| الدين عقيـدة والتديُّـن غريزة   عدد القراء : 1324   . الدينُ عقيدةٌ يؤمن بها الإنسانُ ويعتقد بأفكارِها عن الحياة وأحكامها فيكيف سلوكَهُ بحسبها، والتديُّن غريزةٌ مفطور عليها الإنسان بأن يتوجَّه إلى خالقهِ ومدبِّر أمره؛ قَالَ اللهُ تَعَالَى: }فِطْرَةَ اللهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ الله ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ{ أي فَطَرَ اللهُ الإنسانَ في أصل خلقهِ على الشعور بالعجزِ والاحتياج إلى خالقه وبارئه. هذا أصلٌ شرعي في فهم هذه القضيَّة . ما من الناحية الواقعيَّة، أي من النظرِ في الإنسان ودراسة فطرتهِ، فالباحثُ أو الناظر يجد أنَّ في الإنسانِ طاقةً حيويَّةً تدفعه للقيامِ بأعماله وتتطلَّبُ إشباعاً. وهذه الطاقةُ الحيويةُ ذات مظهرَين اثنين: أَحَدُهُمَا: يتطلَّبُ الإشباعَ الحتميَّ، وإذا لم تُشبع يموتُ الإنسان، وهذه هي الحاجاتُ العضويَّة، كالأكلِ والشُّرب وقضاء الحاجة؛ وَالثَّانِيَةُ: تتطلبُ الإشباعَ، ولكن إذا لم تشبع لا يموتُ الإنسان، وإنما يكونُ قَلِقاً حتى يُشبعَها وهذه هي الغرائزُ. وعملُها يكون بشعورٍ طبيعي يندفعُ متطلِّباً الإشباعَ. والغرائزُ ليست كالحاجات العضويةِ من حيث الدافعُ، بل تختلف عنها. لأن الحاجاتِ العضوية دافعُها داخلي. أما الغرائزُ فإن الذي يدفَعَها أو يظهر الشعورَ بتطلُّبِ الإشباع لها هو أحد اثنين أو كلاهما: الأفكارُ التي تتداعَى عن الشيء في الذهن بما يثيرُ المشاعرَ، أو وجود واقعٌ محسوس يثيرُ المشاعرَ للإشباع. مثال على ذلك: أن غريزةَ النوع يثيرُها التفكير بفتاةٍ جميلة، أو بما يتعلقُ بالجنسِ أو برؤية فتاةٍ جميلة أو أيِّ شيء يتعلقُ بالجنسِ. وإذا لم يحصل ذلك لا يحصلُ ما يثير الغريزةَ. وغريزةَ التديُّن يثيرها التفكيرُ بآياتِ الله، أو في يومِ القيامة، أو ما يتعلَّقُ بذلك، أو النظرةُ إلى بديعِ صُنع الله مما في السَّموات والأرضِ، أو ما يتعلقُ بذلك. قال الشاعر: حَتَّى أُرِيكَ بَدِيعَ صُنْعِ البَارِي تِلْكَ الطَّبيعَةُ قِفْ بنَا يَا سَارِي ومن هنا نجدُ الغريزةَ ظاهرةً آثارُها عند حصولِ ما يثيرُها، ولا ترَى هذه الآثارُ في حالة عدمِ وجود ما يثيرُها، أو في حالةِ تحويل ما يثيرُها عن الإثارةِ بتفسيره تفسيرات مغالطةٍ تفقدهُ لدى مفهومِ الشخص صفتَهُ الأصليَّة التي تثيرُ الغريزةَ. ويُعرف من واقعِ الإنسان وإدراك حقيقة ماهيَّته بالفطرة، أنه متديِّنٌ بطبعهِ ويعتقد بدينٍ حالَ تفكُّره؛ فالدينُ هو العقيدة التي يؤمِنُ بها الإنسان؛ فهو ما يجولُ في ذهنه من فكرٍ بحسب الشريعة التي آمَن بها والمنهاج اللازم لها بضرورتها التشريعية، وهو غيرُ التديُّن عنده؛ لأن التدينَ أثرٌ لأحدِ أمرين: إيمانه الناتج من الفكر والاعتقاد بالشريعة والمنهاج، أو أثرٌ لحركة الوجدانِ الشعوري بالعجز والاحتياجِ إلى ربٍّ يعبدهُ، أو كلاهما معاً. والسببُ في ذلك فضلاً عما تقدم أن التديُّنَ غريزةٌ طبيعيةٌ ثابتةٌ، إذ هو الشُّعُورُ بالْحَاجَةِ إِلَى الْخَالِقِ الْمُدَبِّرِ بغَضِّ النظرِ عن تفسيرِ هذا الخالق المدبِّر. وهذا الشعورُ فطريٌّ يكون في الإنسانِ من حيث هو إنسانٌ، سواءٌ أكان مؤمناً بوجودِ الخالق، أو كافراً به، مؤمناً بالمادةِ أو الطبيعة. ووجودُ هذا الشعورِ في الإنسان حتميٌّ لأنه يُخْلَقُ معه جزءً من تكوينهِ ولا يمكنُ أن يخلو منه أو ينفصل عنه، وهذا هو التديُّن. والمظهرُ الذي يَظْهَرُ به هذا التدين هو التقديسُ لِمَا يعتقدُ أنه هو الخالق المدبِّر، أو الذي يتصورُ أنه قد حلَّ به الخالق المدبِّر. وقد يظهرُ التقديس بمظهره الحقيقي فيكون عبادةً، وقد يظهرُ بأقلِّ صُوَرِهِ فيكون التعظيم والتبجيل. وَالتَّقْدِيْسُ هُوَ مُنْتَهَى الاِحْتِرَامِ الْقَلْبِيِّ، وهو ليس ناتجاً عن الخوفِ بل ناتج عن التديُّن، لأن الخوفَ ليس مظهرهُ التقديس، بل مظهره الْمَلَقُ، أو الهروبُ، أو الدفاع، وذلك يناقضُ حقيقةَ التقديسِ. فالتقديسُ مظهرٌ للتديُّن لا للخوفِ، فيكون التدينُ غريزةً مستقلَّة غير غريزةِ البقاء التي من مظاهرها الخوفُ، ولذلك نجدُ الإنسان متديِّناً بطبعهِ. ومنذ أن أوجدَهُ اللهُ على الأرض نجده يعبدُ شيئاً. فقد عَبَدَ الشمسَ، والكواكب، والنارَ، والأصنام، وعَبَدَ اللهَ، ولا نجدُ عصراً، ولا أُمة، ولا شَعباً، إِلاّ وهو يعبدُ شيئاً، حتى الشعوبُ التي قامَ فيها السلطانُ بالقوَّة يُجبرُها على تركِ التديُّن، كانت متديِّنةً تعبدُ شيئاً، رغمَ القوَّة التي تتسلَّطُ عليها، وتتحمَّلُ كل الأذَى في سبيلِ أداء عبادتِها. ولن تستطيع قوَّةٌ أن تَنْزَعَ من الإنسانِ التدينَ، وتزيلَ منه تقديسَ الخالق، وتمنعه من العبادةِ، وإنما تستطيعُ أن تَكْبُتَ ذلك إلى زمنٍ، لأن الْعِبَادَةَ مظهرٌ طبيعي من مظاهر التديُّن الذي هو غريزةٌ طبيعية في الإنسانِ. أما ما يظهرُ على بعضِ الملحدين من عدمِ العبادة، أو من الاستهزاء بالعبادةِ، فإن هؤلاء قد صُرفت غريزة التديُّن عندَهم عن عبادةِ الله إلى عبادة المخلوقات، وجعل مظهرها في تقديسِ الطبيعة أو الأبطال أو الأشياء الضخمة أو ما شاكلَ ذلك، واستعملت لهذا الصَّرف المغالطاتُ والتفسيرات الخاطئة للأشياءِ. وَمِنْ هُنَا كَانَ الْكُفْرُ أَصْعَبَ من الإيمانِ لأنهُ صَرْفٌ للإنسانِ عن فطرته، وتحويل لها عن مظاهرِها الحقيقيَّة. فيحتاجُ ذلك إلى جُهدٍ كبير. وما أصعبَ أن ينصرفَ الإنسانُ عن مقتضَى طبيعته وفطرتهِ ! ولذلك تجدُ الملحدينَ حين ينكشفُ لهم الحقُّ، ويبدو لهم وجودُ الله حسّاً فيدركون وجودَهُ بالعقلِ إدراكاً جازماً، تجدهم يُسرِعونَ إلى الإيمان ويشعرون بالراحةِ والإطمئنان، ويزولُ عنهم كابوسٌ كان يُثقِلُهم، ويكون إيمانُ أمثال هؤلاءِ راسخاً قوياً لأنه جاءَ عن حسٍّ ويقين، لأن عقلَهم ارتبطَ بوجدانِهم، فأدركوا إدرَاكاً يقينيّاً وجودَ الله، وشعَروا شعوراً يقينياً بوجودهِ، فالتقت فطرتُهم بعقلِهم فكانت قوةُ الإيمان. والتديُّن شعورٌ داخلي يحتاجُ الإشباعَ، وإذا لم يشبعه الإنسانُ يشعر بالقلقِ، فلا تجده يسعَدُ في شيء أو يهنَأُ حقيقةً، وإنما هو يشاغِلُ نفسه بأعمالٍ وأفكار وتُرَّهاتِ الأمورِ، قَالَ اللهُ تَعَالَى: }وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلا مِمَّنْ دَعَا إِلَى الله وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنْ الْمُسْلِمِينَ. ) |