التقرير نصف السنوي لقسم حقوق الإنسان في الهيئة(التهجير)   عدد القراء : 170   .

في الوقت الذي تتحدث فيه الحكومة الحالية عن التحسن الأمني وعن  عودة أعداد كبيرة من اللاجئين يشير واقع الحال إلى عكس ذلك
إعداد/ قسم حقوق الإنسان
لم تزل معاناة المهجرين والنازحين العراقيين في الداخل والخارج مستمرة على حالها بل قد زادت وتفاقمت أكثر وأكثر مع مرور الأيام والشهور والسنوات في ظل التجاهل الحكومي السافر والصمت الدولي المخجل، وزاد من هذه المعاناة قصر ذات اليد للمهجرين ونفاد ما كانوا يملكون ويدخرون..........
فها هي الملايين من الناس المشردة المشتتة في الداخل والخارج تعيش حياة البؤس والحرمان و الابعاد عن الأرض والعائلة والمسكن، في كارثة انسانية يندر لها مثيل في التأريخ المعاصر، يقابلها تحجّر و جمود في الإحساس والضمير الرسمي العالمي ماخلا بعض التصريحات أو المساعدات الخجلة والهزيلة التي تصدر من هذا الطرف أو ذاك، وكأن ما يجري هو على أناس ليسوا كباقي البشر، أو يعيشون على أرض ليست هي الأرض ذاتها.
أزمة اللاجئين والنازحين
كشفت منظمة الهجرة الدولية النقاب عن أن خُمس العراقيين أصبحوا لاجئين داخل بلادهم وخارجها  منذ دخول جيش الاحتلال الأمريكي للبلاد في آذار2003، وان أزمة اللاجئين والنازحين العراقيين قد اتخذت كما أسمته منظمة العفو الدولية (أبعادا مأساوية) وإن حكومات العالم لم تفعل سوى القليل للمساعدة كما إن المجتمع الدولي تخلى عن واجبه الأخلاقي.
وأضافت المنظمة في تقرير جديد -استند إلى دراسة أوضاع اللاجئين العراقيين في سوريا والأردن- أن هؤلاء اللاجئين يعيشون أوضاعا مزرية ويتهددهم مزيد من الفاقة، وأن المعاملة الدولية للاجئين العراقيين تسوء منذ صدور تقرير المنظمة العام الماضي، كما تم تشديد آليات الإكراه وارتفاع حالات العودة القسرية التي تمارسها عدة دول أوربية على هؤلاء المهجرين من قبيل الحرمان من المساعدات المالية، والترحيل الإجباري.
وجاء في التقرير أن عدد المهجرين العراقيين صار الأعلى في العالم وبما يربو على الخمسة ملايين نازح ولاجئ، حيث أرتفع عدد (النازحين داخليا) على حد تعبير الأمم المتحدة بواقع(300) ألف شخص منذ عملية الاحصاء الأخيرة في كانون الأول 2007 ليفوق العدد(2.8)مليون لاجئ داخل العراق فقط ، هرباً من الجحيم الذي خلفه الاحتلال في بلدهم، كما ان هناك مليون لاجئ يحتاجون الآن الى مراكز إيواء وطعام، استنادا الى معلومات من الأمم المتحدة وهيئات أخرى منها وزارة الهجرة والمهجرين الحكومية.
وقد دفع تقصير وتقاعس الجهات الحكومية عن القيام بمسؤوليتها المطلوبة تجاه مواطنيها النازحين واللاجئين دفع الكثير من الجهات والدول المانحة الأخرى الى الإحجام وتثبيط عزيمتها عن تقديم الدعم المادي والمعنوي لهؤلاء اللاجئين أو للدول المضيفة لهم للتخفيف من معاناتهم وحرمانهم، كما صرح بذلك جيمس فولي منسق شؤون اللاجئين في الخارجية الأمريكية، ونشر في صحيفة الواشنطن بوست في شهر أيار الماضي، والذي دعا فيه الى تسليط مزيد من الضغوط على حكومة المالكي. وأضاف أن دولا أوربية وخليجية تنتظر أن تخصص تلك الحكومة مزيدا من الأموال للاجئين قبل أن تقرر هي بدورها الإيفاء بالتزاماتها المالية.
صعوبة توفر الرعاية الصحية
وحذرت المفوضية العليا للاجئين يوم الجمعة5/9 من انها قد تضطر لإيقاف بعض برامج المساعدات الإنسانية الخاصة باللاجئين العراقيين بشكل جزئي أو نهائي إذا لم تتلق الهبات التي وعدت بها الدول المانحة، وأنها تعاني من نقص حاد في التمويل قد يجبرها على وقف بعض البرامج الخاصة بمساعدة مئات الآلاف من اللاجئين العراقيين.
فيما أكد مسح أجرته الهيئة الطبية الدولية على عددٍ لم يعلن عنه من العراقيين المقيمين في عمّان: (أن أربعة بالمائة فقط من المُشاركين يستطيعون تحمل تكاليف الرعاية الصحية)، حيث يعاني المرضى وذووهم من اللاجئين من صعوبة الحصول على علاج طبي أو أي خدمات صحية في العيادات الطبية التابعة للمفوضية السامية لشؤون اللاجئين بسبب اغلاق عدد من تلك العيادات أو تقليص ساعات عملها لوجود عجز مالي لديها، حسب قول العاملين فيها.
وفي الوقت الذي تتحدث فيه الحكومة الحالية عن التحسن الأمني وعن عودة أعداد كبيرة من اللاجئين؛ يشير واقع الحال الى عكس ذلك، فبالإضافة الى زيادة عدد اللاجئين والمهجرين وخاصة الداخليين منهم؛ فان عدد العائدين منهم وبعضهم مجبر كان بنسب ضئيلة لا تتناسب وعددهم الكبير جدا بل ان الكثير ممن عاد رغم حنينه وشوقه للأهل والدار صرح بندمه على ذلك لما رأى من وضع اقتصادي وأمني لا يدعو للتفاؤل.
حيث أكدت دراسة أعدتها مفوضية اللاجئين التابعة للأمم المتحدة مؤخرا أن(90%) من اللاجئين العراقيين المقيمين في سوريا لا يخططون للعودة إلى بلادهم.
وان نسبة الذين قالوا إنهم يرغبون بالعودة الى العراق في هذه الدراسة لم تتجاوز الأربعة في المائة، وقال(6%) إنهم لا يعرفون.
ويقول المراقبون إن ما توصلت اليه الدراسة يناقض ما صرح به مسؤولون عراقيون وآخرون من الأمم المتحدة من أن آلاف اللاجئين يعودون الى العراق شهريا.
النساء والأطفال
تستمر مأساة الأسرة العراقية ومعاناتها مع استمرار وجود قوات الاحتلال الأمريكي البريطاني ومن تحالف معهما - جاثمة على صدور العراقيين وعلى أرضه وسمائه، فيما كانت حصة المرأة والطفل هي الأكبر من هذه المعاناة وتلك المأساة.
فهما مع اشتراكهما في مصيبة احتلال البلد مع بقية شرائح المجتمع وما نتج عنها من قتل وتدمير وتشريد ولاقا من تلك المصيبة ما لاقى أهل البلد؛ زاد على ذلك تحملهما تبعات تلك الأعمال كونهما فقدا الأب أو الزوج أو الابن، وبالتالي فقدا الحامي و المعين، ومعهما العطف والحنان.
ورغم عدم وجود احصائية دقيقة عن أعداد الضحايا من النساء والأطفال سواء ممن تعرضوا للاذى بصورة مباشرة كالقتل والاصابة أو الاعتقال والتهجير، أو غير مباشرة كقتل و اعتقال ذويهم وما ينتج عنه من ترمل ويتم وتشريد! ولكن ما يعلن عنه في بعض الاحصائيات التي تصدر عن هذه الجهة أو تلك، يعطينا تصورا (رغم قصوره) عن حجم الكارثة وعظم المأساة التي أصابت وتصيب هاتين الشريحتين الرئيستين من شرائح المجتمع العراقي واللتان تمثلان ركنين أساسيين في استمرارية هذا المجتمع و حيويته وبقائه، حيث كشفت منظمة الأمم المتحدة للأمومة والطفولة (اليونيسيف) مؤخرا وفي فضيحة جديدة للاحتلال أن حوالي(60%) من قتلى المواجهات بين قوات الاحتلال ومليشيا (جيش المهدي) بمدينة الثورة شرق بغداد كانوا أطفالا ونساء.
من جانب آخر فقد أشارت الاحصائيات الرسمية الى وجود أكثر من مليوني أرملة و بمختلف الأعمار، كما تؤكد ذلك وزيرة المرأة في الحكومة الحالية، والتي أضافت الى أنهن يتوزعن على محافظات العراق حيث يوجد في بغداد لوحدها أكثر من(300) ألف أرملة، في حين أن(84) ألف امرأة فقط منهن إضافة للمطلقات يتقاضين معونات شهرية من هذه الحكومة، وفق تلك الاحصائيات.
وتشير دراسة عراقية أخرى الى وجود أرملة واحدة بين كل(6) نساء في العراق تتراوح أعمارهن بين (15 و 50)عاما.
واذا ما أضيف الى هذا العدد الهائل للأرامل عدد آخر قد لا يقل عنه من ضحايا الطلاق والذي بدأ بالتكون كظاهرة مستشرية تنخر في المجتمع العراقي وتماسكه الأسري، و يعزو بعض المختصين أسبابها  الى ما تعانيه الأسرة من ضغوط مادية ونفسية شديدة ترافقت مع الاحتلال وديمقراطيته العتيدة! لأمكننا ذلك من تصور درجة وخطورة الوضع الكارثي الذي وصل اليه حال المرأة العراقية؛ حيث تشير بعض الدراسات الى ارتفاع غير مسبوق بنسبة حالات الطلاق، لتتراوح مابين(50-60 % )من الزيجات، كما كشف عن ذلك وزير العمل والشؤون الاجتماعية في الحكومة الحالية محمود الشيخ راضي، والذي دعا الى اجراء دراسة دقيقة وعلمية لمعرفة أسباب ذلك، رغم عدم وجود الاحصائيات الدقيقة لعدد المطلقات، لعدم وجود تعداد سكاني صحيح.
ظاهرة التفكك الأسري
في حين أكدت مديرة هيئة الطفولة ورئيسة لجنة المرأة في الوزارة نفسها الدكتورة كوثر ابراهيم ان ظاهرة التفكك الأسري أصبحت كبيرة بسبب تداعيات الحروب، والتي قادت الى انتشار ظواهر سلبية أخرى في المجتمع العراقي، تأتي على رأسها ظاهرة الطلاق.
ولا تقف مشكلات المرأة العراقية عند هذا الحد بل تتعداه لتشمل الأمية التي ترتفع نسبتها بين النساء، وكذلك الاختطاف والزواج القسري وغياب فرص العمل، و تخوض مئات الآلاف من الأرامل اللواتي انتزعت أعمال العنف أزواجهن وحطمت آمالهن ، معركة متواصلة من اجل تأمين البقاء لأسرهن وسط تجاهل السلطات الحكومية لمعاناتهن في بلد غارق في الدم.
أما فيما يخص وضع الأطفال والطفولة في العراق؛ فما يخرج علينا من أرقام واحصائيات أو تصريحات حكومية وغير حكومية عن هذه الشريحة - اضافة الى المشاهدة والمعايشة -، تعطينا بعض التصور عن الحالة التي وصلت اليها الطفولة في هذا البلد في ظل (التحرير). حيث إن وضع الأطفال في العراق لا يطاق.
و إن نسبة الأطفال الذين يذهبون للمدارس انخفض من ثمانين في المائة عام 2005 الى(53%) الآن، بينما يحرم(60%) من الأطفال من المياه الصالحة للشرب مما يعرضهم للاصابة بمرض الكوليرا.
حيث حذرت منظمات غير حكومية عراقية من خطورة تأثير الوضع الأمني على أطفال العراق ، مؤكدة إن هذا الوضع أسهم في حصول ارتفاع خطير في نسبة عدد الأطفال الأيتام والمتسربين من التعليم ، إضافة إلى الأطفال الذين يتعرضون لاعتداءات جنسية.
وجاء تحذير المنظمات متطابقا مع الإحصائيات الحكومية الرسمية التي تقول إن عدد الأطفال الأيتام في البلاد بلغ خمسة ملايين طفل وان هناك(500) ألف طفل مشرد في الشوارع يعيش معظمهم ظروفا اجتماعية صعبة، في حين يبلغ عدد الأطفال النازحين داخل وخارج البلاد في سن الدراسة الابتدائية - نحو (220) إلف طفل ، لم يستطع ثلثهم مواصلة تعليمهم خلال عام 2008 فضلا عن وجود(760) ألف طفل لم يلتحقوا أصلا بالمدارس الابتدائية.
وأشارت الإحصائية الى وجود تقصير في عمل المؤسسات الحكومية المتخصصة بإيواء و رعاية الأيتام ، وقالت ان دور الأيتام التابعة للدولة تضم حاليا(459) يتيما فقط من بين هذه الملايين من اليتامى والمشردين.
المخدرات والاطفال
وكانت منظمة أصوات الطفولة ( منظمة غير حكومية مقرها بغداد) قد كشفت عن وجود احد عشر ألف طفل مدمن على المخدرات في بغداد وحدها. وان العشرات من الفتيات اللواتي تتراوح أعمارهن من(12 الى 16) سنة أصبحن ضحايا للاغتصاب والتحرش الجنسي.
إضافة الى وجود أكثر من مليون طفل دخلوا ميادين العمل، وغالبا ما يتعرضون الى العنف والانتهاكات بمختلف أنواعها نتيجة اتساع دائرة الفقر، حيث يعيش ثلث سكان العراق حاليا تحت خط الفقر بحسب المنظمة.
وقد أصبح منظر الأطفال الذين يكدحون لكسب لقمة العيش عن طريق الخروج إلى سوق العمل مألوفا في شوارع العاصمة عبر تجميع علب الصفيح وإعادة بيعها كمصدر للحصول على المال الذي لا يتجاوز ثلاثة دولارات يوميا، في وقت أبدى باحثون اجتماعيون قلقهم من الآثار السلبية الناجمة عن هذه الظاهرة غير الحضارية، والتي يرى الأخصائيون الاجتماعيون أن السببين الرئيسين لتفشيها هما الفقر والجهل الناشئان عن حالة الاحتلال.
وتنجم عن هذه الظاهرة الخطيرة تأثيرات سلبية عديدة بسبب انخراط الأطفال في العمل خارج المنزل مما يؤدي الى انحراف في سلوكهم، منه ما هو مؤقت ودائم كالتدخين وما شاكله، اضافة الى تراجع قيم التربية الأسرية عندهم لتراجع تأثير الأسرة على هذا الطفل وما قد ينتج عنه من جنوح نحو العنف والجريمة وغيرهما.
ولا يستثنى شمال العراق من تلك الظاهرة، حيث تشير دراسة ميدانية أجرتها مؤسسة رعاية الأطفال بأربيل العام الماضي، إلى وجود( 8246)طفلا، معدل أعمارهم بين(13و14)عاماً يعملون في اربيل، و(4067)آخرين في مدينة السليمانية، و(2565)طفلا في دهوك.
ويحصي الباحث هيوا محمد- في كتاب له صدر هذا العام 2008، عن وزارة حقوق الإنسان، آثاراً أخرى على الصعيد النفسي والصحي، (تنجم عن اختلاط الأطفال بأناس يمكن أن يؤثروا عليهم بسلوكهم السلبي)، ومن الناحية الصحية، يقول (يؤثر العمل الشاق بالسلب على صحة الطفل، من ناحية نموه مقارنة بغيره من الأطفال الذين لا يعملون).
كما تشير دراسة ميدانية لمؤسسة رعاية الأطفال، إلى أن(22%) من الأطفال الذين يعملون في اربيل تعرضوا لإصابات عمل مختلفة، فيما يعمل أغلبهم في مهن لا تتناسب مع سنهم وقابلياتهم الجسدية، فيما تقف المؤسسات الحكومية موقف المتفرج ولا يبدو أنها تتخذ الإجراءات الكافية لرعاية الأطفال وإبعادهم عن الاستغلال.
وأعربت منظمة حقوق الطفل التابعة للأمم المتحدة عن قلقها العميق لاحتجاز قوات الاحتلال الأمريكية لأحداث دون سن الثامنة عشرة في سجونها المنتشرة في العراق وغوانتانامو وأفغانستان وتعرض هؤلاء المعتقلين لمعاملة وحشية تحت اسم مقاتلين أعداء.
من جانبه قال المجلس الأمريكي للحريات المدنية في مذكرة موجهة الى المنظمة ان: الولايات المتحدة تخرق الاتفاقات الدولية حول حقوق الأحداث زمن الحرب وان سياساتها و ممارساتها تخرق كل المعايير الدولية الهادفة الى حماية حقوق الجنود الأحداث المشتبه فيهم من الممارسات غير القانونية.
ورغم وجود قوانين عراقية تسمح للأحداث المودعين داخل الاصلاحيات بالتعليم والتقدم لأداء الامتحانات، الا أن هذه القوانين عطلت منذ عام 2003، وحرم بالتالي هؤلاء الأحداث من اكمال دراستهم.
وفي لقاء لجريدة الشرق الأوسط مع مدير سجون الأحداث (ولي جليل الخفاجي) قال ان: ( هناك ثلاث مدارس مختصة باصلاح الأحداث(الصبيان والفتيات والشباب) من المفترض احتواؤها على مدارس داخلية تجري فيها الامتحانات، وهذا ما كان معمولا به سابقا، وهو غير ما يحدث الآن، وعلى الرغم من وجود قانون مازال ساري المفعول يسمح بذلك، لكنه معطل).