المحافظون الجدد ويوتوبيا العراق الجديد... إلى اين؟!   عدد القراء : 1545   .

كان من المأمول به انه بعد احتلال العراق تنبت غلة الفواكه التي حاول زرعها بول ولفيتز قبل اكثر من ربع قرن مضى ، فمنذ ان كان في سرايا البنتاغون كان يبحث في كيفية احتلال العراق منذ عام 1975ولغاية 1979 ، بيد ان الثورة الاسلامية في ايران غيرت كل الموازين واوقفت الرياح الولفتزية بمالا تشتهي سفن المحافظين الجدد.
لكن يبدو ان ولفيتز عاد من جديد مع رامسفليد وبادارة بوش الابن للعودة الى يوتوبيا جديدة للعراق عسى ان تنفع في اعادة اعتبار الذات الولفيتزية من جديد، لكن يبدو ان مشروع الاحتلال الامريكي للعراق والتغير في الشرق الاوسط لم ينجح فيه الامريكان لحد الان وذلك لوجود رفض شعبي عراقي لمشاريع تفرض بصيغة احتلال دولة وتكون ارضهم ساحة لتصفية الحسابات الدولية مع امريكا وعدم وجود ملامح للعمل الجاد في مشروع الشرق الاوسط الكبير وما كانت سواعد الايدي العراقية الا ان ترفع يدها وتحمل لافتات لاللاحتلال لاللتغير الكلي والجذري والذي جاء بمشروع الاحتلال والذي جعل الولايات المتحدة في موقف لاتحسد عليه الا وهو المازق الامريكي في الوحل العراقي والذي طالما حلم به الروس بعد ان ادخلتهم الولايات المتحدة في السابق في الوحل الافغاني ناهيك عن مشاعر الصين والالمان واليابان وكل القوى الدولية والتي نراها تناغمت مع امريكا في الحرب على الارهاب ظاهراً ولكن في ما وراء الكواليس لانعلم لماذا كانت هذه الدول سباقة في دعم امريكا في هذه الحرب هل هي تعشق امريكا لكي تضحي من اجل امريكا أم هل تريد ان تضحك على امريكا في مأزقها العالمي وكما هو الحال في العراق.
ورغم الرغبة الامريكية في السيطرة على العراق بكل الوسائل لكنها فشلت بذلك فنلاحظ ان الخطاب السياسي الامريكي  في الامس كان يصف الحركات المسلحة بالارهابيين ومن ثم تحول الخطاب السياسي الامريكي الى الاعتراف بحجم العمليات العسكرية ضد قواته حتى بدأ يعلن انهم ليسوا بمتمردين بعد ان خاض معهم معارك وجها لوجه ومن ثم تحولت كلمة الارهاب الى كلمة متمردين ضد الاحتلال الامريكي وفجأة نجد ان الخطاب تحول الى ان يسمي حركات التمرد بالجماعات المسلحة وانه على اتصال مع من يريد ان يدخل للعملية السياسية حتى ان الحكومة العراقية ايدت هذا الخبر والتسميات وفجأة نجد ان الامريكيين بدأوا يتحدثون عن انسحاب في منتصف العام المقبل رابطين ذلك بتطور العملية السياسية واكتمال القوات العسكرية العراقية وانها قادرة على حماية السيادة العراقية ثم ان الرئيس الامريكي بدأ يلتقط انفاسه الاخيرة قبل مدة بعدم رضاه عن أعطاء موعد زمني لاجلاء القوات الامريكية من العراق لكننا نجد ان وزير الدفاع الامريكي بعد لقائه برئيس الوزراء العراقي الدكتور ابراهيم الجعفري صرح انه ستنسحب القوات الامريكية في ربيع العام القادم حتى ان السيد جلال الطالباني لم يعارض ذلك كما جاء في مؤتمر صحفي حول ذلك.
ولكن هل تسالنا عن مصداقية الموعد الامريكي للانسحاب والذي لابد ان نسمعه من الرئيس بوش حرفيا حتى ترتجي مسامعنا واعيننا املا في ان نرى العراقيين مستقلين وتكون قوات الاحتلال خارج الاراضي العراقية ويكون الجيش العراقي هو الحامي للحدود العراقية ، نعم انه الامل والتامل في مستقبل ات لانعلم متى يتحقق ذلك وكلنا امل في الله سبحانه وتعالى والايدي العراقية الوطنية وكما في قوله تعالى (وماتوعدون لآتٍ ) والتي دائما يذكرنا بها شيخنا العزيز في كل خطبة جمعة تجعلنا نبتعد عن الرؤية المتشائمة للعراق المقبل حتى ان هذه المقولة الربانية جعلت سمة الصبر للذات العراقية تصل الى حد المصابرة وهي اسمى درجات الصبر على مايحدث في العراق.
نعم ان السواعد العراقية التي شمرت بايديها هي التي صنعت هذا الامل وتصنع وتسطر ذلك كل يوم وان الشعب العراقي قال وسيقول ان المشروع العراقي النهضوي هو الذي سيسود وليس كما يهرطق البعض بان المشروع الامريكي قد نجح وقد حقق للعراقيين الديمقراطية البهية والحرية التي كنا نامل انها احسن من ذلك.
 لذلك على القوى السياسية العراقية ان تلعب دوراً فاعلاً في صياغة المشروع العراقي الحضاري ليكون دولة عراقية تجتمع فيها روح المواطنة العراقية قبل ان تسمو هويتنا الفرعية التي سمت قبل مدة وبعد احتلال العراق حتى ان كاتباً صحفياً كتب مقالة ادبية اسماها (عٌراق) بالضمة وليس عِراق بالكسرة افتخارا بعراقيته العزيزة مع اعتزازنا بهوية العراق الحضارية والاسلامية العربية ومع اعتزازنا بالقوميات المكونة للشعب العراقي فالعربية والكردية والتركمانية واليزيدية والاشورية والصابئة، ناهيك عن باقات الورد التي يتزين بها من مذاهب واديان.
نعم ان الوطنية العراقية سوف تنهي احلام المحافظين الجدد وان كانوا جادين في المشاركة معنا في علاقات توافقية قائمة على التكافؤ والتعاون بين البلدين واحترام مصالح الطرفين فسوف نفكر في ذلك ان كانت بها فائدة للمصلحة العامة وان كانت ضرارا على الصالح العام فليست هي خيارنا كعراقيين.
ولذلك على الولايات المتحدة ان تنسى وينسى المحافظون الجدد ان العراق لابد ان يكون قاعدة للتغيير في الشرق الاوسط فهنالك ابواق كثيرة تستطيع من خلالها تغير المنطقة فالعراق كان مصدة للتغير العاصف واللاعقلاني وان تعلم الولايات المتحدة ان العراق ليس سوقاً لبيع النفط فالعراق قادر وبارادة الشعب العراقي وبمساعدة الشركات العراقية العامة والخاصة على اعادة بناء العراق من جديد ولانحتاج لشركات تريد ارهاق العراق بديون لا تحتمل عليه ونعلم من هم أصحاب هذه الشركات وفي مقدمتهم المحافظون الجدد وصقور الادارة الامريكية كما جاءت الشركات التي عملت في العراق وقد خربت ولم تعمر أي شيء والدليل ميناء ام قصر الذي سلمته خاوي الادوات والذي تسلّمه اهل المنطقة وبادارة عراقية للميناء قبل عدة اشهر.
نعم ان المحافظين الجدد اعترفوا باخطائهم الاستراتجية لكنهم لم يعدلوا عن امالهم لحد الان فهم مستمرون في مغامراتهم التي قد تؤول بهم الى السقوط في عالم انحدار القوى العظمى فتكون شيئاً من الماضي مثلما كانت حليفتها الامبراطورية البريطانية سابقا والتي ارادت اعادة احلام الماضي بارساء قواتها في مدينة كانت تحت السيادة البريطانية يوما ما.
فالايام القادمة ستثبت للعالم وللمحافظين الجدد ان العراق والمواطنة العراقية ستكون رمزاً لكل فرد يعمل من اجلها لانه انتسب اليها طواعية وهي الحل لكل مشاكله التي يعاني منها وينزف دماً من اجلها فهاهو عراق الرافدين يؤهل الذات من جديد ليطوي صفحة الماضي ويأمل بمستقبل زاهر مستقل لاتوجد فيه قوات احتلال او شيء من هذا القبيل كما نراه في شوارعنا واحيائنا السكنية وعلى المحافظين الجدد الذين وطأوا ارض العراق ان يعودوا من حيث أتوا لان العراق بلد العراقيين ولسنا نحن من سنكون محطة العبور للتغيير في الشرق الاوسط الكبير وذلك لطبائعنا العشائرية وموروثنا التاريخي وقيمنا وديننا الاسلامي الحنيف  الذي لايسمح لنا بذلك مهما كان الثمن نعم انه العراق يامحافظيهم الجدد بلد الانبياء و الاولياء بلد الحضارات بلد المستقبل الزاهر للعراقيين اجمعين.
اثارت زيارة الجعفري الى ايران قبل اسبوع الكثير من التساؤلات.. ليس لان الزيارة بالغة الاهمية ولا لان الزائر يستحق كل هذا الاهتمام.. ولكن لان الظرف الذي تمت فيه كان عصيباً على الجميع بمن فيه اهل المأزق انفسهم!.. مما دفع الناس العاديين والمراقبين واهل السياسة الهواة والمخضرمين منهم على حد سواء.. الى الانشغال باكثر من تفسير.. التفسيرالاول، تفسير تقليدي؛ ان الرجل تابع موظف بدرجة مسؤول حكومي لا اكثر ولا اقل، هو لا يتمتع باية سلطة او صلاحية او باية ارادة سياسية (وطنية)وغير وطنية ولا باية اجندة سياسية تنفيذية حقيقية.. ولهذا فان غيابه عن شؤون وشجون لهيب النار اليومي هو من قبيل تحصيل الحاصل اذ ان عصابات الاحتلال وادواتها هي التي تتولى ادارة هذا اللهيب.. وهكذا فان (سفرات) هذا الرجل غرضها التسويق المشهدي لخدعة (الدولة المنتخبة) وحملة علاقات عامة ثقيلة الظل لحكاية (السيادة) الطريفة اياها.. وسبق للصحف التركية وحتى الكويتية ان سخرت من جداول الاعمال المصطنعة لزيارات الرجل!. والتفسير الثاني لرحلة طهران العجائبية هذه، ان عصابة بوش قد قررت كما يبدو، حسم ترددها واللجوء الى الطلب الصريح للعون الايراني الذي تظن انه يمكن ان يفتح مخرجاً مؤقتاً ما من مأزقها الخانق.. فكان ان طلب من تابعها (المتعقل) جداً ان يذهب الى طهران ويستثمر حظوته هناك كأحد الابناء المدللين القدامى.. ليطلب العون هذا رسمياً نيابة عن الاحتلال.. ولو بشروط معينة وضوابط متفق عليها لانجاح الصفقة.. وما وراء الصفقة! اما التفسير الثالث؛ فان جماعة الجعفري تريد ان تلعب بذيلها كما يقال في لغة الدسائس وان تشتغل لحسابها في لغة اهل (الكار).. وذلك بان توهم الاحتلال انها تخدمه وتلبي طلباته من جهة.. وتحاول ان تنسق في العمق مع الاعمام والاخوال مباشرة بحيث تضع الاستقواء بحكام ايران كخيار للخروج من مأزقها هي، موضع التطبيق من جهة اخرى.. لاسيما بعد فشل الخطط الامنية (الضبعية) فشلا ذريعاً.. وبعد تزايد الدلائل على حاجة واشنطن وحتى لندن الى احتمال الاستعانة بما يسمى (البديل) القوي لتوفير حد معقول من استقرار العراق تمهيداً للانسحاب العاجل المشرف الذي يمنون النفس به. والحق يقال.. ان التفسيرات هذه كلها، سوية او كل على حدة، تصلح لان تكون تفسيرات ملائمة وصحيحة.. ذلك لان اطراف المأزق كلها واقعة تحت ضغط استثنائي بالفعل.. فالاحتلال يلجأ كل يوم الى مخرج جديد على انقاض مخرج فاشل سابق.. الاتباع يكابدون من شعورهم بقرب ضياع الفرصة السانحة التي راهنوا عليها الى حد تأدية الصلاة الى الشيطان نفسه. والمستشارون الصهاينة من ظرفهم سواء في واشنطن او في بغداد، يحاولون اسعاف المأزقين الآن، مأزق الاحتلال ومأزق الاتباع، بما تبقى لديهم من افكار وخيارات وسيناريوهات احتياطية.. يبقى ان القول الفصل في النهاية سيكون للمقاومة البطلة، اللاعب الحاسم في الحدث والصراع وفي بغداد المجاهدة الحرة.. وليس في واشنطن المتأزمة والمأزومة وليس في لندن الجريمة في عقر دارها وليس في طهران التي لم تتعب من عقليتها المسمومة الضيقة.. ولم تتعلم من دروس الجار العراقي (الجذاب) اول الأمر.. والعصي المميت في النهاية، لو يعلمون..