هل نستطيع ونحن نعيش ذكريات الهجرة النبوية الشريفة سنة بعد أخرى، أن نجعل حلقات السيرة حقلاً للاكتشاف؟ أن نجتاز دروبها وساحاتها فتمنحنا الدهشة، والإعجاب، وتفجرّ في عقولنا وأرواحنا جداول الحب.. والعشق.. واليقين.. أن تكهرب أوصالنا، بمفرداتها المتألقة، فتضعنا وجهاً لوجه قبالة الحقائق الإنسانية العارية التي لم يرِن عليها صدأ، ولا اعتراها زيف أو تزوير؟
في علم الجمال .. معروف أن الإلفة والاعتياد يقتلان الدهشة، ويطمسان على ألق الحقائق والتجارب والأشياء، نتفقد بمرور الوقت قدرتها على الإثارة والانبهار..
إن ( كاستون ياشلار ) ـ مثلاًـ في (جماليات المكان) يؤكد على هذا المعنى المرة تلو المرة .. ويسحبه (كويّو) و(لانجر) و (سانتايانا) و (كاسيرر) و (مارلو) و (ميرلوبونتي) وغيرهم من علماء الجمال وفلاسفته، على ظواهر الطبيعة والخبرات البشرية كافة.
فماذا لو حاولنا كسر الطوق، وتجاوزنا حصار الإلفة والعادة، وتسطحّها باتجاه العودة كرّة أخرى إلى مواقع الدهشة والإعجاب والانبهار؟
ومن يدري .. فلعل أولئك الذين أخذوا يتعاملون مع مفردات السيرة من الخارج.. من خارج دائرة الإسلام، لم يكونوا بحاجة إلى بذل جهد كهذا.. ووجدوا أنفسهم يقفون بعفوية بالغة، وجهاً لوجه، أمام حقائق هذه السيرة في صفائها العجيب، وقدرتها الفذّة على التأثير.
فماذا لو وقفنا عبر الصفحات التالية عند اثنين فحسب من هؤلاء وحسبما يتيحه المجال، لمتابعة بعض ما قالاه، وهو كثير غزير .. وها هما يعانيان التجربة فتدهشهما حقائقها المتألقة، وتأسرهما مقولاتها الربانية، وشخصيته نبيّها الإنسان:
الدكتور نظمي لوقا من أقباط مصر..؟
ونصري سلهب من مسيحيي لبنان؟
ولكل من الرجلين أكثر من كتاب عن جوانب من حياة الرجل النبي الذي قدّر له أن يقلب موازين العالم ويغيّر خرائط الدنيا..
(محمد الرسالة والرسول) و (محمد في حياته الخاصة) لنظمي لوقا (لقاء المسيحية والإسلام) و (في خُطى محمد) لنصري سلهب، ومن هذه الكتب الأربعة سنقتبس بعض المقاطع:
د. نظمي لوقا
*ما كان محمد - صلى الله عليه وسلم- كآحاد الناس في خلاله ومزاياه، وهو الذي اجتمعت له آلاء الرسل -عليهم السلام- وهِمّة البطل فكان حقاً على المنصف أن يكرم فيه المثل ويُحيّي فيه الرجل.
*لقد تخطّف الموت فلذات أكباد الرسول - صلى الله عليه وسلم- ليكون ذلك إيذاناً بأن البشر الرسول ليس له امتياز على سائر بني آدم، فتسقط دعوى الناس في التقصير عن الاهتداء به.
*إن هذا الرسول، حينما وقعت له تجربة الوحي أول مرة، وهو يتحنّث في غار حراء، صائماً قائماًً، يقلّب طرفه بين الأرض والسماء .. لم يأخذ هذه التجربة مأخذ اليقين، ولم يخرج إلى زوجه خروج الواثق بها، المتلهّف على شرفها. بل ارتعدت فرائصه من الروع، وقد ثقلت على وجدانه تلك التجربة الفذّة الخارقة .. ودخل على زوجه، وكأن به رجفة الحمى.
*إن لُباب المسألة كلّها أنك كنت يا أبا القاسم أكبر من سلطانك الكبير يُدهَش رجل بين يديك ويرتعش فتقول: هوّن عليك، لست بملك! إنما أنا ابن امرأة كانت تأكل القديد بمكة.. إن مجد هذه الكلمة وحدها يرجح في نظري فتوح الغزاة كافة وأبّهة القياصرة أجمعين. أنت بأجمعك في هذه الكلمة، وما أضخمها أيها الصادق الأمين!.
*أي الناس أولى بنفي الكيد عن سيرته من أبي القاسم، الذي حوّل الملايين من عبادة الأصنام الموبقة إلى عبادة الله رب العالمين، ومن الضياع والانحلال إلى السموّ والإيمان. ولم يفد من جهاده لشخصه شيئاً مما يقتتل عليه طلاب الدنيا من زخارف الحطام.
نصري سلهب
*في مكة .. أبصر النور طفل لم يمر ببال أمه، ساعة ولادته، أنه سيكون أحد أعظم الرجال في العالم، بل في التاريخ، ولربما أعظمهم إطلاقاً.
*غدا اسم محمد - صلى الله عليه وسلم - أشهر الأسماء طُرًّا، وأكثرها ترداداً على الشفاه وفي أعماق القلوب. وحسبه شهرة وترداداً أن ملايين المؤمنين في العالم يؤدون، كل يوم أكثر من مرة، شهادة مقرونة باسم الله وباسمه.
*من ينعم التفكير في سيرة هذا الرجل - صلى الله عليه وسلم- يرَ نفسه منساقاً إلى الإقرار بأن ما حققه وقام به يكاد يكون من دنيا غير التي يعرفها البشر.
*هنا عظمة محمد - صلى الله عليه وسلم- -. لقد استطاع خلال تلك الحقبة القصيرة من الزمن، أن يحدث ثورة خلقية وروحية واجتماعية، لم يستطعها أحد في التاريخ بمثل تلك السرعة المذهلة.
*لا ليس بين الرسل واحد كمحمد - صلى الله عليه وسلم -عاش رسالته عمقاً وصعداً، بعد مدى، ذوب كيان، عصف بيان، عنف إيمان.
*لكأني بمحمد - صلى الله عليه وسلم- قد آلى على نفسه أن يترك للمؤمنين ثروة روحية وأخلاقية، ينفقون منها فلا تنضب ولا تشح؛ لأنها بحجم روحه، وهل أن روح النبي تنضب أو تشح؟.
*إن محمداً - صلى الله عليه وسلم- كان أمّياً لا يقرأ ولا يكتب، فإذا بهذا الأميّ يهدي الإنسانية أبلغ أثر مكتوب حلمت به الإنسانية، منذ كانت الإنسانية، ذاك كان الكتاب الذي أنزله الله على رسوله.
*لم يكن النبي - صلى الله عليه وسلم- رسولاً وحسب، يهدي الناس إلى الإيمان، إنما كان زعيماً وقائد شعب، فعزم على أن يجعل من ذلك الشعب خير أمة أخرجت للناس. وكان له ما أراد.