يسر فيها قانون التضاد هذا.
الانسان الصالح في عبادته للواحد الاحد وتمسكه بسبل الخير مع الانسان الطالح في طاعته للشيطان وفعله للشر وكانا سيتماثلان فيفقد كل من الصلاح والطلاح مفهوميتهما في الكون والحياة لولا قانون التضاد هذا فيهما.
وكذا نستطيع ان نعمم في كل من الخير والشر والغنى والفقر والعلم والجهل والنور والظلام.
ومئات المتضادات في الحياة.
والغد هو الاخر وبطريقة ما يتضاد مع الامس وربما لا يجمعهما في تضادهما هذا الا يوماً رياضيا ومتوهماً وليس حقيقياً.. يهرب الامس الى الماضي ويحتمي به الى الذاكرة الانسانية الى صورة الواقع وقد ثبت تماماً وسكن، صورة الواقع بسعادته وشقائه وقد غادرتنا تماماً وليس لنا منها سوى الذكريات والتاريخ والعظة ويتمثل الغد صورة الواقع الاتي صورة الولادة المنتظرة صورة الانسان وقد استوطن في هذه الدنيا او جنته في آخرته.
الامس وبطريقة ما اذن يتضاد مع الغد، وان تدفع بالانسان قسراً الى غياهب الامس،والامس لوحده فقد الغيته تماماً، وقتلت عليه فرصة الارتقاء الى الغد الى الحلم الانساني الكبير الى الامل بأوسع ابوابه.
اما الغد فلحظة الامل والسعادة والرقي والحلم والانسجام مع حكمة الله في خلقه ومكافأة السعي الانساني ((وان ليس للانسان الا ما سعى وان سعيه سوف يرى)) قران كريم. وسوف هذه في نص الآية الكريمة تعني الغد لا الامس.
في قراءة سريعة لكتابي سليم مطر الذات الجريحة، وجدل الهويات تدهشك رغبة المؤلف العارمة واصدقاؤه الذين شاركوه تأليف بعض فصول كتابه تطلع العراقي من حاضره باتجاه ليس غده، ولكن باتجاه الماضي لتمثله وبكل تفاصيله واحياناً حماقاته التاريخية هويات ماضوية ومتناثرة في خرائط التاريخ وانتماءات منغلقة ومتقوقعة في دوائرها الصغيرة بعيداً عن الرقي الثقافي العقائدي الهائل الذي تعرض له العراق شأنه شأن كل اوطان المنطقة.. بعيداً عن الرقي الانساني الهائل الذي استمده الانسان وهو يعتنق الاسلام ديناً وعقيدة ورؤية ومنهاجاً، او وهو ينطوي محتفظاً بكل خصوصيته العقائدية العرقية الثقافية الخاصة به تحت دولة الاسلام.
ان دراسة سريعة لها - تلك الهويات ولكل الهويات الماضية الانسانية في جميع انحاء العالم- في ضوء المكنشفات العلمية الحديثة وفي ضوء التنوير العقلي الهائل الذي يعيشه انسان العصور الحديثة في ضوء دراسات الانثروبولوجيين وعلماء الاثار والتاريخ يكشف لا واقعية وسذاجة وانغلاقية هذه الهويات، وهذه الذوات المتناثرة في تضاريس التاريخ البشرى ومراجعة سريعة اخرى للاساطير والخرافة والجهالة والمفهومية الثقافية العقائدية لتلك المجتمعات يكشف وبلا مواربة اي هشاشة فجة ولا انسانية كانت عليه تلك المجتمعات واي مستوى انساني رفيع كان قد بلغه الانسان وهو ينور بالاديان السماوية وخاصة الدين الاسلامي واي كلمة قانون (جئنا لنخلص العباد من عبادة العباد الى عبادة رب العباد) هي كلمة رسول سعد بن الوقاص لرستم قائد جيوش فارس.
يسفه تويني مؤرخ الحضارات الكبير اليهودية في دعاويها لا لشيء الا انها متحجرة ومنغلقة على مفاهيمها الثقافية العقائدية ومتكلسة بعيداً عن التنوير او العقلانية في العصور الحديثة (اقبح ملة في عبادة ذات فانية). والجيثو الحي السكني قرين الظلام والعزلة والشجية والهروبية ظل ملازماً لعقلية اليهودي اكثر من حياديته الوظيفية ازاءه انها ذات العزلة وذات التقوقع وذات التقاطع الذي سيحكمها جميعاً اذا ما تمثلنا رغبة سليم مطر تلكوء اصدقاؤه في تقوقعنا في تلك الهويات الصغيرة الماضوي بعيداً عن هوية اعظم واكثر تسامحاً وشمولية ان سليم مطر وزملاءه في كتابه يدفعون بالانسان العراقي تحت ذرائعيه تاريخية الاستيطان وعراقةٍ وحضارته الفعل، واسبقية الانجاز ماضوية كثيرة غير هذه الى التشبث بماضيه بما يجعله منغلقاًعن روح العصر وروح مصالح الانسان الشمولية، ومتقوقعاً داخل عزلته التاريخية الجغرافية بعيداً عن مجاله الحيوي الامتين العربية والاسلامية ومما يقال في هذا المجال (اننا نقرأ التاريخ احيانا لنمسحه من رؤوسنا لا لنحتفظ به) فالانسانية فيما بلغته من رقي حضاري كبير ما كانت لننجزه لولا تحررها من عقم ماضويتها، بل ما كانت لتنمو وتتحرك نحو الغد نحو النور لولا نبذها لخرافة قداسة الماضي كماضي والالتصاق به.. نعم لا باس ان نلتفت قليلاً الى الوراء الى الماضي ان نتمتع قليلاً بقراءته وتدبره ونحدد موقعه في خرائط الانسانية الهائلة، ولكن ان نتوغل حد الجمود حد الموت حد الثبات فذلك ما لم يقم به أحد من مفكري الانسانية الاحرار قبل سليم مطر واصحابه.
لقد صدم كوينكريوس الحس الانساني حين نقل مركز مجموعتنا الشمسية من الارض الى الشمس وكان لصدمته تلك نقله في العقل الانساني بقدر ذلك الاتساع الكوني الذي اكتشفه وان يتحجر الانسان في انتمائه للماضي لوحده بعيداً عن العقل في شموليته او بعيداً عن مصلحة الامم في مستقبلها انما هو عودة تراجعية في الوجود الانساني الى عهود ما قبل كوينكريوس.
اما غاندي وفرانس فانون وسيد قطب وعشرات المفكرين الاحرار في العالم فلم يختبأوا في الماضي صحيح انهم استشعروا كثيراً ذواتهم الماضوية ووضعوها في كفاحهم ضد السحق الانساني الذي تعرضت له اممهم لكنهم لم يتكلسوا في ذلك الماضي العتيق.
وحين عاب هيجل الفيلسوف الالماني على العصور الحديثة لا توحد لشعوبها مع مساراتها التاريخية وركز كثيراً على الهوة بين الفرد والدولة بين الذاتي والموضوعي قياساً لما كان عليه الاغريقي من توحد بين الفرد والدولة بين الذاتي والموضوعي فليملأ الازمنة الحديثة بتلك الاصرة الكبيرة من التوحد الذي قرأه في العصور الاغريقية لا ليتكلس في اردية الماضي العتيقة.
لقد ارتقى الانسان في هذه الاوطان بالاسلام كثيراً وتحرر والى الابد من كل ماضويته العتيقة واحترمت له خصوصية ولم يقسر على نبذ معتقده او عرقه، او هويته ولم يسجنه فيها، لقد اخرجه اخيراً من الظلمات الى النور وما شهادة ديورانت مؤرخ الحضارات (اعدل فاتحين عرفهم التاريخ) الا شهادة واحدة من مئات شهادات منصفة قيلت بحق الرقي الذي بلغته الانسانية عموماً تحت نور هذا الدين.
هذا ما وددت ان اتناوله في كتابي سليم مطر وعسى ان تتاح لي فرصة اخرى في مناقشة في بعض محاور اخرى في ذنبك الكتابين.