العالم الإسلامي في ظل أوهام العولمة.. المزيد من الفقر والتده   عدد القراء : 3093   .

العولمة مصطلح جديد أفرزه الفكر السياسي المعاصر ومعناه ببساطة (رفع الحدود) والتعامل مع العالم كحالة واحدة او كقرية صغيرة او هي تحول العالم الى سوق ومنطقة واحدة وتنتقل فيها عناصر الانتاج دون قيود.
والواقع ان العولمة منظومة معقدة من المفاهيم والممارسات واساليب لتحقيق مصالح اقتصادية ومطامع سياسية ليس لها حدود في العالم، والعولمة في حقيقتها هي احدى نتاجات العالم الغربي الى العالم الفقير ويقصد منها عولمة العالم على الطراز الغربي.
يقول الغرب هي تطور حاصل في ايديولوجية الغرب التي على عاتقها نقل التطور في كل المجالات بما فيها الانظمة السياسية الى العالم الاخر (النامي). وقد ظهرت بعد الثورة المعلوماتية في العالم وأخذت مساحتها الكافية في كل النواحي بعد نهاية القطبية الثنائية (تفكك الاتحاد السوفيتي) وانهيار الكتلة الشيوعية وحلف وارشو وتحول العالم الى قطبية واحدة هي الولايات المتحدة الامريكية.
والذي يعنينا من الموضوع هو العالم الاسلامي الذي ننتمي له، والعالم الاسلامي الذي نقصده هو مجموعة الدول الاسلامية المنتمية الى منظمة المؤتمر الاسلامي وعددها 57 دولة موزعة على اربع قارات (آسيا وافريقيا وامريكا الجنوبية وأوروبا) ويستخدم مصطلح الدولة الاسلامية اليوم ويعني الدولة التي يكون معظم سكانها من المسلمين في حين ان التعريف الشرعي لها (هي الدولة التي تقيم احكام الشريعة الاسلامية ولو كان المسلمون فيها اقلية).
وهذه الدول (ضمن العالم الاسلامي) ترتبط فيما بينها بمجموعة من العوامل اولها واهمها الدين الاسلامي والتاريخ والجغرافيا والحضارة والمصالح السياسية والاقتصادية، والعالم الاسلامي مساحته بحدود 32 مليون كم2 وهو ما يقارب ربع مساحة اليابسة في العالم ويبلغ تعداد المسلمين 2 مليار نسمة يسكن ثلثاهم في العالم الاسلامي اي بحدود 1.4 مليار مسلم.
وتجري في اراضي العالم الاسلامي أهم واطول انهار العالم (النيل، دجلة، الفرات، السند، النيجر، السنغال،.....) ويطل العالم الاسلامي على اهم البحار والمحيطات وتقع فيه اكبر بحيرات العالم (قزوين، فكتوريا، آرال، تشاد).
وتوجد الموارد الطبيعية بشكل وفير في العالم الاسلامي واهمها النفط حيث يوجد في 35 دولة اسلامية ويشكل انتاجه 43%  من الانتاج العالمي ويوجد فيه اكبر احتياطي للنفط في العالم اضافة الى وجود الغاز والكثير من المعادن المختلفة، وقد بلغ الناتج المحلي الاجمالي في العالم الاسلامي عام 1999 بحدود 3483 مليار دولار ويبلغ معدل حصة الفرد من الناتج الاجمالي بحدود 4000 دولار سنويا عالم بهذه المواصفات وبهذه الامكانيات ماذا جنى من العولمة؟
وما الذي قدمته العولمة للعالم الاسلامي؟
تشير احصائيات الامم المتحدة الى ان 37% من سكان العالم الاسلامي يعيشون تحت مستوى خط الفقر اي ما يعادل 504 ملايين شخص وتبلغ نسبتهم الى فقراء العالم 39%، وهذا يعني ان اكثر من ثلث سكان العالم الذين يعيشون تحت مستوى خط الفقر يسكنون العالم الاسلامي.
وفي دراسة لمؤسسة الشفافية الدولية وهي مؤسسة يشرف عليها البنك الدولي لتشخيص الفساد الاداري في العالم وضعت هذه المؤسسة تقييما من 10 درجات كمؤشر على النزاهة أظهرت النتائج ان الدول الغربية جاءت في المقدمة فالدنمارك حصلت على 10 من عشرة والسويد على 9.5 وفنلندا على 9 وامريكا 7.5 فيما حصلت ماليزيا (الاكثر نزاهة في العالم الاسلامي) على 5 درجات فقط!! وحصلت اندونيسيا على نقطتين ونيجيريا على 1.9 واشارت تقارير الامم المتحدة الى ان النزاعات الداخلية (بمؤثرات خارجية) من اهم معوقات التنمية والتطور في العالم الاسلامي فبالاضافة الى كونها تستنزف الموارد فقد بلغت خسائر هذه النزاعات اكثر من 600 الف قتيل اضافة الى حصول بعض الحروب فيما بين الدول الاسلامية كالحرب بين العراق وايران واجتياح العراق للكويت والمناوشات بين الهند وباكستان..
وقد انفق العالم الاسلامي على المجالات العسكرية عام 1997 اكثر من 72 مليار دولار تستخدم معظمها في النزاعات البينية ويخرج الجميع من هذه النزاعات (لا غالباً ولا مغلوباً) والهدف منها استنزاف الموارد.
وتصنف الامم المتحدة دول العالم الى ثلاثة مستويات تنموية وتقع 20 دولة اسلامية في المستوى الاخير (المنخفض) باستثناء خمس دول هي (بروناي والبحرين والامارات والكويت وقطر) لان هذه الدول صغيرة المساحة وكثيرة الموارد وقليلة السكان، في حين ان اول ثلاث دول تتمتع باعلى مستوى تنمية في العالم هي (كندا، النرويج، الولايات المتحدة الامريكية) وتشير احصائيات الامم المتحدة الى ان اعلى نسبة تضخم (التضخم هو انخفاض قيمة النقد) في العالم هي في دول العالم الاسلامي ففي سوريا تقدر نسبته بـ170% وفي العراق 135% وفي تركيا 65%، وان هناك 16.5 جهاز كومبيوتر لكل الف نسمة في العالم الاسلامي وهي نسبة متدنية جداً.
وتقول الامم المتحدة ان حوالي مليار شخص في العالم (سدس سكان العالم) يعيشون في اماكن عشوائية بسكن غير نظامي وهي ما تعرف بالعشوائيات وتتوقع المنظمة الدولية انه خلال الـ 30 سنة القادمة سيسكن بحدود 2 مليار شخص هذه العشوائيات، يقول رئيس برنامج الاسكان البشري في الامم المتحدة (ان وجود العشوائيات يجلب العار على العالم باكمله).
اشار تقرير الامم المتحدة عام 2001 الى انه عاش 32% من سكان العالم في عشوائيات معظمهم من الدول النامية، وعبر التقرير عن قلقه بشأن العولمة وانها لا تعمل عادة لصالح الفقراء.. يقول البروفسور باتريك واكلي من جامعة لندن (كنت في احدى العشوائيات في اندونيسيا وقد اشار شخص الى الحذاء الذي ارتديه وقال: انه مصنوع في هذه العشوائية ومن ثم فان العولمة يمكن ان تقدم فرصا لم تكن متاحة في الماضي) انتهى كلام البروفسور اما انا فليس لدي تعليق على كلامه..
ومع استمرار الترويج للعولمة اصبحت ظاهرة خروج الجموع المناوئة للعولمة ظاهرة عالمية ففي عام 1999 وقعت مصادمات عنيفة صاحبت انعقاد قمة منظمة التجارة العالمية بمدينة سياتل، وفي عام 2000 مظاهرات جديدة ضد العولمة في منتجع دافوس السويسري، وفي 2001 تظاهرات في زيورخ، وفي نفس العام خرج 250 الف متظاهر في جنوا الايطالية ثم تلتها تظاهرات عام 2002 في نيويورك وفي نفس العام اعتقلت الشرطة الامريكية في واشنطن 600 شخص كانوا يشاركون في التظاهرات ضد العولمة، وفي 2003 عقدت مؤسسة الاقتصاد الجديد لمناهضة العولمة مؤتمراً في دبي حررت فيه آن بيتفور تقريراً حول (الاقتصاد العالمي الحقيقي) قالت فيه (من خلال رصد الاوضاع الاقتصادية للعالم خلال العقود الثلاثة السابقة يتبين ان الاغنياء ازدادوا ثراءً فيما زاد فقر الفقراء).
وفي كانون الثاني عام 2004 عقد في مدينة بومباي الهندية منتدى لمناهضة العولمة قال فيه المزارع والناشط الفرنسي جوزيه بوف للالاف الذين احتشدوا (ان منظمة التجارة العالمية تهدد مستقبلنا حيث تحتكر البذور وهذا يعني ان المزارعين لا يمكنهم استخدام بذورهم ومن ثم يتوقفون عن العمل) وتقول ميري روبنسون مفوضة الامم المتحدة العليا لشؤون حقوق الانسان ان ثمة علاقة بين العولمة والعنصرية.
وبعد كل ما تم استعراضه فان الليبراليين في العالم الاسلامي يعتقدون ان العولمة ظاهرة ايجابية وهي السبيل الوحيد للخروج من عنق الزجاجة وعلى المجتمع السير في ركبها لانها الحتمية التي لا انفكاك عنها ولا شك انهم يعيشون في اوهامها..
فيما يرى الاسلاميون ان السير في ركب العولمة هو سير نحو الهاوية وانها اي العولمة الاستعمار الجديد للعالم الاسلامي وللدول النامية وذلك ما اشار اليه رئيس وزراء ماليزيا السابق مهاتير محمد في خطابه في جامايكا عام 1999 بقوله (ان الدول الرأسمالية تسعى في اطار العولمة الى انشاء نظام سياسي واقتصادي واحد هو الرأسمالية مهما كانت النتائج).
ان ما حققته العولمة حتى الان المزيد من التدهور والجهل وزيادة الفقر وخلقت مشاكل سياسية واقتصادية وامنية واجتماعية وثقافية كبيرة يصعب حلها وعلى الرغم من كل ذلك فان العالم الاسلامي هو المرشح ومعه احرار العالم للوقوف بوجه العولمة وبوجه الامبراطورية الاوحد...