| ََمقبَرَة الشّيَاطِين   عدد القراء : 454   . قصة قصيرة نورمؤيد الجندلي أتاني مهرولاً ينادي من بعيد، وتوقف لحظة ليلتقط أنفاسه، ابتسامته الماكرة أوحت بأنه سيقول خبراً مهماً، ورغم فضولي الشديد لأن أعرف ما الذي قد جاء به في هذه الساعة المتأخرة من الليل، إلا أنني أحببت أن أغيظه قليلاً، وأطفئ حماسه في تبليغي الخبر الهام الذي يحمله، فتصنعت البرود وسألته: ماذا حصل ؟ هل انهزم الجنود الأمريكان بعد أن طاردتهم بسيفك الخشبي على صهوة حمارك؟ بامتعاض أجابني يالك من ساخر، ولكن .. يمكنك أن تقول بأنهم سيرحلون قريباً، فهناك قوة عظمى تطاردهم دون مبالاة أجبته محاولاً ضبط أعصابي لابد وأنك كنت نائماً، وقد شاهدت سفن الفضاء تحط في نينوى، وتقاومهم وتطردهم بدلاً عنا. أطلق ضحكة غريبة، وتابع المماطلة بل أقوى من ذلك وأعتى وقتها قررت الاستسلام، فأمسكت بتلابيبه وصرخت به: -هات ما عندك فوراً، وإلا فاخرج للأبد. سكت لدقيقة، وأخرج منديلاً من جيبه، وراح يمسح حبات العرق عن جبينه، وقال وعيناه تنطقان بالخوف إنه الثعبان الضخم الذي كان يتحدث الرعاة عنه ..-أهذا ما جئت من أجله، إنه محض أكذوبة يدعونها ليبرروا إهمالهم في الرعي بل هو حقيقة .. لقد جاء أحدهم إلى دكان والدي وأخبره بأن الثعبان يبتلع أغناماً كثيرة في غضون ثوان قليلة، وبأنه أضخم مما يمكن تخيله، إنه سريع شرس لا يمكن لأحد أن يقف في طريقه أبداً. لقد اختفى من القطعان إلى الآن عدد كبير جداً، ثم إنه .. وصمت لحظة .. نظرت إليه فإذا هو يرتعد وهو يقولها: إنه يبتلع البشر، ويقضي عليهم بشراسة، فيختفون ولا يبقى لهم أي أثر. عندها لم أستطع أن أمسك نفسي، فأطلقت ضحكة عالية مجلجلة، ووضعت يدي على كتفه مهدئاً ..حباً بالله يا صديقي .. لا تقل بأنه ابتلع زوج تلك المرأة التي استنجدت بالشرطة تشتكي غيابه في تلك المنطقة منذ أسبوع، ولا عن أولئك الشبان الذين كانوا يتجولون بالقرب من الآثار ولم يعودوا إلى منازلهم، لا تصدق هذه الخرافات، فالأمر واضح، إننا في منطقة مشوبة بالمشاكل والحروب على أشكالها، ولا تستبعد مسألة الخطف أو القتل أو احتجاز الرهائن، أنت شاب سطحي جداً، لقد خيبت ظني ! وكأن العراق كان ينقصها ثعبانك لتكتمل فيها سلسلة الاجرام.. شعرت وكأنني بكلامي سكبت الزيت على النار، فاحمرّ وجهه، ونطقت عيناه بالشرر، وانصرف وهو يتمتم بصوت مخنوق ابق على وعيك هذا وستجد نفسك يوماً في بطن ذلك الثعبان حاولت إيقافه ومراضاته بكوب من الشاي، ولكن دون جدوى، لقد اختفى لثلاثة أيام، لم يظهر فيها أبداً راجعت نفسي وأيقنت أنني كنت مستخفاً به إلى درجة كبيرة، وكان بإمكاني إقناعه بفكرتي بطريقة أكثر تحضراً فانطلقت إليه باحثاً عنه في دكان والده، لكنني فوجئت به يشير إلي من بعيد، ويركض مسرعاً باتجاه الطريق العام ، ناديته ولكنه لم يجب، وتبعته أركض محاولاً تحصيله، وإذا بي أرى الناس كلهم يتجهون إلى الاتجاه نفسه، ويتوقفون فجأة قرب منطقة الأسلاك الشائكة توقعت أن أرى حادثاً مرورياً، أو بعض القتلى كما تعودنا أن نرى دائماً، ودسست رأسي بين الحشود وإذا بي أرى ما لا يمكن تصديقه. لقد كان ضخماً لدرجة لا يمكن تصورها، ثعبان رهيب المنظر، قد علق بسور الأسلاك الشائكة ولم يستطع الفكاك، قد فتح فكه الكبير ، وأخذ يصدر أصواتاً مرعبة وكأنه يتوعد الجميع بالتهامهم دون أدنى رحمة. كان الناس في حالة ذهول، يراقبونه بذعر، ولا يجرؤ أحد على الاقتراب خطوة، إلى أن أتى بعض الجنود الأمريكان، وأطلقوا عليه من بعيد السهام المخدرة، ليحتفظوا به حياً في سجن يليق به، وقبل أن يفقد الوحش الشرير وعيه، فاجأهم بأن لفظ من فمه ثلاث خوذ لجنود أمريكان، كانت الدوريات تمر بين الحين والحين لتسأل عنهم قال لي صديقي فيما بعد أن وزن الثعبان كان سبعة عشر طناً، وبأنه أصبح شهيراً جداً إلى درجة أن حضرته سيضاف إلى موسوعة غينيس للأرقام القياسية كأكبر ثعبان في العالم، فقلت له محاولاً استفزازه من جديد ..- هنيئاً لنا نحن العراقيين، ولم يبق وغد أو شيطان أو سفاح إلا وقد عشق أرضنا، فطاب له المقام بيننا فأجابني وعيناه تطفحان إباء ..- أياً كان، فالعراق سيبقى إما سجناً لهم أو قبراً.
|