اقول لكم   عدد القراء : 572   .
الرواية والدراية.. كيف.. وأين؟!
عبد الرحمن فاضل
تتفاخر الأمم والشعوب بانجازاتها المصنوعة بأيدي أبنائها، وهذا حق مشروع، وتفاخر في جبلة الناس مزروع.
وامتنا العربي، والاسلامية هي جزء من هذا العالم المؤثر والمتأثر معاً بكل ما يدور في  فلكه، فالعرب أمة عريقة الحسب والنسب، قوية الاصل والسبب، تمتد جذورها عميقاً في تربة التأريخ، وكلما قوي الاساس واشتد علا البنيان وامتد.
والرواية عند العرب هي مفخرة شامخة ستكون محور حديثنا، وأعني بـ(الرواية) هنا ليس ذاك الشكل الادبي المعروف ضمن قسم النثر مع (القصة، والخطبة.. وغيرها) انما اعني بها هنا (رواية الاخبار، وهو ما يسمى بـ(السند).
فالرواية اصل ترعرعت عليه امة العرب والاسلام، وهي (الماركة المسجلة) لها من بين الشعوب، حتى صار لا يفارقها واشتهرت بانها (امة السند). فالعربي بطبعه انسان يفتخر ويعتز بنسبه وحسبه، فهو لا ينفك عن الحديث عن اصله، وفضله، ومن هم اجداده. وبذا صارت الرواية (الهوية) الشخصية للعربي المسلم.
وقد صار هذا الامر (الرواية) علماً له علماؤه، وكتبه وتأريخه، وبرع فيه رجال يعدّون اعلاماً شاخصة لهم الفضل في التحقيق بكل ما يمس الهوية الاصلية، العظيمة، التي رفع الله لواءها، واعز انصارها، وخصهم بما لم يخص به من سبقهم من الامم، ومن سيتقدمهم. وهذا من جملة الحفظ الذي اراده الله تعالى وذكره بقوله ((إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ)) ومن جملة (الحفظ) - حفظ اللغة، والقوم، العلم- لمن انزل عليهم الذكر المجيد.
وسنأخذ مثالين لشخصيتين برزتا في هذا المجال لنفهم ما نقول...
الاولى (ادبية) والثانية (اسلامية). فقد اشتهر في مجال الرواية الادبية للشعر (خلف الأحمر) وهو من اشهر رواة الاخبار العرب في هذا المجال، قال عنه تلميذه (ابن سلام الجمحي):((افرس الناس ببيت شعر، واصدقه لسانا)). ونسبه هو خلف بن حيان (ابو محرز) المعروف بـ(خلف الاحمر) توفي في حدود سنة (180هـ) كان راوية للشعر، راوية للأدب، من اهل البصرة. قال عنه الاخفش (لم ادرك احداً اعلم بالشعر من خلف الاحمر والاصمعي).
على ان راويتنا هذا لم يخل من جرح وتعديل وطعن فيما روى، وهذا ان دل على شيء فانما يدل على رصانة هذه الامة حيث تعرف ما لها، وما عليها؟.
اما شخصيتنا الثانية فهي (اشهر من نار على علم) انه الامام العالم الجليل (محمد بن اسماعيل البخاري) صاحب (الصحيح) في الحديث، احد اعاجيب تراثنا الاسلامي المجيد، ظل (16) عاماً يجمع صحيحه، وينقيه، حتى استقر عليه بشكله الاخير المعروف لدينا، وكان (رحمه الله) يغتسل ويصلي ركعتين كلما اتم تدوين حديث، وكان يلقب بـ(الفتى البازل) - اي البصير الشجاع-.
وقصته مع علماء بغداد لمّا قدم من اجل (توثيق علميته) معروفة مفادها ان عشرة من العلماء عمدوا الى فبركة علمية حيث قدموا للبخاري (100) حديث مقلوبة الاسانيد والمتون، وعرضوها عليه، فما كان منه الان ان (غربلها) و(محصها) ورد كل اصل الى اصله، واندهش الناس من علمه حينها وشهدوا له بذلك. فكانت الشهادة الأعلى والاغلى.
هذان مثلان ضربتهما لنعلم اين نحن من اولئك (الاجداد) وكيف سيؤول حالنا ان ضيعنا ما دأبوا على حفظه وتعبوا في جمعه، كيف بنا اذا أصُبنا في مقاتلنا منها (اي الرواية) ماذا سيحصل كيف سنكون؟، ومن نحن حينها؟.
والناظر في زماننا (ذي الاعاجيب) يجد ان هذا الامر حاصل، فنحن في عراقنا المجروح اختلطت علينا التفاسير، وتشعبت بنا الاقاويل، وتعددت رواياتنا وتشتت، فـ(حادثة) ما أيّاً كان نوعها وحجمها، ومكانها وزمانها عنا، لا نستطيع التثبت منها، فكل يروي بما يشتهي، بل ان بعضهم يروي لاجل الرواية، حتى صارت (الرواية) عندنا سلعة رائجة لتجار الفوضى و(البلبلة) وملعباً لكل من هبّ ، ودبّ، ينسج من خياله ما شاء من الحكايات لاشياء لم تحصل حتى ضاعت الحقيقة، بين ركام الاساطير المزوقة بعبارات الوضاعين من الساسة (المعتلين سدة حكمنا)  الذين لا يُعلم عن امرهم شيء، وتهنا في دهاليز التجاذبات والتناحرات، وماعدنا نصدق حتى انفسنا، والى الله المشتكى.