| الركون للظالمين   عدد القراء : 2002   . إن الظلم ظلمات يوم القيامة، يؤدي الى هلاك الامة والدولة، ويفسد الحرث والنسل، فمن الواجب شرعاً الانكار على الظالمين، ومنعهم من الظلم وعدم الاستكانة لهم ولا الركون اليهم، وبهذا تنجو الامة مما يحل بها من عقاب أو هلاك بسبب الظلم الواقع فيها. قال تعالى: ((فويل للذين ظلموا من عذاب يوم أليم)) وقال تعالى: ((وما للظالمين من حميم ولا شفيع يطاع)). ما رواه الترمذي عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه انه قال: (يا ايها الناس انكم تقرأون هذه الاية: ((يا أيها الذين أمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل اذا أهتديتم))، وأني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (ان الناس اذا رأوا ظالماً فلم يأخذوا على يديه أوشك أن يعمهم بعقاب منه)). إذ ان الفرد والامة مسؤولة عن نفسها أمام الله لا يضرها من ضل اذا اهتدت الا انها محاسبة على التقصير في الامر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولا تسقط عن الفرد ولا عن الامة التبعة في كفاح الشر، ومقاومة الضلال ومحاربة الطغيان، لأن المنكر لا ينفع الفرد ولا ينفع الامة أن تهتدي وهذا المنكر قائم بينهم. (سيد قطب: في ظلال القرآن، 62/3). ورد الظالمين هي الصفة الاساسية للمسلم، والمقومات الضرورية له، صفة الانتصار من البغي وعدم الخضوع للظلم، كي لا يتبجح الشر ويطغى، حين لا يجد رادعاً يكفه عن الافساد في الارض فيمضي وهو آمن مطمئن. إن الارض لا تصلح وفيها ظالم لا يقف له الناس ليكفوه ويمنعوه من ظلمه، وفيها باغ يجور ولا يجد من يقاومه ويقتص منه، والله يتوعد الظالم الباغي بالعذاب الاليم، ولكن على الناس كذلك أن يقفوا له ويأخذوا عليه الطريق. (سيد قطب: في ظلال القرآن، 302/7). قال تعالى: ((والذين اذا اصابهم البغي هم ينتصرون))، في بيان الاية قال القرطبي: (أي ينتقمون ممن بغى عليهم ولا يستسلمون لظلم المعتدي، قال ابراهيم النخعي: كانوا يكرهون أن يذلوا انفسهم فتجترئ عليهم الفساق) التفسير (39/16). وقال الالوسي: (اي ينتقمون ممن بغى عليهم على ما جعله الله تعالى لهم ولا يعتدون) التفسير (47/25). وقال ابو بكر بن العربي: (ذكر الله الانتصار في البغي في معرض المدح.. فيكون الانتقام منه أفضل). وقال الشوكاني: (أي أصابهم بغي من يغى عليهم بغير الحق، لان التذلل لمن بغى ليس من صفات من جعل الله له العزة حيث قال ((ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين))، فالانتصار عند البغي فضيلة وليس البغي من صفات المؤمنين، والمهانة والذلة ليست لهم بل لاعدائهم اهل الكفر بالله والجهل به). الزبدة، ص644. لذا يحرم الركون للظالمين بأي نوع من أنواع الركون اليهم، لان الظالمين لا يرتكبون المظالم الا بأعوانهم وبسكوت اهل الحق عنهم او بركونهم اليهم. قال تعالى: ((ولا تركنوا الى الذين ظلموا فتمسكم النار وما لكم من دون الله من أولياء ثم لا تنصرون)). أي لا تميلوا الى الطغاة الظالمين، بأي ميل سواء أكان بالصحبة أو بالميل القلبي، فان هذا بغي واقرار لظلمهم ومشاركة لهم، فتمسكم نار جهنم. قال الزمخشري في الاية: (ولا تركنوا، من أركنه اذا أماله، والنهي متناول للانحطاط في هواهم، والانقطاع اليهم ومصاحبتهم ومجالستهم وزيارتهم ومراهنتهم والرضا باعمالهم والتشبه بهم والتزيي بزيهم ومد العين الى زهرتهم وذكرهم بما فيه تعظيم لهم) التفسير (433/2). قال البيضاوي: (الركون هو الميل اليسير أي لا تميلوا اليهم أدنى ميل، فتمسكم النار بركونكم اليهم، واذا كان الركون اليسير الى من وجد منه ما يسمى ظلماً كذلك، فما ظنك بالركون الى الظالمين الموسومين بالظلم، والميل اليهم كل الميل) التفسير، ص 258. وقال الشوكاني: (الركون المنهي عنه هو الرضا بما عليه الظلمة، أو تحسين الطريقة وتزيينها عند غيرهم ومشاركتهم في شيء من تلك الابواب، انه يعذبكم بسبب الركون الذي نهيتم عنه فلم تنتهوا) الزبدة، ص(300-301). وكذلك لا يجوز معاونة الظالمين على ظلمهم بأي شكل من اشكالها، لانها تقوية لهم لتنفيذ ظلمهم، فيعمهم العذاب. قال تعالى: ((وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الاثم والعدوان)). وقال تعالى: ((فأخذناه وجنوده فنبذناهم في اليم فانظر كيف كان عاقبة الظالمين)). وقال تعالى: ((إن فرعون وهامان وجنودهما كانوا خاطئين)). فالله تعالى جمعهم بوصف الخطيئة ومنها الظلم وجعلهم جميعاً ظالمين، فأهلكهم. فالظالم لا يعان على بقائه في مركزه أو منصبه، لان في بقائه استمراراً لظلمه، الذي يجب على المسلم أن يزيله والقيام بفريضة الامر بالمعروف والنهي عن المنكر، الذي هو أصل من أصول الاسلام. قال تعالى: ((ولتكن منكم أمة يدعون الى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون)). عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (من رأى منكم منكراً فليغيره بيده، فان لم يستطع فبلسانه، فان لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الايمان) رواه مسلم. وهذا خطاب لجميع الامة في وجوب انكار المنكر وازالته، ومنه الظلم وتنحية أهله عن الحكم والسلطان، فيكون بالقوة إن توقف تغييره عليها، إن تيسر له السلطة أو الحكم أو الجاه، فان لم يستطع تغييره بالقوة، فيغيره بالنصيحة والارشاد والتوبيخ والتذكير والبيان، فان لم يستطع بهذا، فكان الانكار القلبي بكراهية المنكر وعدم الرضا به، ويعزم أن لو قدر عليه بقول أو فعل لأزاله، وهذا اضعف الايمان وأقله ثمرة. فان من شأن المسلم ان يكون قوي الايمان، يقول الحق ويعمل به اينما كان ولا يخاف في الله لومة لائم. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (المؤمن القوي خير وأحب الى الله من المؤمن الضعيف وفي كل خير) رواه مسلم. فالمؤمن القوي الايمان الصلب في دينه، المتمسك بتعاليمه، المنفذ لاحكامه، المجاهد في سبيله بعزيمة وارادة ماضية، خير وأحب الى الله من المؤمن الواهن الضعيف العزيمة، الواهي الارادة. وهذه هي سمة المؤمنين أقوياء في عقيدتهم، أقوياء في عقولهم وأخلاقهم وأبدانهم، أقوياء بوحدتهم وتماسكهم وما يمتلكونه من أسباب القوة وعدتها، يخوضون غمار الحرب بلا خوف ولا تردد، ويستعذبون الموت في سبيل الله وحماية دينه، رافضين حياة الظلم والذل والمهانة. قال تعالى: ((وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم وآخرين من دونهم لا تعلمونهم الله يعلمهم وما تنفقوا من شيء في سبيل الله يوفَّ إليكم وأنتم لا تظلمون)). |