| الفلوجة.. هل من دواء لجراح النازحين؟!   عدد القراء : 1425   . الفلوجة مدينة عراقية صنعت قدرها صفحات المنازلة المسلحة بين اهلها المدافعين عن بيوتهم واطفالهم وتراثهم ودينهم وبين قوات الاحتلال الامريكي القادمة من خلف المجهول لصنع تأريخاً جديداً لا يختلف في بشاعته عن تاريخ صراعهم مع الهنود الحمر بعد ان بنوا على قبورهم حضارة الهمبركر والجينز. وعلبوا دماءهم في قوارير لتبقى ذكرى تشهد على امجاد الانسان الجديد. بعد انتهاء صفحات المواجهة المسلحة والمعروفة نتائجها سلفاً، اعلنت الحكومة العراقية- المعينة من قبل المحتل- عن السماح للعوائل النازحة من اهالي الفلوجة بالعودة الى بيوتهم التي لم تعد بيوتاً بعد ان طالتها يد الحضارة الامريكية فجعلتها قاعاً صفصفاً. فاخذت العوائل المنكوبة دورها في الانتظار على اعتاب الحواجز الامريكية التي تجسد ارقى صور الحرية المستوردة وفق نظرية (الكاوبوي). فراحوا يعللون جراحهم بما قد يجدونه من حيطان لم تهدم وطرقات لم تشوه تماماً علها تذكرهم بمرابع الطفولة وملاعب الصبا او بعض الاثاث السليم ليعينهم على تخطي آلام العوز والحاجة في وقت لم تترك لهم عجلات الحضارة والديمقراطية ما يرأبون به جراحهم الا خيماً في العراء تصور للناظرين فداحة الجريمة وقسوة الفاعلين بدافع الوقوف على الحقيقة وكشف النقاب المر الذي يعيشه النازحون من اهالي الفلوجة انتقلنا الى ساحة الاحداث وسلطنا الضوء على ما هو غائب عن اعين الرأي العام. بفعل التعتيم الاعلامي من قبل سلطات الاحتلال والحكومة العراقية المعينة والهادف الى طمس الحقائق واخفاء معالم الجرائم المرتكبة بحق هذه المدينة واهلها.. فكانت لنا هذه الوقفات مع بعض من رمت بهم الاقدار في طريقنا: احد النازحين من سكنة حي الشهداء في الفلوجة لديه معاناة تمتد مساحتها خمسة ايام متتالية ينتظر فيها امر الدخول من القوات الامريكية ليطلع على بيته واهله في الداخل بعد ان انقطعت به السبل، حتى هاتفه النقال كان يشاركه الانتظار في اثير الشبكة المفقودة والميتة بفعل العاملين حسب ما يذكر هذا المواطن، ولا يدري ان كانت معاناته سيكتب لها الزوال بعد هذا الانتظار ام انها ستزداد مساحة وقسوة. صادفنا واحد من الواقفين في الطابور كان يحمل علباً من البسكت وهو يتأفف حسرة فدفعنا الفضول لنسأله عن حاله وماذا يصنع بهذا البسكت فربما ينوي اقامة حفلة شاي على جسر (السجر) المطل على الفلوجة من جهة الصقلاوية، بأمله بالدخول الى مدينته المخربة، فاجاب: انه يقف منذ يومين في هذا الطابور الممتد على بعضه كيلومترات من حدود الصقلاوية حتى مدخل الفلوجة برفقة عائلته، فاضطر لشراء البسكت ليدفع شبح الجوع عن اطفاله الذين لا ذنب لهم في هذه الكارثة سوى انهم ولدوا في الفلوجة. شخص اخر كان يتامل الموقف في الطابور والالم يغري عينيه بالدموع، اقتربنا منه طامعين في ان نجد ما يسعفه ويطفئ حرقته بالحديث اليه، فقال لنا: ان والدته امراة كبيرة في السن ولا يخلو جسمها من كل امراض العصر فضلا عن آلام الانتظار فهي تئن منذ يومين واقفة امام حاجز العبور بلا مسعف، ولا خيار لهم الا الوقوف في جادة الاذلال علهم يصلون الى مستشفى المدينة الوحيد. ما رواه مواطن آخر من حي الجولان امضى يومين من الوقوف والانتظار، يحمل من المرارة والفظاعة ما يجعل القلوب تعتصر حرقة واسفاً مفاد روايته (ان الجيش الجديد- الذين هم ليسوا من محافظة الانبار اصلا- خصصوا سيارة نوع كوستر تقوم بنقل المواطنين الراجلين من الراغبين بمغادرة المدينة او الدخول اليها) اثناء قيامهم بتلك المهمة يُشغّلون اشرطة الاغاني الهابطة المتنافية مع الادب والاخلاق العامة فضلا عن التراقص واطلاق الاصوات المنكرة التي تهتك الذوق العام امام العوائل الراكبة في السيارة.. تلعثم قليلاً وهو يواصل السرد ثم صمت والخجل والحياء باديان على وجهه واخبرنا ان لسانه لا يعينه فالامر افظع، وبعد نفس عميق صاحبته حشرجة قال: ان افراد الجيش المذكور قد جاوزوا كل الخطوط الحمراء التي يفرضها الخلق العربي والاسلامي فاقدموا على التحرش ببعض النساء في السيارة فما كان من اهل المدينة الا امران احدهما مر فأما الصمت والموت كمداً واما ردع اؤلئك، ففضلوا الامر الثاني بكل ما يحمله من وبال عليهم فقتلوا افراد الجيش واحرقوا سياراتهم. معاناة وقسوة واذلال، دون واعز من رحمة او اخلاق، ناهيك عن انعدام الامن في منطقة لا تخلوا اجواؤها من مواجهات مسلحة بين قوات الاحتلال والمقاومة العراقية، فاذا قدر ان حصل امر مثل ذلك فان الاقدار قد عبست في وجه الواقفين في طابور الانتظار. وينعدم في الافق الضبابي اي امل في ان تجد جراح اهالي الفلوجة من يسعى بجدية لتقديم الدواء حتى لو كان الكي... |