من المحنة إلى المأساة!   عدد القراء : 1379   .

إذا كان الوضع السياسي والأمني في العراق قد دخل طور المحنة المستحكمة، فإن الوضع الإنساني فيه قد دخل دائرة المأساة المفجعة. أموره الحياتية والاجتماعية تدهورت بصورة مريعة. أدّى ذلك، بهذا البلد الغني بموارده، إلى حالة فقر مدقع. عراقيون، يحملهم العَوَزْ اليوم إلى عرض دمهم وأعضاء من أجسامهم للبيع!. التقارير تحفل بحكايات في هذا الخصوص يشيب لها الغراب. وما يزيد من مرارة المشهد ولا معقوليته، أن تنامي هذه الظاهرة أدى إلى قيام تجارة لها سوق وتعمل بقانون العرض والطلب!.
وكأن الإنسان تحوّل إلى سلعة، يبيع الفائض أو الممكن الاستغناء عنه من جسمه؛ لسدّ الحاجات الأساسية لما تبقى من هذا الجسم!.
العراق عانى وذاق الأمرّين، منذ زمن الحصار في بداية تسعينات القرن الماضي؛ مروراً بالحروب والاحتلال وحالة الفلتان التي يعيشها، وكان من الطبيعي أن تتفاقم فيه مشكلات البطالة والفقر وما ينتج عن ذلك من أمراض وقهر وحرمان. ومع السنين تراكمت مصائب هذه الحال وفعلت فعلها؛ على كل صعيد كابد العراقيون وصبروا. لكن للقدرة حدود. والفاقة لا ترحم.
وعندئذٍ يتصرّف المحتاج بما ملكت يداه. غير أن الأزمة ـ المأساة في الحالة العراقية مضاعفة: هناك معدم مضطر لبيع دمه بأبخس الأثمان ـ اللتر بعشرين دولاراً ـ من جهة، وهناك سماسرة ومحترفون يساومون البائس الذي يعرض دمه لشراء بضاعته (بأرخص) الأسعار التي تدرّ عليهم أفضل الأرباح؛ من جهة ثانية. كثيرون تفيد المعلومات، يصطفون أمام مصرف الدم في بغداد؛ لبيع زجاجة من دمائهم. وأحياناً يتوسلون الطبيب السماح لهم بسحب كمية أكبر من الدم، للحصول على مبلغ أفضل!.
وللحصول على سعر أعلى يلجأ الباعة اليائسون إلى الموظفين التقنيين في غرف الطوارئ لتعريفهم على الزبائن الدسمين، المستعدين لوضع أي مبلغ، لتوفير الدم المطلوب لجرحاهم. وكذلك يفعل تجار الدم ـ الذين اشتروه بأسعار زهيدة من المحتاجين ـ، فيذهبون لدى انتشار أخبار الحوادث إلى مداخل المستشفيات ليعرضوا مخزونهم الأحمر على أهالي الجرحى واستغلال اللحظة الفاصلة بين الحياة والموت لابتزاز ما أمكن من المال ثمناً لبضاعتهم! ناهيك بالروايات عن تجار الكلية والأصابع..
فهذه صناعة تعيش وتزدهر على الموت.المفارقة غريبة، ثمة خلل فادح في هذه المعادلة، وهو يرقى إلى مستوى الكارثة. ليست فقط الكارثة الصحية، بل قبل كل شيء الكارثة الوطنية والأخلاقية وما يهدد به ذلك تسريع الانزلاق نحو هاوية الانهيار.