الترهيب من مَنْع الزكاة   عدد القراء : 675   .



الشيخ حسين شعبان محمد وهدان
حذَّرَ الشَّرع الاسلامي وبَالَغَ في التَّحذير من مَنْع الزَّكاة؛ بل وَصَف مانِعيها بالخُرُوج منَ الإسلام، وذلك بِنَصِّ القرآن الكريم، والسُّنَّة المُطَهَّرَة؛ قال الله - تعالى -:(وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ * الَّذِينَ لَا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ بِالْآَخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ)، فحَصَرَهم بين الشِّرْك أوِ الكُفر......
وعن أبي ذَر - رضي الله عنه - قال: جئتُ إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو جالسٌ في ظِلِّ الكعبة، فَرَآني مُقبلاً، فقال: ((همُ الأخسرون، ورب الكعبة يوم القيامة))، قال: فقلتُ: ما لي؛ لعلَّه أُنْزِل فيَّ شيءٌ، قال: فقلتُ: مَن هم فداك أبي وأمي؟ فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم:((هم الأكثرون؛ إلاَّ مَن قال: هكذا، وهكذا، فحثا بين يَدَيْه، وعن يمينه، وعَن شِمَالِه، ثم قال: والذي نفسي بِيَدِه، لا يموت رجل فَيَدَع إِبِلاً، أو بَقَرًا، لم يُؤَدِّ زكاتها إلاَّ   جاءَتْهُ يوم القيامة أعظم ما كانت وأسمنه، تَطَؤُه بِأَخْفافِها، وتنطحه بِقُرُونها، كلَّما نَفِدَتْ   أُخْراها عادَتْ عليه أُولاَهَا، حتى يُقْضَى بين الناس))؛ التِّرمذي، أبواب الزكاة (612)، وقال: حديث حسن صحيح.
هذا طَرَفٌ من عذاب مانعي الزَّكاة، يُبَيِّنُ بعضًا مِن عقوبة منع زكاة الأنعام، وفي تحذير نبويٍّ آخر يقرع النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - الأسماعَ، فيما يَرْوِيه   أبو هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم : ((ما مِن صاحب ذَهَبٍ، ولا فِضة، لا يُؤَدِّي زكاتها، إلاَّ كانتْ يوم القيامة صُفِّحَتْ له صفائح من نار، فأُحْمِيَ عليها في نار جهنم، فَيُكْوَى بها جَنْبه، وجَبِينه، وظَهْره، كلَّما بَرَدَتْ أُعِيدَتْ له، في يومٍ كان مقدارُهُ خمسينَ ألف سنة، حتى يُقْضَى بين العباد، فيُرى سبيلُه؛ إمَّا إلى الجنة، وإما إلى النار))؛ صحيح مسلم، باب إثم مانع الزكاة.
ومِصْداق ذلك مِن كتاب الله قوله - تعالى -:(وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ * يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ)(التوبة: 34، 35)، قال ابن مسعود - رضي الله عنه -:(لا يُوضع دينار على دينار، ولا درهم على درهم، ولكن يوسَّع جلده، حتى يوضع كل دينار ودرهم على حدته).
فإن قيل: لِمَ خصَّ الجِبَاه، والجُنُوب، والظُّهور بالكَيِّ؟ قيل: لأنَّ الغنيَّ   البخيلَ إذا رأى الفقير عَبَس وجهه، وزوى ما بين عينيه، وأعرض بجبينه، فإذا قرب منه وَلَّى  بظهره، فعُوقِبَ بكلِّ هذه الأعضاء؛ ليكونَ الجزاء من جِنْس العمل؛ (الكبائر) للإمام الذَّهَبي (ص 41)، ط1، دار الحديث، 2004م، القاهرة.
وعن عبدالله بن مسعود - رضي الله عنه - عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: ((ما من أحدٍ لا يُؤَدِّي زكاة ماله، إلاَّ مثِّل له  يوم القيامة شجاعًا أَقْرَعَ، حتى يُطَوِّقَ عنقَه، ثمَّ قرأ علينا رسول الله - صلى الله عليه   وسلم - مِصْدَاقه من كتاب الله - تعالى -: (وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ) (آل عمران: 180)؛ سنن ابن ماجَه، كتاب الزكاة.
وكثيرًا ما حَذَّر النبي صلى الله عليه وسلم من خُطُورة منع الزكاة، وذلك للآثار المدمِّرة للدِّين والدنيا، فعن عبدالله بن عمر رضي الله عنه قال: أقبل علينا رسول الله  صلى الله عليه وسلَّم فقال: ((يا معشر المهاجرين؛ خمس خصال، إذا ابْتُلِيتُمْ بهنَّ - وأعوذ بالله أن تدركوهنَّ -: لم تظهر الفاحشة في قوم قط، حتى يعلنوا بها؛ إلاَّ فشا فيهم الطاعون، والأوجاع التى لم تَكُنْ مَضَتْ في أسلافهم الذين مضوا، ولم ينقصوا المكيال والميزان؛ إلاَّ أُخِذُوا بالسِّنينَ، وشِدَّة   المؤنة، وجَوْر السلطان عليهم، ولم يمنعوا زكاة أموالهم إلاَّ مُنِعُوا القَطْر منَ السماء، ولولا البهائم لم يُمطروا، ولم ينقضوا عهد الله، وعهد رسوله؛ إلاَّ سلَّطَ الله عليهم عدوًّا من غيرهم، فأخذوا بعض ما في أيديهم، وما لم تحكم أئمتهم بكتاب الله - تعالى - ويَتَخَيَّرُوا ممَّا أنزل؛ إلاَّ جعل الله بَأْسهم بينهم))؛ أخرجه المُنذري في(الترغيب والترهيب) (3/ 29)، بِسَند صحيح، أو حسن، أو ما يقاربهما.
وعلى هذا الفَهم مَضَى أصحابُه الكرام من بعده، فعنِ الأحنف بن قيس، قال: جئتُ إلى ملأٍ من قريش، فجاء رجل خشن الشَّعر، والثياب، والهيئة، حتى قام عليهم، فسلَّم، ثم قال: بَشِّرِ الكانزين بِرَضْفٍ يُحْمَى عليها من نار جهنم، ثم يُوضَع على حَلَمَةِ ثَدْي أَحَدِهم، حتى يخرجَ مِن نُغْضِ كَتِفِه، ويوضَعُ على نُغْضِ كتفِه، حتى يخرجَ من حلمة ثَدْيه، يَتَزَلْزَلُ، ثمَّ ولَّى، فجلس إلى ساريةٍ وتَبِعْتُه، وجلستُ إليه، وأنا لا أدري، مَن هو؟ فقلتُ: لا أرى القوم إلاَّ قد كَرِهُوا الذي قلتَ، قال: إنهم لا يعقلون شيئًا، قال لي خليلي، قلتُ: مَنْ خَلِيلُكَ؟ قال: النبي - صلى الله عليه وسلم -: ((يا أبا ذر، أَتُبْصِرُ أحدًا؟)) قال: فنظرتُ إلى الشمس ما بقيَ النَّهار، وأنا أرى أن رسول الله - صلى الله عليه وسلّم - يرسلني في حاجة له، قلتُ: نعم، قال: ((مَا أُحِبُّ أَنَّ لِي مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا أُنْفِقُهُ كُلَّهُ إِلاَّ ثَلاَثَةَ دَنَانِيرَ))، وإنَّ هؤلاء لا يعقلون، إنما يجمعون الدنيا، لا والله، لا أسألهم دنيا، ولا أستفتيهم عن دين حتى ألقى الله؛ (صحيح البخاري).
ولأجلِ ذلك كانتْ وقفة الصِّدِّيق أبي بكر - رضي الله عنه - لَمَّا منع الأعرابُ الزكاةَ، فعن أنس بن مالك - رضي الله عنه - قال: لَمَّا توفِّيَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ارتدتِ العربُ، فقال عمر بن الخطَّاب - رضي الله عنه: يا أبا بكر، أتُريد أن تقاتلَ العرب؟ قال: فقال أبو بكر: إنَّما قال رسول الله - صلى الله عليه وسلّم -: ((أُمِرْتُ أنْ أقاتِلَ الناس، حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة))، واللهِ لو منعوني عقالاً كانوا يُؤَدُّونَهُ إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلّم - لَأُقَاتِلنَّهم عليه، قال عمر: فلما رأيتُ رأيَ أبي بكر قد شرح عليه، عَلِمْتُ أنه الحق؛ (مستدرك الحاكم) كتاب الزكاة، 1427، وقال: هذا حديث صحيح الإسناد.