قيادة الرسول (صلى الله عليه وسلم) السياسية والعسكرية   عدد القراء : 782   .


استيثار همم المقاتلين ومعنوياتهم
إعداد/ محمد النعيمي
الحمد لله رب العالمين والعاقبة للمتقين والصلاة والسلام على إمام المجاهدين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه ومن سار على نهجه الى يوم الدين اما بعد:
وبعد هذه المسافة الطويلة الشاقة التي قطعها رسول الله (صلى الله عليه وسلم) وجنده الى لقاء الكفار اتاه الخبر عن قريش بمسيرهم(بالجيش) ليمنعوا عبيرهم(ليدافعوا عن قافلتهم التجارية) فجمع رسول الله (صلى الله عليه وسلم) قيادته ومستشاريه السياسيين والعسكريين واخبرهم بهذا الخبر وان قريش قد جاءت بكل ما عندها من الرجال والعدة فاستشار الناس وهذا هو شأن القائد العظيم بالرغم من انه (صلى الله عليه وسلم) مؤيد من الله جل وعلا.
وبعد ان انتهى رسول الله (صلى الله عليه وسلم) من كلامه طلب من المجاهدين المستشارين من قادته للادلاء بآرائهم كل على حدة.
فقام المستشار الاول وهو الذراع الأيمن لرسول الله (صلى الله عليه وسلم) ابو بكر الصديق فقال واحسن في مقالته واظفر فيها همته العالية وبعد الانتهاء من كلامه قام المستشار الثاني الذي يشهد له الاعداء قبل الاصدقاء عمر بن الخطاب فقال وابدى رأيه واحسن في مقالته وبعد الانتهاء من كلامه.
قام المقداد بن عمرو (رضي الله عنه) وهو فارس لايشق له غبار فقال: يا رسول الله أمضِ لما امرك الله فنحن معك والله لانقول لك كما قالت بنو اسرائيل لموسى:(اذهب انت وربك قاتلا انا ها هنا قاعدون)ولكن اذهب انت وربك فقاتلا انا معكما مقاتلون فو الذي بعثك بالحق فلو سرت بنا الى برك الغماد(وهي بلدة في اليمن وقيل اقصى الحجر وقال السهيلي انها مدينة الحبشة) لجالدنا معك من دونه حتى تبلغه فقال له رسول الله (صلى الله عليه وسلم) خيراً ودعا له به. وهكذا كانت همة المهاجرين.
واما عن الانصار فقد استوثق رسول الله (صلى الله عليه وسلم) من امرهم كما في هذه الواقعة العظيمة فقال رسول الله (صلى الله عليه وسلم) اشيروا علي ايها الناس وانما يريد الانصار وذلك انهم عدد الناس وانهم حين بايعوه بالعقبة قالوا يا رسول الله انا براء من ذمامك حتى تصل الى ديارنا فاذا وصلت الينا فانت في ذمتنا نمنعك مما نمنع منه ابناءنا ونساءنا فكان رسول الله (صلى الله عليه وسلم) يتخوف الا تكون الانصار ترى عليها نصره الا دهمه بالمدينة من عدوه وان ليس عليهم ان يسير بهم الى عدو من بلادهم.
فلما قال ذلك رسول الله (صلى الله عليه وسلم) قال له سعد بن معاذ وهو سيد الانصار والله لكأنك تريدنا يا رسول الله؟ قال اجل قال فقد آمنا بك وصدقناك وشهدنا ما جئت به وهو الحق واعطيناك على ذلك عهودنا ومواثيقنا على السمع والطاعة فامض يا رسول الله لما اردت فنحن معك فوالذي بعثك بالحق لو استعرضت بنا هذا البحر فخضته لخضناه معك ما تخلف منا رجل واحد وما نكره ان تلقى بنا عدونا غدا إنا لصبر في الحرب صدق في اللقاء لعل الله يريك منا ما تقر به عينك فسر بنا على بركة الله فسر رسول الله (صلى الله عليه وسلم) بقول سعد ونشطه ذلك ثم قال سيروا وابشروا فان الله تعالى قد وعدني احدى الطائفتين والله لكأني الآن انظر الى مصارع القوم.
وانتهى هذا الاجتماع ببشارة النبي (صلى الله عليه وسلم) للصحابة ((رضي الله عنهم) بقوة لكأني انظر الى مصارع القوم. وكان هذا الكلام في بلدة يقال لها ذفران.
وبعدها ارتحل رسول الله (صلى الله عليه وسلم) من ذفران فسلك على ثنايا يقال لها الاصافر ثم انخط منها الى بلد يقال له (الديّة) وترك الحنان بيمين وهو شيب عظيم كالجبل العظيم ثم نزل قريبا من بدر فركب هو ورجل من اصحابه قال ابن هشام عنه الرجل هو ابو بكر الصديق قال ابن اسحاق كما حدثني محمد بن يحيى بن حبان يعني انه ابو بكر الصديق حتى وقف على شيخ من العرب فسأله عن قريش وعن محمد واصحابه وما بلغه عنهم فقال الشيخ لا اخبركما حتى تخبراني ممن انتما؟ قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم) اذا اخبرتنا اخبرناك قال اذاك بذاك؟ قال: نعم قال الشيخ فانه بلغني ان محمدا واصحابه خرجوا يوم كذا وكذا فان كان صدق الذي اخبرني فهم اليوم بمكان كذا وكذا للمكان الذي به رسول الله (صلى الله عليه وسلم) وبلغني ان قريشا خرجوا يوم كذا وكذا فان كان الذي اخبرني صدقني فهم اليوم بمكان كذا وكذا للمكان الذي فيه قريش فلما فرغ من خبره قال ممن انتما؟ فقال رسول الله (صلى الله عليه وسلم) نحن من ماء ثم انصرف عنه قال يقول الشيخ ما من ماء امن ماء العراق؟
قال ابن هشام يقال ان ذلك الشيخ سفيان الضمري والله اعلم.
قلت وهذه من اهم العمليات الاستخبارية التي قام بها القائد العام (صلى الله عليه وسلم) والمعلومات عن العدو مع اكبر مستشاريه وهو ابو بكر (رضي الله عنه) وهذا دليل على ان القائد لا يكون قائدا عظيما الا بمشاركة العمل مع جنده.
وبعد هذه المهمة الاستخبارية للرسول (صلى الله عليه وسلم) عاد الى اصحابه فلما امسى بعث بثلاثة فرسان من فرسانه الابطال وهم علي بن ابي طالب والزبير بن العوام وسعد بن ابي وقاص (رضي الله عنهم) الى ماء بدر ويلتمسون الخبر له عليه(استطلاع عن حقيقة الموقع ووفرة المياه لسلامة المقاتلين) وكما روى هذا الخبر يزيد بن رومان عن عروة بن الزبير وكانت قريش قد بعثت بنفرين الى الموقع نفسه ليستقوا لهم الماء فلما وصل فرسان النبي (صلى الله عليه وسلم) وجد الغلامين الاول اسمه اسلم وغلام بني الحجاج وعريض ابو يسار غلام بني العاص بن سعيد فاتوا بهما فسألوهما ورسول الله (صلى الله عليه وسلم) قائم يصلي فقالا نحن سقاة قريش بعثونا نسقيهم من الماء فكره القوم خبرهما ورجوا ان يكون لابي سفيان فضربوهما فلما بالغوا في ضربهما قالا نحن لابي سفيان فتركوهما وركع رسول الله (صلى الله عليه وسلم) وسجد سجدتين ثم سلم وانكر على الصحابة هذا الفعل وقال اذا صدقاكم ضربتوهما واذا كذباكم تركتوهما صدقا والله انهما لقريش اخبراني عن قريش؟ قالا هم والله وراء هذا الكثيب الذي ترى بالعدوة القصوى فقال رسول الله (صلى الله عليه وسلم) كم القوم؟ قالا كثير قال ما عدتهم؟ قالا لاندري قال كم ينحرون كل يوم؟ قالا يوما تسعا ويوما عشرا فقال رسول الله (صلى الله عليه وسلم) القوم فيما بين التسعمائة والالف.
ثم قال لهما فمن فيهم من اشراف قريش؟ قالا عتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة وابو البختري بن هشام وحكيم بن حزام ونوفل بن خويلد والحارث بن عامر بن نوفل وطعيمة بن عدي بن نوفل والنضر بن الحارث وزمعة بن الاسود وابو جهل بن هشام وامية بن خلف ونبيه ومنبه ابنا الحجاج وسهيل بن عمرو وعمرو بن عبد ود وهؤلاء اشر الناس عدواة لرسول الله (صلى الله عليه وسلم) وللمسلمين.
وانتهى التحقيق مع الرجلين فقال رسول الله (صلى الله عليه وسلم) لاصحابه هذه مكة قد القت اليكم افلاذ كبدها...
وللكلام بقية في حلقة جديدة ان شاء الله تعالى والحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه اجمعين.