مفهوم الفقر في الإسلام   عدد القراء : 800   .

د. عبدالهادي علي النجار
للفقر مفهوم نسبي, فالشيء الأقل يعدُّ فقيرًا بالنسبة للأكثر، وفي هذا يعكس الفقر التفاوت في الدخول، والتفاوت في حد ذاته يعترف الإسلام به كسنة كونية, إذ يرجع لاختلاف قدرات الأفراد, ومقدار ما يبذلونه من جهد، وعمل صالح وفي هذا يقول الله - تعالى -: (أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا وَرَحْمَةُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ) ويقول كذلك: (وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ الْأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آَتَاكُمْ).
وعلى هذا الأساس يعترف الإسلام بالتفاوت بين الأفراد في أرزاقهم، وفي نمط حياتهم، أو معيشتهم، وذلك نتيجة طبيعية لاختلافهم في مقدار ما يبذلون من جهد وعمل.
ومما يجدر ذكره في ذلك أن الهدف من هذا التفاوت هو التسخير والابتلاء. والتسخير هنا تسخير عمل ونظام وليس تسخير قهر وإذلال على حد تعبير الماوردي، فلكل فرد مواهب وقدرات تختلف في كمها وكيفها عما لدى الأفراد الآخرين, وكل إنسان مميز في صفة ما، ويمتاز عليه آخر في صفة أخرى، ومن ثم فإن كل فرد مسخر للآخر في الصفة التي امتاز بها، فالعالم يعود على الجاهل بعلمه، والغني يعود على الفقير بماله، والفقير يعود على الغني بجهده وعرقه.
وعلى ذلك، فإن لفظ (سخريًّا) لا يعني العمل المسخر الذي لا أجر له؛ لأن الإسلام لا يعترف بالسخرة، وإنما يعترف بالتعاون على أساس أن الجميع يحتاج بعضهم إلى بعض.
وفي هذا يقول الله - تعالى -: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ).
ومن ذلك نصل إلى أن الإسلام يقضي على إجحاف النظام الطبقي، وعلى التناقض الذي يمكن أن يتحقق بين الفئات والطبقات الاجتماعية المختلفة، التي تسود المجتمع، على أساس الاعتراف بالتفاوت من أجل التعاون، ومحاربة التناقضات التي يولدها النظام الطبقي.
وكما أنَّ للفقر مفهومًا نسبيًّا، فإن له مفهومًا مطلقًا، بمعنى عدم تمكن الفرد من إشباع حاجاته، ويعني الفقر في هذا الشأن عدم إمكان الفرد تحقيق حد الكفاية.
وهنا نستطيع التساؤل عن نوعية الحاجات غير المشبعة، هل هي الحاجات الضرورية والأساسية التي تحفظ للإنسان مجرد حياته في الدنيا، وهو ما يطلق عليه: حد الكفاف؟ أم هي الحاجات المعتادة التي تضمن للإنسان العيش المناسب في ظل الظروف الاجتماعية والاقتصادية السائدة، وهو ما يطلق عليه: حد الكفاف؟.
أبعاد مفهوم حد الكفاف والكفاية
لا تقتصر حاجات الإنسان في الإسلام على الطعام والشراب واللباس والمسكن، وهى التي تمثل الحاجات الأساسية(BASIC NEEDS) أو حد الكفاف؛ بل تتعداها إلى ما تستقيم به حياته، ويصلح به أمره، ويجعله يعيش في مستوى المعيشة السائد؛ أي حد الكفاية، فلكل فرد في المجتمع الإسلامي حاجات ضرورية تختلف باختلاف الزمان والمكان، فإذا لم تسعفه ظروفه الخاصة مثل المرض أو الشيخوخة أو التعطُّل عن العمل عن تحقيق المستوى المعيشي المناسب، فإن بيت مال المسلمين؛ أي خزانة الدولة، تتكفل بذلك أيًّا كانت جنسية، أو ديانة هذا الفرد.
وفي ذلك يقول الله - تعالى -:(إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ)، دون تحديد لديانة أو جنسية هؤلاء الفقراء أو المساكين؛ ويقول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيما رواه الشيخان البخاري ومسلم: (من ترك دينًا أو ضياعًا (أي أولادًا ضائعين لا مال لهم) فإليَّ وعليَّ)؛ أي أن من ترك ذرية ضعيفة فليأتني بصفتي الدولة، فأنا المسؤول عنه والكفيل به.
وتجدر الإشارة إلى أن حد الكفاية يختلف باختلاف ظروف المجتمعات من ناحية الزمان والمكان، بل إنه يختلف في المجتمع ذاته من فترة إلى أخرى. ويعتبر حد الكفاية بمثابة الحد الأدنى الذي تكفله الدولة للمواطن، ومن ثم فهو بمنزلة الضمان الاجتماعي لمن عجز عن أن يوفر لنفسه - بسبب خارج عن إرادته - المستوى المعيشي المناسب.
ولا يقتصر القول على وجوب قيام الدولة بتوفير حد الكفاية؛ بل إن ذلك يعتبر في نظر الإسلام من أسس الدين، وفي هذا يقول الله - تعالى -: (لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آَمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآَتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآَتَى الزَّكَاةَ).
كما يقول - تعالى -:(أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ * فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ * وَلا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ).
ومن محصلة ذلك يتضح لنا أن توفير حد الكفاية مطلب ضروري، وتعتبر الدولة مسؤولة عن ذلك سواء انفردت هي بعبء التمويل، أو اشتركت مع القادرين من أبناء المجتمع في ذلك.
وقد لخص عمر بن الخطاب ذلك بقوله:ما من أحد إلاَّ وله في هذا المال حق، الرجل وحاجته، الرجل وبلاؤه (أي عمله)؛ ثم في قوله:إني حريص على ألا أدع حاجة إلاَّ سددتها ما اتسع بعضنا لبعض، فإذا عجزنا آسينا في عيشنا حتى نستوي في الكفاف).
كيف ينشأ الفقر؟
ينظر الإسلام للموارد الاقتصادية نظرة شاملة في مواجهة البشر ككل، وفي هذا تكون الموارد كافية لإشباع حاجة الإنسان، والدليل على ذلك قوله - تعالى -: (اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْأَنْهَارَ * وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنِ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ * وَآَتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ) وعلى هذا الأساس فإن أي قصور في استغلال الموارد يعتبر سببًا رئيسيًّا في خلق مشكلة الفقر، كما أن سوء توزيع الدخل وعدم الإنفاق في سبيل الله، يعتبر سببًا ثانيًا في خلق تلك المشكلة. وقد عبر الله - سبحانه وتعالى - عن ذلك بقوله: (وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آَمَنُوا أَنُطْعِمُ مَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ). ومؤدى ذلك أن سلوك الإنسان ذاته، وفساد نظامه الاقتصادي، سواء من ناحية ضعف الإنتاج أو سوء التوزيع أو هما معًا، هو السبب الذي يكمن خلف مشكلة الفقر.
وقد عالج الإسلام هذا الموقف من ناحيتينِ:
الأولى: من ناحية الإنتاج: فدعا إلى التنمية الاقتصادية، واعتبر تعمير الأرض من أفضل ضروب العبادة، بل إن الإنتاج النافع واجب لا يكمل الواجب الديني إلا به، بشرط أن يكون هذا الناتج منسجمًا مع دائرة الحلال، وهو ما يسد منافذ الشهوات والسلوكيات الضارة التي تستنفد جانبًا من الموارد. وتعتبر التنمية الاقتصادية في هذا فرضًا على الفرد والدولة، ولهذا يأمرنا الله - تعالى - بالمشي في مناكب الأرض والانتشار فيها، أي ممارسة كافة العمليات الإنتاجية والحرفية، كما في قوله - تعالى -:(هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولاً فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ).
والثانية: من ناحية التوزيع: وهنا يكفل الإسلام عن طريق الزكاة حد الكفاية، أو حد الغنى لكل فرد، بمعنى أنه إذا عجز فرد عن أن يوفر لنفسه المستوى المناسب للمعيشة لسبب خارج عن إرادته، فإن نفقته تكون واجبة في بيت مال المسلمين؛ أي توجد في خزانة الدولة، وقد سبق أن أشرنا إلى ذلك.