الانتخابات الأمريكية: المقاومة فرضت التغيير   عدد القراء : 846   .
عبد الباري عطوان
عندما أقول (العرب والمسلمون)، فإنني لا اقصد أنظمة الحكم، وإنما الشعوب المغلوبة على أمرها، والمحكومة بالاستبداد والقمع، وبالتحديد المجموعات الحية التي قررت شق عصا الطاعة على الهيمنة الأمريكية، وحملت سلاح المقاومة ضد مشاريعها الاستعمارية في العراق وأفغانستان وجنوب لبنان وفلسطين المحتلة، التغيير الذي سيبدأ في أمريكا على الصعد كافة، السياسية والاقتصادية والعسكرية، والاجتماعية، ربما كان سيتأجل لعقود قادمة، لو أن القرن الأمريكي الجديد تكلل بالانتصار، وسارت الأمور بالطريقة التي أرادها المحافظون الجدد في العراق وأفغانستان، أي استقرار سياسي وازدهار اقتصادي، وخنوع كامل لمواطني البلدين المستهدفين من قبل المشروع الأمريكي، حرب الاستنزاف التي شنتها جماعات المقاومة في البلدين، والانتصار الكبير الذي تحقق ضد الآلة العسكرية (الإسرائيلية) الجبارة في لبنان، وصمود أهل الأرض المحتلة في مواجهة خطط التجويع والحصار، كلها عوامل أدت منفردة، أو مجتمعة، إلى إفلاس الولايات المتحدة اقتصادياً بعد إفلاسها عسكرياً وسياسياً، الأمر الذي دفع بالشعب الأمريكي إلى البحث عن عجلة إنقاذ تخرجه من أزماته الحالية، وتقوده إلى بر الأمان الذي يتطلع إليه، وأن فاز أوباما، فإن كاريزمته السياسية، وبلاغته الخطابية، وذكاءه الفطري الحاد، ليست كلها أو وحدها التي أدت إلى فوزه، ووصوله إلى أقوى زعامة في العالم، بل زعامة العالم بأسره، بل هي الهزيمة الساحقة التي ألحقها العرب والمسلمون بالإدارة الأمريكية السابقة، وجعلها مكروهة أمام مواطنيها أولا، وأمام العالم بأسره، فلو سارت الأمور بالطريقة التي أرادها، وخطط لها جورج بوش، وديك تشيني والمحافظون الجدد في كل من العراق وأفغانستان، وأقاموا دولة فلسطينية مسخا بشروطهم، لما تقدم أوباما في استطلاعات الرأي بأكثر من سبع نقاط على الأقل، ولما أتيحت له فرصة الاقتراب من البيت الأبيض، وحتى إذا افترضنا إن الشعب الأمريكي، أو قطاعاً كبيراً منه، قرر أن ينحاز إلى جذوره العنصرية، وصوّت في الاقتراع السري بطريقة مختلفة، وللشخص الذي لم يصوت له في استطلاعات الرأي العلنية، أي لصالح جون ماكين، الجمهوري اليميني المتطرف، فإن هذا الخيار سيعني استمرار المأزق، وتفاقم المخاطر، وانهيار الولايات المتحدة الأمريكية، وان كنا، وما زلنا نعتقد بأن الشعب الأمريكي لم ينحرف إلى هذا الخيار، بعد أن اكتوى بنيران الجمهوريين ومحافظيهم الجدد وسياساتهم الدموية لأكثر من ثماني سنوات.
فأيا كان الرئيس الأمريكي الجديد، فإنه سيجد نفسه في مواجهة مع العرب والمسلمين، فإذا أرادها مواجهة عسكرية، فهذا يعني استمرار الأوضاع على حالها، أي المزيد من الخسائر، وإذا أرادها مواجهة سلمية تقوم على الحوار والتفاهم، والاعتراف بالأخطاء وإظهار كل جوانب الاستعداد لإصلاحها وبما يرضي جميع الإطراف، ويحفظ مصالحهم، فإنه سينقذ نفسه، وينقذ بلاده، وينقذ العالم بأسره من شرور الإدارة السابقة، صحيح أن الرئيس الأمريكي الجديد سيكون مشغولاً في سنواته الأولى بالأوضاع الداخلية الأمريكية، والاقتصادية منها على وجه الخصوص، وإصلاح ما أفسدته الإدارة السابقة، وإعادة الهيبة والاحترام لزعامة البيت الأبيض، ولكن حتى هذه المهمة تحتاج إلى تعاون قوي، وعلى أسس جديدة مع العرب والمسلمين وشعوبهم على وجه التحديد، بمعنى آخر، سيحتاج الرئيس الأمريكي الجديد إلى مخزون الثروة العربي الهائل الناجم عن عوائد النفط، لإخراج الاقتصاد الأمريكي من عثراته، كما سيحتاج إلى نفوذهم واحتياطاتهم النفطية الهائلة لتخفيض أسعار الطاقة، وفق معدلات معقولة، تساعد على عودة الحياة إلى شرايين الإنتاج الصناعي المتيبسة، وأسواق المال التي تعاني من سكرات الموت البطيء بعد أزمة الرهونات، وتحويل اقتصاد العالم وبورصاته إلى كازينوهات للمقامرين، الأثرياء والفقراء في آن.
غوردون براون رئيس وزراء بريطانيا، ووزير خزانتها لأكثر من عشر سنوات كان أول من اعترف بهذه الحقيقة، وشدّ الرحال إلى عواصم الثروة العربية في الوقت الراهن، أي المملكة العربية السعودية وقطر ودولة الإمارات العربية المتحدة، مستجديا مساعدتها، من حيث توظيف فوائضها المالية الهائلة في الأسواق الغربية، وصندوق النقد الدولي لتوفير السيولة اللازمة لتخفيف حدة الانهيارات الاقتصادية الحالية، وتخفيف آثار الانكماش الاقتصادي في العالم الرأسمالي الغربي، الرئيس الأمريكي الجديد سيحذو حذو الحليف البريطاني حتما، فلا خيار آخر إمامه، وسيدرك جيدا إن (إسرائيل) التي ابتزت أمريكا والغرب لأكثر من ستة عقود هي أساس معظم العلل والمصائب التي يعيشها الغرب حاليا بسبب سياساتها الاستفزازية الدموية، وان مصلحة بلاده ليست في شن الحروب لإذلال العرب والمسلمين في حروب صليبية باهظة التكلفة، وإنما بمواجهة صريحة مع (الإسرائيليين) في الأرض المحتلة، يقول لهم فيها (كفى) كبيرة مدوية، كفى احتلالا، كفى اغتصابا، كفى قتلا، كفى استهتارا بالشرعية الدولية وقوانينها، كفى تعطيلا لعمليات السلام، كفى استيطانا في أراضي الغير، كفى عدوانا على الجيران.
العرب الرسميون يجب أن تكون مساعدتهم للرئيس الأمريكي مشروطة بحدوث تغيير في سياساته في المنطقة، وإلاّ فإنهم سيخسرون مثلما سيخسر هو في نهاية المطاف، لان القوى التي هزمت المشروعين الأمريكي والإسرائيلي ما زالت موجودة، بل وتزداد قوة وانتشارا، والآن نحن أمام إدارة أمريكية جديدة تريد إنقاذ نفسها، والتعلم من أخطاء سابقاتها لإنقاذ بلادها وشعبها، نحن الآن لا نقف أمام رئيس جديد، وإنما أمام أمريكا جديدة، وعالم جديد مختلف تماما، عالم لم تعد تسيطر عليه أمريكا، عالم يشهد نمو أقطاب جديدة، ونموراً أكثر شراسة وتعطشا للصعود، عالم تنتصر فيه جماعات مقاومة صغيرة، بأيديولوجية قوية في إيمانها، على قوى عظمى، وتقودها إلى الإفلاس الكامل، العالم يتغير بسرعة، وحقائق جديدة بدأت تطل برأسها، وتفرض نفسها على معادلات القوة والثروة فيه، والفضل في ذلك يعود جزئيا، إن لم يكن كليا، إلى من هزموا مشاريع الهيمنة الأمريكية ومحافظيها الجدد والقدامى على حد سواء.