| في رحاب القيادة الربانية تحقيق المساواة   عدد القراء : 2039   . ان العمل على تحقيق المساواة بين الرعية مطلب شرعي وواجب ديني على كل من يتقلد الولاية او الامارة ، والاسلام اذ يؤكد هذا الحق فأنه يضع اصولا وضوابط لتحقيق هذه المساواة ومنها: 1. المساواة تقوم على اصول مهمة منها:- - وحدة الخلق والمنشأ: اكدت النصوص الشرعية على ان اصل البشر جميعا واحد فقد خلقهم الله من نفس واحدة يقول الله تعالى(يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ )(النساء: من الآية1) وان مادة خلقهم واحدة وهي التراب (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ منَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ)(الحج: من الآية5). وهذا اصل الجميع بما في ذلك الرسل والانبياء عليهم السلام (إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ)(آل عمران:59) ويقول عليه الصلاة والسلام ( الناس ولد أدم وادم من تراب) صحيح الجامع 6798. فالناس متساوون في اصل الخلق والتكوين فليس ثمة مايبرر ان يتعالى بعضهم على بعض بالجنس او الاصل وان اختلفوا الى الاجناس وألالوان. - الوحدة في غاية الخلق والايجاد: لقد بين الله سبحانه وتعالى الغاية من خلق البشر والوظيفة التي وجدوا من اجلها بقوله تعالى(وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالأِنْسَ إِلا لِيَعبُدُونِ) (الذريات:56) وهذا مدعاة للمساواة اذ ان الله تعالى خاطب الناس جميعابتكليف واحد. وهذا التكليف يقتضي الاقرار باله واحد لا شريك له (وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لا إِلَهَ إِلا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ) (البقرة:163) . واذا كان الناس متساوين في هذا التكليف فانهم يتفاوتون في مدى استجابتهم وقيامهم بأعباء هذا التكليف وهو ميزان التفاضل والتمايز عند الله تعالى يقول الله تعالى(يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ) (الحجرات:13). ويقول عليه الصلاة والسلام (الناس متساوون كأسنان المشط ، ليس لاحد على احد فضل الا بتقوى الله) ويقول عليه الصلاة والسلام( ومن ابطأ به عمله لم يسرع به نسبه)رواه مسلم فتقرير المساواة في الخلق والتكوين والتكليف هو الاساس الذي يقوم عليه مبدأالمساواة في الاسلام. - التآلف والاخوةطريق المساواة: لقد اكد الله سبحانه وتعالى في الايات السابقة ان الاختلاف في الاجناس والالوان والالسنة مدعاة للتعارف والتآلف، كما ان الارتباط بوحدة التكليف والعبودية مدعاة للتآخي والتعاون والتناصر يقول الله تعالى(إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ)(الحجرات: من الآية10)ويقول عز وجل(فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ )(التوبة: من الآية11) وبهذه الاخوة تقررت المساواة وبها اقتضى التناصر والتحابب يقول عز وجل(وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً)(آل عمران: من الآية103) كما اكد سبحانه وتعالى على ان هذه الرابطة هي اعظم الروابط يوم القيامة اذ تتقطع الروابط مهما كانت قوية في الدنيا كرابطة الرحم والنسب والزواج (يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ ،وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ ، وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ ، لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ) (عبس:34 -37) كلها تتقطع الا رابطة الاخوة الايمانية المبنية على التقوى (الاخِلاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلا الْمُتَّقِينَ) (الزخرف:67) . 2. المساواة امام الشرع. - من دعائم تحقيق المساواة بين الرعية هو خضوع الامة جميعا للتشريع الرباني فليس لاحد مهما علت منزلته وبلغت مكانته ان يعلو فوق شرع الله ولو كان الخليفة او الوالي نفسه فالناس كما يقول الامام الماوردي (امام شرع الله متساوون لا امتياز لاحد على احد ) والاسلام حينما انتزع سلطة التشريع من يد البشر انما وضع ارسخ قاعدة لكفالة حق البشر في المساواة امام احكامه وتشريعاته. وهذا الامر ليس قضية نظرية او فكرة او شعاراً يستخدم لاغراض الدعاية وانما هو حقيقة تجسدت في المجتمع الاسلامي وفي مقدمة من طبقها الرسول صلى الله عليه وسلم حينما نزل قول الله تعالى” وانذر عشيرتك الاقربين” وقف النبي صلى الله عليه وسلم على جبل الصفا وجعل ينادي عشيرته بطنا بطنا وكان يقول لكل بطن (انقذوا انفسكم من النار لا اغني عنكم شيئا) ثم قال: يافاطمة انقذي نفسك من النار فاني لا املك لكم من الله شيئا وهكذا نادى عمه العباس وعمته صفية. - وفي غزوة الفتح سرقت امراة من بني مخزوم ففزع قومها الى اسامة بن زيد رضي الله عنهما يستشفعونه، فلما كلمه اسامة فيها تلون وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال:( يااسامة اتشفع في حد من حدود الله، فلما كان العشي قام رسول الله صلى الله عليه وسلم خطيبا فأثنى على الله بما هو اهله ثم قال: اما بعد فانما اهلك الناس قبلكم: انهم كانوا اذا سرق فيهم الشريف تركوه واذا سرق فيهم الضعيف اقاموا عليه الحد، والذي نفس محمد بيده لو ان فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها) متفق عليه. 3. المساواة امام القضاء: - سلطة القضاء ربانية معتمدة على التشريع الالهي واذا كان الناس امام التشريع سواء فهم امام تنفيذه وتطبيقه سواء لا فرق بينهم بسبب الاصل والجنس او اللون، كما ان القائد لا يحق له ان يتدخل في شؤون القاضي الا بقدر ما يدعم عمله في تحقيق العدل، كما انه ليس هناك فرد في المجتمع لا تطوله يد القضاء وان كان الخليفة نفسه وهذه ابرز الصفات التي تميز بها القضاء عما سواه، ولاهمية القضاء وخطورته واثره في سياسة الدولة وضرورة المساواة فيه نجد النبي صلى الله عليه وسلم تولاه بنفسه ففض النزاعات في المدينة وفصل في الخصومات وكان عليه الصلاة والسلام فيه مطبقا حكم الله على الكافة بشكل متساوٍ ومع جميع اهل المدينة من مسلمين واهل كتاب وهذا ما اقره في الصحيفة الدستور بقوله( ما كان بين اهل هذه الصحيفة من حديث او شجار يخاف فساده فان مرده الى الله عز وجل والى محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم وان الله على اتقى ما في هذه الصحيفة وابره) السيرة النبوية للصلابي 1/ 568. وفي رسالة امير المؤمنين عمر رضي الله عنه الى قاضيه ابي موسى الاشعري أكد على المساواة بين الخصوم امام القضاء بقوله: آسي بين الناس بوجهك ومجلسك وقضائك حتى لا يطمع شريف في حيفك ولا ييأس ضعيف من عدلك. وحينما احتكم اليه رجل من مصر ضربه ابن والي مصر، استدعى عمر والي مصر وابنه ثم طلب من الرجل المصري ان يضرب ابن والي مصر فضربه ثم قال عمر مقولته الشهيرة :متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم امهاتهم احرارا. وخاصم يهودي علي بن ابي طالب رضي الله عنه فحضر الى مجلس القضاء فقال عمر لعلي: قف ياابا الحسن(اي بجوار خصمك) فغضب علي فقال عمر: اكرهت ان نسوي بينك وبين خصمك في مجلس القضاء فقال: لا ولكني كرهت منك ان عظمتني في الخطاب وناديتني بكنيتي . والشواهد على ذلك كثيرة. 4. المساواة في تحمل الاعباء: - القاعدة الاسلامية لابناء المجتمع كل من له حق فان عليه واجبا يؤديه وهنا شرعت بعض الواجبات التي تؤدي الى التكافل الاجتماعي والى حفظ الامة ولذا فهي تنقسم الى قسمين: 1. واجبات مالية: وتتجلى المساواة فيها، ان الاسلام جعل الحق في عين المال وفي مقدمة ذلك الزكاة فالكل سواسية في اداء هذه الفريضة فهي فرض عين واجب على الحكومة متابعته وتحقيقه ولا يعفى من هذا الحق صغير ولا كبير ولا رجل ولا امراة اذا توفرت الشروط والاسباب وانتفت الموانع. 2. واجبات بدنية: وتتجلى في الجهاد في سبيل الله يقول الله تعالى(انْفِرُوا خِفَافاً وَثِقَالاً وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ)(التوبة:41)اي اخروجوا شبابا وشيوخا فقراء واغنياء، ركبانا ومشاة واذا كان الفقهاء قد قرروا ان الجهاد فرض كفاية اذا قام به البعض سقط الاثم عن الباقين وهذا يسمى (جهاد الطلب) واما اذا غُزِيَ المسلمون في عقر دارهم اصبح الجهاد فرض عين وسمي(جهاد الدفع) وهنا لا يعذر احد في التخلي عن الخروج للجهاد وفي مقدمتهم القادة والامراء ولذا نجد النبي صلى الله عليه وسلم كان يقود الغزوات بنفسه مثلما كان يقدم اقرباءه في النزال فقد قدم يوم بدر للمبارزة عمه حمزة وابني عمه علي وعبيدة رضي الله عنهم. هكذا نجد حرص القيادة الربانية على تحقيق المساواة بين الرعية وليس هذا من باب الفضل وانما واجب على القيادة اداؤه حتى تنجو بنفسها من المساءلة الربانية. وقد تعترض بعض الشبهات التي اراد البعض ان يؤاخذ الشريعة الاسلامية فيها ويدعي انها لم تحقق المساواة معهم الا وهم اهل الكتاب وهذا ما سنبينه في حلقة لاحقة ان شاء الله تعالى. |