| قصة من الواقع   عدد القراء : 1244   . عندما التقى ابن العلقمي عميل المغول ذات مرة في الحلم قال له: كن حذرا، ستموت مقتولا، سيقتلك الجندي الذي تعمل عنده عميلا، ستلحق بي. ما أن استقر في الغرفة حتى اخذ يبصق بقوة على وجهه في تمثال الطين واخذ يكيل له الشتائم.. -ابن الكلب، كان من الممكن أن لاتكون عميلا! ثم اخذ يركل وجهه الطيني بقدميه هنا وهناك إلى أن هدأت ثورته، وسكنت نفسه..ينبطح على الفراش،ويخلد إلى النوم بعد أن يمزق القميص الذي على جسمه ويكونّ خدوشا على وجهه الحقيقي.. يضطر (يوميا) أن يشتري عدداً من القمصان التي يقوم بتمزيقها على جسده عندما يستقر في الغرفة ويفتح الباب ويبدأ بممارسة طقس إراحة النفس، أو تعذيبها في السر كنوع من المهّدأ والتخفيف عن الذات من الهموم، وتأنيب الضمير. غرفته الخاصة- وحدها تشهد (التعاسة) والدمار الذي لحق به منذ أن أصبح عميلا للقوات التي احتلت (بلده)، بينما يتصوره الجميع في الخارج انه سعيد، ومرتاح البال، وإنسان عديم الشعور والإحساس، ثري يملك مالا كثيرا، وينام على كنز كبير بسبب عمالته. داخل الغرفة يستطيع أن يفعل أي شيء: يبكي كالنساء، ويمزّق ثيابه، يلطم على خده، يشتم، يسب، يهين نفسه، يفعل أي شي ممكن أن يريحه قليلا ويعيد إليه السكينة التي افتقدها منذ أن اخذ يسلك هذا الطريق.. داخل أطار غرفته المنعزلة، يفعل كل ما بدأ له، يسترد نفسه، ويسترد جزءاً من احترامه لنفسه، ويحتقر ذاته ويهينها، ويشمأز منها، ويبصق في وجهه أينما عثر عليه أمامه، في التمثال الذي صنعه بنفسه عندما كان منزعجا ومتألما وخائفا، في المرايا العديدة التي علقها على جدران الغرفة، على صوره الفوتغرافية.. يقف أمام وجهه في التمثال، في المرايا، في الصور الفوتوغرافية، يبصق فيه، يشتمه، يعيد ويكرر ما قاله في كل مرة: كان من الممكن أن لا تكون عميلا! في الصباح الباكر وهو يغادر غرفته، تدخل أمه الثكلى إلى الغرفة، وتجمع كومة أوراق بيضاء فيها رسوما كثيرة كلها وجه دائري يعكس وجهه الحقيقي.. تنبع سهما من الرؤوس الكثيرة تؤشر إلى جهة معينة في كل مرة، كتب في داخل شكل بيضوي (عميل يستحق الشنق)، تنظر إلى وجهه في التمثال، تجده اُشبع ركلا وضربا، تعثر في الأرض على قميص ممزق كان يرتديه عندما يدخل الغرفة، قميص ممزق في كل ليلة، زجاج صوره الممزقة تحمل بقع البصاق..تشاهد على باب الغرفة وهي تهم بالخروج منها وسط دهشة واستغراب- صورة رجل يرتدي زيا عربيا كان قد نكس رأسه أرضا ،ولف العقال حول رقبته، ملامحه، وسيماء وجهه يشير إلى انه زوجها (والده)، لكنها تستغرب لماذا نزع الرجل عقاله ولفه حول رقبته، وكأنه يبدو في حالة مهينة، تغادر الغرفة وهي تدمدم: لقد جُن الولد، نزع عقال ابيه ولفه حول عنقه، بئس الأولاد الذين ينكسون عقال الإباء. لم يك قد رسم هذه الصورة على الباب إلا بعد أن استيقظ في احد الصباحات باكرا، ووجد عقال أبيه قد نكس وتغير ملامحه من رجل مبتسم إلى رجل سيئ الملامح وينظر إليه نظرة شزرة ويتطاير منها شرر، لم يستطع الوقوف أمام الصورة فغادر الغرفة دون أن يرتدي ثيابه، وظهر أبوه (لاحقا) بذات الهيئة في الصورة وبدأ يظهر له داخل الغرفة بعد أن يتمدد على السرير ويكون قد انتهى من طقوس البصاق والشتم والسب وتمزيق الثياب ولطم الخدود، يظهر وفي يديه سوط، أو خيزران، أو عقال الرأس وهو قاطب الوجه والملامح: لِمَ نكسّت عقال أبيك، وجدك، وأعمامك، وأخوالك، يا ولد...؟ يأخذ السوط أو الخيزران ويبدأ ضربا فيه، ينضم إليه أعمامه، وأخواله، وأبناء عمومته، وأخواله، وأبناء المحلة، وأبناء المدينة، كلهم يهجمون عليه جملة-هجمة رجل واحد- ويكيلون له ضربا إلى أن يستقيظ في الصباح على صوت أمه: -لقد تأخرت عن الدوام.. نادرا ما يخرج من الغرفة دون أن ينظر إلى وجهه في المرآة، ويبصق فيه ويشتمه، يوصد الباب ويكون الاحتقار إلى ذاته بلغ درجات قصوى ثم يبدأ يتلاشى تدريجيا ويزول عندما يدخل معسكر قوات الاحتلال، ويصافح جنديا اميركيا، ويركب معهم المدرّعة ويتجول في الطرقات، ينظر من خلل النافذة إلى المارة السابلة وهم يمشون في الطرقات دون خوف ووجل، يمشون ورؤوسهم إلى الأعلى تعانق هاماتهم السماء بينما ينكس هو رأسه أرضا وهو داخل المدرعة الأمير كية، يساوره الخجل والخوف، ويشعر بالوحدة.. يشعر أن كل المارة في الخارج يبصقون عليه، تمشي المدرعة وتمر من أمام البيوت والمنازل يلتقيه نسوة جلسّن في أمام الدور، يتخيل إليه أن النسوة القاعدات يبصقن في وجهه من خلل الخِمار، بل إنهن ارتدين الخمار عندما وقع بصرهّن عليه وكن فيما مضى من الوقت، (وبالتحديد) عندما لم يك عميلا- ينظرن إليه أعجابا بوسامته، وبشخصيته التي تجذب الصبايا والنسوة في المدينة كلها، لقد افتقد نظرات الإعجاب والدهشة من عيون الصبايا والنسوة وأصبحن لا ينظرن حتى إلى وجهه، بدأ يشعر انه لم يعد وسيما، وجذابا كما كان، لم ينسَ أن أكثر من صبية جميلة تعرّف عليها أثناء عمالته للقوات الأميركية، تخليّن عنه، ولم يعدن ينظرن إلى وجهه.. لقد أصبح وحيدا تفترسه الوحدة، يتسأل في نفسه مرارا..؟، كنت فقيرا وتملك صداقات كثيرة، وتشعر أن الجميع يرغبون بصداقتك، أصبحت ثريا والكل تخلى عنك، ولم تعد مرغوبا، للمرة الأولى في حياته يصادفه حالة مثل هذا، غني لا يجد من يصادقه ويتخلى عنه الجميع...؟ سارت المدرعّة واجتازت ساحة يلعب فيها مجموعة من الأولاد لعبة كرة القدم، كانوا سعداء جدا، ساورته الغيرة وتمنى لو أنه كان يستطيع أن ينضم إليهم ويلعب معهم، لكنه لن يستطيع أن ينحدر من السيارة لان الصبية سيركلونه بدلا من الكرة، وسيسخرون منه حتما ويصرخون فيه: اذهب عنا، أنت عميل. لقد فقد حريته منذ أن أصبح عميلا لديهم، لم يعد يشعر بالراحة، ولا بألامان، ولا بالحرية، انه إنسان بآئس لا يشعر احد بمدى تعاسته وحزنه.. أحيانا، يتمنى لو أن احدهم يأتي ويبصق في وجهه ويصرخ به بصوت عال: كان بأمكانك أن لاتكون عميلا!. شعر أن الكثيرين يبصقون عليه، ولكن ليس أمامه، بل في داخلهم وعندما يدير ظهره لهم، وانه ابن كلب في نظر الكثيرين حتى في نظر أمه العجوز، وأبيه الميت منذ سنيين. له أصدقاء كثيرون لكنهم عملاء مثله، يشعر انه لا يحبهم، ولا يحترمهم، ويشعر إنهم لا يحترمونه، ولا يحبونه، ويتمنى لو انه يستطيع أن يمسك من رقبة احدهم ويصرخ فيه لماذا أصبحت عميلا..؟، ويشعر إنهم يتمنون أن يمسكو من رقبته ويصرخوا فيه لماذا أصبحت عميلا...؟، يشعر أن الجنود الذين يشتغل عميلا لديهم لا يحترمونه أيضا، بل ينظرون إليه مثل نظرات أبيه في الصورة، ونظرات أمه الشزرة، ويشعر أن (ابن العلقمي عميل هولاكو) لايحترمه (أيضا)، ويؤنبه في الحلم كلما أتى إليه. يحلم انه يموت مقتولا، ويتخيل إليه دائما أن هذا الجندي الأميركي الذي يجلس قربه هو من سيبادر إلى قتله وليس شخص غيره، بل تيقن بذلك، وزاد شعوره بذلك، عندما التقى (ابن العلقمي عميل المغول) ذات مرة في الحلم وقال له:- كن حذرا، ستموت مقتولا، سيقتلك الجندي الذي تعمل عنده عميلا، ستلحق بي . الحبل دائما يتدلى من سقف الغرفة، مربوط من عمود المروحة في السقف، يتخيل إليه أن جسمه يتدلى إلى ألاسفل، ورأسه في الدائرة، ولسانه خرج من فمه يتدلى هو الأخر، يتصور نفسه سيشنق بهذه الطريقة، أو ستعثر الشرطة على رأسه في احد الغابات، والمزارع، أو في ترع النهر، ولا يعثرون على جسد له، يحلم بطريقة شنقه وهو نائم، تراوده كوابيس كثيرة، بل انه يكاد أن لاينام ويغمض له جفن، أحيانا يخشى حتى من القط الصغير الذي يموء في خارج الغرفة جوعا، وأحيانا يفكر لو انه يشنق نفسه بيده ويتصور أن ذلك ارحم له، واخف من شنق الآخرين له. في الليل وهو نائم، تجتمع عليه اذرع وأياٍد كثيرة تحاول شنقه، وخنقه من الرقبة، ويحاولون سحله في الغرفة بينما يواصل والداه إرسال نظرته الشزرة إليه وتبصق أمه في وجهه كلما تخلو إلى نفسها وتتسأل كيف حملت في بطنها تسعة شهور- صبيا أصبح (جاسوساً) يحتقر، ويهين نفسه..؟. يترأى له أن صبية المحلة يتراكضون خلفه ويصرخون بصوت عال ومرتفع: العميل، العميل، ويخيل إليه انه يمشي ويتنقل في المدينة وهناك الآلآف من العيون تتربص به وتنظر إليه باحتقار وازدراء وتلاحقه أينما مضى. صورة واحدة فقط لا تريد أن تفارق خياله، جسده الذي يتدلى من سقف الغرفة وحبل مربوط بشكل دائري يحيط برقبته وصورة جده الذي نزع العقال من رأسه ولفه حول عنقه. |