الواقع والخيارات في حرب العراق.. اختيار الانسحاب أم هزيمة مذ   عدد القراء : 1600   . بعد خيار مواصلة الدرب رغم الخسائر المتعاظمة فان استعارة النموذج الفيتنامي او ما يعرف بـ(الفتنمة) يؤرق الادراة الامريكية في ان تؤول الامور الى ما آلت اليه من هزيمة منكرة اضطرت الولايات المتحدة الى اعلانها في النهاية، وقد ورثت امريكا في فيتنام من الفرنسيين حكومة وجيشاً ضخماً ولكن ما كانت تمس الحاجة اليه -واعلنته ادارة نيكسون- كان تدريب الجيش وتزويده بالعتاد وتسليمه الحرب ليتولاها. حقاً ان الجيش لم يكن يحارب جيداً والحكومة لم تكن تحكم جيداً، ولكنهما كانا موجودين.
اما في العراق فلم ترث امريكا حكومة ولا جيشاً انها تحاول ان تخلق كليهما وليس من قبيل ما يثير الدهشة ان تكون النتائج مخيبة للامال، فمعظم العراقيين ينظرون الى الحكومة التي اختارها الامريكيون وعينها الامريكيون باعتبارها مجرد العوبة.
والفكرة القائلة ان باستطاعة امريكا ان تصوغ مليشيا محلية لانجاز ما ليس باستطاعة جيشها القوي ان ينجزه هي مجرد تخييل وليست سياسة. وليس من المحتمل ان يقاتل الجيش العراقي المقاومين الذين يتعاطف معهم الجنود والذين لهؤلاء الجنود بينهم اقارب. وقد شاع في التقارير الاخبارية ان كثيرين قد خلعوا ارديتهم الرسمية الجديدة وانخرطوا في صفوف المقاومين.
كذلك فقد اطلقت كثير من المزاعم حول الدستور الذي نكتبه نحن للعراقيين. انه نص جيد، تماماً كما كان كذلك الذي كتبه البريطانيون للعراقيين قبل ثمانين عاماً في عام 1924، ولكنه لا يستند الى اساس من واقع المجتمع العراقي. ففي غياب مؤسسات تعطي حياة لدستور، سيكون مجرد قطعة ورق تماماً كما كان الدستور الذي وضعه البريطانيون قبل ثمانين عاماً، وعندما احتاجوا الى ازاحته جانباً كانوا ببساطة يزيحونه جانباً، اما الحكومة التي تمثل الشعب فانها تنمو في تربة الشعب او لا  تنمو ابداً. لا يمكن ان تصدر بتفويض من حكام اجانب.
وهكذا فان افضل ما يمكن ان تجنيه امريكا من هذا الخيار هو ورقة توت تستر هزيمتها، اما اسوأ ما يمكن ان يحدث في حالة انهيار سريع فسيكون جلاء مذلاً كما حدث في فيتنام.
اما الخيار الاصعب فهو ان نختار الانسحاب بدلاً من ان نجبر عليه والوقت رصيد يضيع وكلما طال الوقت الذي نؤجل فيه هذا الخيار، اصبح من الصعب علينا اتخاذه ولا تحتاج الخطوات المطلوبة لتنفيذ هذه السياسة لان تكون دراماتيكية انما تحتاج العملية لان تكون خالية من الغموض ويمكن ان تكون الخطوات الاولى مجرد خطوات شفهية يتعين على امريكا ان تعلن بصورة لا لبس فيها انها ستتخلى عن سيطرتها على الاقتصاد العراقي وانها ستتوقف عن التحكم بالايرادات العراقية كما تشاء وانها ستستمح للانتاج النفطي العراقي بان تحكمه قوى السوق اكثر مما يحكمه احتكار امريكي.
الخطوة الثانية - وهي اكثر صعوبة- ان تعقد هدنة وتتراجع بقواتها الى الخلف واذا كان باستطاعة بوش ان يكون شجاعاً كما كان الجنرال شارل ديغول في الجزائر حينما لجأ الى (سلام الشجعان) فان القتال سيتوقف تدريجياً ليس هذا من قبيل التفكير، انه بالتحديد ما كان يحدث وقتاً بعد آخر في الحروب الفدائية.
عندئذ -وعندئذ فقط- يكون باستطاعة العراقيين ان يشرعوا في خلق اجماع وطني لكن المحتمل ان لا يأتي هذا عبر انتخابات، وان كانت الانتخابات يمكن ان تضفي شرعية على العملية. ومن المحتمل ان لا تروق لنا الحكومة التي ستظهر ولكننا تجاوزنا بالفعل النقطة التي كنا قادرين على السيطرة على ذلك الخيار، وما ينبغي ان نساعد عليه ونشجعه هو عملية وطنية في جوهرها تبني مؤسسات مدنية.
وفقط عندما تظهر هذه المؤسسات سيبرز للكل ما من حكومة سليمة بصورة معقولة، حرة بصورة معقولة وصالحة بصورة معقولة وهذا هو الجانب الاشد حساسية والاكثر صعوبة في الامر كله. لهذا لا يمكن التعجل فيه، وليس بامكاننا ان نقوم به عن العراقيين.
والخطر خلال هذه الفترة ذو شقين: من ناحية يمكن للعراق -مثل افغانستان- ان يتمزق وان يسيطر امراء الحرب المحليون على اجزاء او ان ينقسم العراق الى نوع من بلقان شرقية حيث تقوم دول كردية وعربية سنية وشيعية. الواحدة منها ستخلق بالتاكيد ارهاباً من طراز ارهاب المافيا بينما يدعم الاخر التمزيق فيما الآلاف من النازحين الذين يتكونون فجأة يهربون من الدول التي اصبحت الآن دولاً غريبة بالنسبة اليهم ويمكن ان يحدث مزيد من زعزعة الاستقرار في المنطقة، ومن الممكن ان تتدخل كل من او اي من تركيا وايران. تركيا لتقمع الاكراد وايران لتحمي الشيعة. وهنا فان النتائج غير قابلة للتنبؤ ولكن ستكون بالتأكيد مدمرة.
من ناحية اخرى -وفي محاولة لتجنب هذه الكارثة- يمكن لنا ولاتباعنا العراقيين- على النحو الذي نحاوله الآن- ان نخلق جيشاً عراقياً جديداً. ويتعين علينا ان ننتبه الى درس التاريخ العراقي. ففي الماضي دمر الجيش الذي خلقه البريطانيون المحاولات الرامية الى مجتمع وطني، ومن المحتمل ان يفعل هذا مجدداً ويحتمل ان يمهد الطريق لظهور (شبح) صدام حسين، وخلال فترة الجلاء الامريكي وفي اعقابه سيحتاج العراق الى قوة شرطة، لكن ليس الى جيش، وستكون قوة متعددة الجنسيات تابعة للامم المتحدة لحفظ السلام ايسر واقل تكلفة والاكثر اماناً، وسيكون التوازن بين الامن والتماسك عملية صعبة التحقيق وصعبة الاستمرار فلن يكون بامكاننا المساعدة سوى بالحد الادنى، لكن اياً من جانبي التطرف سيكون الأسوأ.
في الوقت نفسه فانه سيتعين تنظيم عدد متنوع من وظائف (الخدمات) وسيكون باستطاعة العراق -اذا ما اعطي فرصته- لان يقوم بهذا في معظمه بنفسه. فانه بما يملكه من امكانات هائلة في الانتاج النفطي، الذي يكون الاضخم في العالم، سيصبح مرة اخرى عاجلاً بلداً غنياً وهو يملك شعباً موهوباً وعلى درجة كبيرة من الثقافة ويمكن ان يوفر العراقيون لانفسهم -كما سبق ان فعلوا في الماضي- خطوة بخطوة، الرعاية الصحية، الماء النقي، الصرف الصحي، الطرقات، الجسور، خطوط انابيب النفط، الشبكات الكهربائية، المساكن، الخ.
عندما زرت بغداد في شباط 2003 عشية الغزو كان العراقيون الذين تحدثت اليهم فخورين بما كانوا قد اعادوا بناءه مما كان قد دمر في حرب عام 1991 وهو بالتأكيد يستطيعون ان يفعلوا هذا مرة اخرى، والاهم ان العراقيين -عند تنفيذ عملية اعادة البناء واعادة ترتيب الامور- خاصة عند مستوى القواعد الاساسية -سيبدأون في السيطرة على حياتهم وسيبدأون في بناء مؤسسات احيائهم وبناء الاجماع الذي ستعتمد عليه الحكومة التي تمثلهم اذا كان لها ان تنمو على الاطلاق.
ومن الناحية الاقتصادية سيتعين على العراق ان يسرع خطاه، وهنا فان الدور الامريكي سلبي في الاساس لقد فرضنا -اثناء احتلالنا- سياسات عملت ضد استعادة الصناعة والتجارة العراقيتين عافيتهما وسيحفز الغاء هذه السياسات التنمية، حيث ان اية حكومة ذكية بدرجة معقولة ومعنية بشأنها الذاتي ستشدد على استعادة المشروعات العراقية لتستغل وتوظف عمالاً عراقيين. ويمكن تسريع هذه العملية عن طريق قروض دولية واتفاقات تجارية واجراءات حمائية حتى تتلاشى البطالة التي بلغت الآن مستويات كارثية من الناحية الاجتماعية.
ان مشاركة الاحياء السكنية في ادارة الشؤون الاجتماعية وتوفير الامن تقاليد قديمة في المجتمع العراقي، وسيدعم السماح بها او تحبيذ اعادة النشاط اليها الاثر الجانبي الممتاز لتمثيل القواعد الاساسية سياسياً.
وفيما يخبو القتال تتحقق درجة معقولة من الامن وتعود الى الحياة مؤسسات شعبية وسيتشجع المليون عراقي الذين يعيشون الآن في الخارج على العودة الى الوطن وهؤلاء في مجموعهم اذكياء على درجة عالية من التدريب ولديهم افضل الدوافع وبامكانهم ان يقدموا مساهمات في كافة مراحل الحياة العراقية.
وسيلعب الانتاج النفطي دوراً رئيساً ويمكن للدخل الذي يولده ان يجعل بالامكان تنفيذ اشغال عامة كبيرة ستساعد بدورها في اجتذاب المهاجرين العراقيين للعودة، وتوظيف عمال عراقيين وتشجيع مقاولين محليين وانتشال طبقة التجار واصحاب المحال الذين كانوا يوفرون الامن تقليدياً في مدن الشرق.
سيكون بامكان الحكومة العراقية -لما فيها مصلحتها- ان تمكن شركة النفط الوطنية العراقية من منح امتيازات بواسطة عطاءات لعديد من الشركات الدولية، وسيكون بامكان كل من هذه الشركات مع شركة النفط العراقية ان تبيع النفط في السوق العالمية ومن الواضح ان هذا افضل لمصالح العراق- ليس هذا فقط، انما ايضاً افضل لمصالح العالم الغربي.
ولسوف تمنح عقود لاعادة الاعمار، تدفع نفقاتها بمال عراقي بمقتضى عطاءات، كما كانت في السابق تقليدياً انما لمنع فساد مفرط ربما باشراف دولي من البنك الدولي وبطبيعة الحال يتبع البنك الدولي اجراءاته المعتادة بشأن ما يمنحه من قروض. وحيثما توفر بلدان اخرى مساعدات، فانها ستصر على الارجح (وتنال موافقة) على ان تكون لها معاملة الدولة المفضلة عند منح عقود، كما هي الممارسة السائدة عامة في كل مكان.
في مثل هذا البرنامج ستحدث -بصورة حتمية- انتكاسات وتقصيرات، ولكن سيكون بالامكان تعويضها جزئياً عن طريق منظمات دولية. ولن تكون هذه الخطوات يسيرة سيختلف العراقيون على التوقيت وعلى طواقم الافراد والعقود بينما سيتطلب اعطاء العملية فرصتها درجة نادرة من الشجاعة السياسية الامريكية ولكن -وهذه هي المسالة الحاسمة- فان اي مسار آخر سيكون اسوأ بدرجة كبيرة بالنسبة الى امريكا والعراق على السواء. ان سلامة المجتمع الامريكي وصحته وكذلك المجتمع العراقي تتطلب ان تنفذ هذه السياسة بذكاء وتصميم وبسرعة.