حتى لا تختلط الألوان وتُُزيّّّف الحقائق التأريخية   عدد القراء : 1545   .

 اليوم وبعد ان استعرضنا في الحلقات الاربعة السابقة مجموعة (المداخلات والازدواجيات) المقترنة بالخطاب السياسي والاعلامي لقوى الاحتلال الانكلو- امريكي زائداً مجموعة من التيارات والاحزاب السياسية القابضة اليوم على مقود الدولة العراقية الجريحة آن الآوان لنا ان نستعرض وبشيء من التفصيل القراءات المستقبلية لما ستؤول اليه الاوضاع في عراق الغد... ومن ثم انعكاس هذه التلقبات والانقلابات على اعادة ترسيم خارطة المنطقة بوجه عام..

ففي وصف سابق لنا لما يجري اليوم على الساحة العراقية قلنا ان ما يجري اليوم عراقياً هو (الزلزال التدميري السياسي والاجتماعي بقصد او بدون قصد مع القوى السياسية المستوردة والمتعاونة معها سوف لن تزول اثاره فطريا او اقليمياً او دولياً في المدى القريب..
ان امريكا ارادت احتلال العراق لثلاثة اسباب ستراتيجية وكما نوهنا مراراً في عدة مقالات سابقة في جريدة البصائر او الزمان او السفير من انها ارادت
1. تصنيع اسلام جديد (محدث) يتوافق ورؤية الكنيسة الانجيليكانية للعالم والتي ينتمي اليها بوش ورايز وساترفيلد.
2. السيطرة على النفط الستراتيجي العراقي في المدى المنظور والبعيد وجعله تحت اليد الامريكية.
3. تخويف دول المنطقة النفطية وغير النفطية وبالذات ايران - وسوريا.. وبالتالي فهي قادرة اليوم على فرض املاءاتها (المستحيلة) على كل دول المنطقة ودون استثناء.. اما فيما يتعلق بالبحث عن اسلحة الدمار الشامل وتخليص الشيعة والاكراد من حكم النظام السابق فهذه اللغة الاعلامية السمجة اصبحت غير قابلة للتسويق امريكيا ولا اوربيا ولا حتى عربياً.
ان المشكلة الحقيقية التي تواجه امريكا اليوم في العراق هي (قوة بأس المقاومة وضعف وضياع المؤسسة العسكرية والسياسية العراقية التي انشأت بعد الاحتلال) ان امريكا تعلم جيداً ان ما خسرته اليوم في العراق غير قابل للتعويض في المدى القريب كما تعلم جيداً ان استمرار احتلال العراق الى ما لا نهاية سيجر عليها الويلات والكوارث السياسية والعسكرية معاً...
فحينما تتحدث هي اليوم عن الثورة البنفسجية العراقية في اشارة الى لون الحبر المستخدم في يوم الانتخابات... تراها تقفز على خطابها السياسي- والاعلامي الرسمي لتتحدث في اليوم التالي عن ضرورة تشكيل حكومة (معينة) تشمل كل الاطراف... وحينما تتكلم عن جرائم النظام السابق اللاانسانية بحق ابناء شعبه ترتكب هي من الجرائم والمجازر بحق السياسين وغير السياسين انتهاكات فاقت كل جرائم النظام خلال 35 عاماً...
وحينما توجه هي الانتقادات اللاذعة لهذه الدولة او تلك بسبب عدم وجود ديمقراطية لديها نراها تصدر امر القبض على احد المفكرين وتطارده بسبب اربع كلمات فقط قالها لاحدى الفضائيات وهي (ان مكوناً عراقياً يمثل اكثرية) وفي حملة مداهمات همجية حصلت في منطقة العامرية الشهر الماضي وبالتحديد في جامع الفردوس والدور المجاورة له تم اعتقال عائلة عراقية كاملة بشيوخها واطفالها ونسائها لان (احد اطفال هذه العائلة دفع بيده البريئة والضعيفة احد جنود المارينز المددجين بالسلاح معلنا عن كرهه وبغضه للاحتلال وجنوده) وقضت العائلة 32 يوماً قبل اطلاق سراحها بعدما لاقوا ما لاقوا من تعذيب جسدي ومعنوي في احدى معسكرات الاعتقال (الديمقراطية) وباشراف الحرس الوطني جداً... وان اردنا الاستمرار في طرح الامثلة والوقائع عن جرائم الاحتلال في العراق وبشاعتها لاحتجنا الى مئات الصفحات والجرائد والنشرات لتغطية ذلك.
ويبدو ان امريكا تحاول ان تثأر من تجربة فيتنام المريرة ومن وقع احداث الحادي عشر من ايلول ومن قوة اوروبا الموحدة كلها من مكون عراقي اصيل وباقي قواه الوطنية والتقدمية واليسارية وحتى مجاميع التكنوقراط الرافضة للاحتلال.. فهي اليوم تعتبر كل القوى الرافضة للاحتلال هي قوى تنتمي الى التكفيريين والسلفية وانصار القاعدة) بل ان احد المفكرين الامريكان الكبار والذي يشغل اليوم منصب المستشار السياسي لوزيرة الخارجية رايس وهو ساتر فيلد يقول ومن على شاشة قناة الحرة (ان الذين يقاومون الاحتلال اليوم في العراق هم احفاد ابن لادن!) والغريب في الامر ان كثرة كبيرة من مجاميع التيارات السياسية العراقية والتي تدور في الفلك الامريكي اخذت تردد بغبغاوياً الخطاب الدعائي والاعلامي الانكلو- امريكي.
نحن هنا نستغرب اشد الاستغراب ويصيبنا العجب العجاب حينما نسمع ونشاهد ان القناة العراقية (بالاسم فقط) تحاول ان تلوث وتشوه صورة المقاومة العراقية.. فهذا الذي يحدث عراقياً لم يحدث في التاريخ السياسي الاممي الحديث والوسيط على حد سواء..
فكل الشعوب الشرقية والغربية (تمجد وتتباهى بنضالات رجالاتها ضد الاحتلال).
الا قناة العراقية وبعض الاحزاب (المستوردة) تحاول ان تزرع اليأس في النفوس العراقية وضمائر الوطنيين من توجهات المقاومة وحقيقتها...
ان دولاً مثل فرنسا وروسيا والهند وحتى الولايات المتحدة تتصارع داخل اوطانها مئات التيارات والاحزاب الفكرية والدينية ولكنها (كلها تتفق وتتوحد مع بعضها حينما تتعرض ارض البلاد الى خطر خارجي دخيل) فما بال قوانا والسياسية تتسابق مع بعضها لنيل رضا الامريكي والبريطاني وبعضهم حتى الاسرائيلي.
ماذا يمكن لنا ان نسمي مثل هذا التوجه (اللاوطني والا اخلاقي) هل هي ضريبة العمالة ام الخوف من الجماهير ام املاءات قوى الاحتلال.
هل هذه القوى التي تطبل وتزمر اليوم لما تبثه قناة العراقية درسوا هذا الموضوع بكافة ابعاده.. هل علموا ان المساومات الرخيصة والتنازلات الوطنية سيجعل هذه القوى في المستقبل القريب قوى معزولة جماهيرياً وحتى اقليمياً...
انا على يقين وغيري كثيريعلمون اليوم ان (المقاومة العراقية الشجاعة اعادت الى العراق والامة العربية بعض امجاد تاريخها التليد) وجعلت معظم الدول الاوروبية تفكر جدياً بسحب قواتها من العراق.. واوصلت صوت العراق الجريح الى كل ارجاء المعمورة.
فلنتناس ان صدام كان سنياً والحكيم اليوم شيعياً.. فلنتناس كل خلافاتنا الوطنية الداخلية اليوم ونبدأ بعصر جديد (عصر الوحدة الوطنية) كما تتكاتف الاحزاب الامريكية والبريطانية والفرنسية والهندية حينما تتعارض بلدانهم الى خطر خارجي وشيك.
ان ما ينقص القوى السياسية العراقية اليوم (هي الروح الوطنية المخلصة)...
وهذه الروح المخلصة هي التي تجعل الامم والدول قوية النفوذ مرهوبة الجانب.. وعندما تتخلى بعض القوى عن هذه الروح تصبح واهنة لتتقوقع داخل (كارتل ضيق من الجماهير) ثم ما يلبث هذا الكارتل ان يضمحل هو الاخر لتصبح فيما بعد بعيدة عن الجماهير وعن الوطنية.
ان دولة مثل باكستان وهي اول بلد اسلامي يمتلك السلاح النووي ومن ثم الهيدروجيني نرى انها تستوعب اربعة احزاب سياسية كبيرة تختلف فيما بينها فقهيا وايديولوجيا ولكنها (تتوحد بسرعة البرق حينما تستشعر بتهديد خارجي ما).. وكذا الحال مع اليابان وايران...
فلماذا تلجأ معظم تياراتنا السياسية اليوم الى الارتماء كلياً او جزئياً بحضن الاحتلال او قوى خارجية اقليمية او دولية...
هل اصبحت هذه القوى تدرك الان انها اصبحت معزولة جماهيريا او وطنيا واصبح الاحتلال ملاذها الاخير.. ام انها تريد من خلال وجود الاحتلال وجنوده (فرض شروطها التعجيزية على ابناء الوطن الواحد) كما يحصل الان مع بعض القوى في شمال الوطن.
ان تاريخ الامم والشعوب الشرقية والغربية على حد سواء يعطينا نتيجة وقراءة واحدة فقط لا غير قراءة تدلنا (ان سلوكاً مثل هذا يجعل هذه القوى في عزلة عن جماهيرها وذات تاريخ مشكوك منه) ونرى انه في حالة رحيل اول جندي محتل من البلاد يخرج قادة هذه الاحزاب معه كما حصل في جيش لبنان الجنوبي وفي ايام الغزو الامريكي الطويل الى الكوريتين. وحالات اخرى كثيرة متشابهة.
نحن نطالب هذه القوى ان تدرس وتمحص تاريخ الامم جيداً وتستفيد من تجاربه.. نحن نطالب هذه القوى ان لا تسيئ كثيراً الى رجال مقاومتها.. فقيمة المقاومة من قيمتها وهيبة المقاومة من هيبتها هذا ما يدلنا عليه التاريخ....
اليوم العراق باكمله تحت الاحتلال فمنهم من يقاوم ومنهم من يساوم وهناك حد فاصل بين المقاومة والمساومة...
فالمقاومة هي تعبير صحيح عن كل ارادات الجماهير والشعوب التي تتعرض بلدانها للاحتلال... وهي الصفة الغالبة.
والمساومة هي شخوص سياسية شاذة تتخاتل بين سطور التاريخ لتجد لنفسها بين هذا وذاك ملجأ (آمن) تبرر به فعلتها... وهم القلة النادرة.
وبين هذا وذاك تسير رحلة الشعوب الطويلة نحو التحرر والبناء والتطور حتى وان كانت هناك هذه القلة المشار اليها..
فالمهم في الامر هذا وصول هذه الرحلة الى نهايتها وليس الامر في التبريرات والمغالطات والاكاذيب..
وقد قلنا كل ذلك (حتى لا تختلط الالوان وتزيف الحقائق التأريخية).
والله الموفق