نعـــــش الضــــمير   عدد القراء : 55   .



طاهر درويش

ألحــت علي اليوم نفسي، بترك دنيــا الأحلام الوردية والوهمية والبــُعــد عن هــذا العالم الخفي نتيجة شعوري بالملل والرتابة والتكرار، سمــوه ما شئـتم، غير الاستفاده، فقط نسخ و لصق دون إدراك وتغيــيب للعقل في النقــل، وبما أنني أمتلك بعضــاً من الفراغ الوقتي، فوددت شغل هذا الفراغ قليــلاً.
فعاودني الحنين إلى مـُعانقة معـشوقتى القديمة صاحبة الجلالة، مدونتي وما أسطر بها، وذلك بعد فترة جفاء وخصــــام نشأت بيننا نتيجة لعــــــدم مصــداقية وشفافية كثير من الأقلام التي تـخـُط حروفاً براقة ولامــعة بيــد أنها مـُصابة بالانفصام الفكري، تــُستشف من بين سطورها رائحـة عفنــة لدعاوى علمانية وملحدة تتربص لشباب هـــــــــذه الأمة، فزادني تصفـُحها كآبة ً ومرارة... لما أقرؤه من أخبار عن ما يدور في وطننا العربي (سابقا) بعد أن غطت صور الضحايا من الأبرياء، نساء وشيوخاً وأطفالاً صفحات الجرائد والمجلات مذابح تـُرتكب في غزة .. ومئات القتلى في العراق،السفن الحربية الأمريكية بالقرب من  شواطئ بيروت، كلاب الغرب تنهش في سيرة خير خلق الله عليه صلوات ربي.
فألقيت بالجريدة إلى أقرب محل (لبيع الفلافل) ليستفيد من ورقها
ولم يختلف الحال كثيرا أثناء مشاهدتي للتلفاز والتنقل بين الفضائيات
المشاهد نفسها قــد قفزت أمام عيني وزادتني ألما وحسرة على حال هذه الأمة التي وضعت نخوتها وكرامتها في توابيت وحنطتها...فباتت سقطاً مهملاً، تكالب الآخرون للنيل منه أمـة لا تملك غيـــر حناجرها لتستغيث بها
وفى خضــم هذه المشاهد برز أمامي مشهد من فيلم يقــول البطل لزوجته
(غطيني واصرخي ) فسريعا تنبهت أن لهــذا الوطن قادة وحكومات وشعــــوباً، أليس كذلك ؟؟... أم أن هــذا الوطن بمساحاته الشاسعة مجرد بنايات تحوى أجسادا لا تعرف غير الصراخ والعويل، عنـد حدوث المصائب والكوارث فقط.
وهو أمر يذكرني بأحوال القبــــور لا تسمع أصواتاً بها إلا أثناء الدفن.
إذاً، أين هم من هذه المذابح، ؟ التي ترتكب أمام أعينهم، لماذا هذا الصمت الرهيب، أين ضمائرهم ؟، لماذا أصبح العرب كجثمان بلا حراك، الجميع بصمتهم قد غطى هذا الجسد ومنتظر للصراخ والنعي ثم تشييع الجثمان بدون الصلاة عليه، قلت العوض عليك يا رب في موت الضمائر وافتقاد النخوة والنـُصرة!! التقيت ببعض الأصدقاء القدامى، بعد أن باعدت بيننا الحياة، تحدثنا في أمور كثيرة،لكن الغريب والعجيب حينما تطرقنا إلى هــذه المذابح وهذا الوهن العربي، الكل اكتفى بالنحيب والبكاء على حال إخواننا في العراق وفلسطين، وتعالت بعض الجمل والعبارات ومنها (أنا مالي خليني جنب الحيط) وآخر يقول ( ياعم أنا عاوز أربي أطفالي ) فأصبح الضمير خلف القضبان سجيناً
ولم نعــد نحمله بين ضلوعنا، فهل نكتفي بمص الشفاه وهز الرؤوس.... ونسير غير مـُبالين خلف (نعش الضمير)، مـُكتفين بترديد مقولة ابن السماك، حينما توفى والده فمشى وراء جثمانه وهو يصرخ ويقول.. (دا كان صاحي وبيتحرك).
حينها عـُدت إلى زاوية صمتي مقهوراً، يعتلى وجهي الآسى والشرود، تـُداعب مخيلتي رؤية الجبال،فوجــدت قممها وقد اعتلاها الجليـــــد تمنيــت أن ترتجف قلوباً أشبه بالصخـــور، وتنتفض لكرامتها معلنة ذوبان الجليد والبرودة من على قمتها، فإلى متى تـُبقينا بقراراتها كالأســـماك المجمدة بالثلاجات، تنتظـــر من يأكـُلها .... والى متى سنبقى جالسين على الأطلال ... نبكي حظنا العاثر ونقول أنها مؤامرة من الذين يتربصون بنا .... فنعيب الزمان والعيب فينا .... والصحيح أننا يجب أن لا نلــوم المـُتربصين على فطنتهم وحنكتم، فالصياد الماهر هو من يـُجيد نصب الفخ للإيقاع بفريسته .. ولكن اللــوم هنا على من جعلنا فريسة مـُستساغة المذاق ... نعم، إنهم هؤلاء المتغافلون والمصابون بداء الوهن الأخلاقي والمـُتباهون بعقليتهم المتفردة بالبلاهة وحـُب الاستقواء بالغير ..والبعد عن كلمة الله وضرورة التوحد والبعد عن العصبية القبائلية والعائلية، وجعلوا كرامة الوطن تحتل في ترتيب أولوياتهم في المؤخرة.
ومادام الوطن قد حل في ترتيب المؤخرة.. فليس بغريب أو مستغرب ان يـُهان فقــــوة الأوطان لا يرعاها ويـُحييها الاآ بقوة ابنائها ونـُصرتهم وغيرتهم على كيان وطنهم .... أما الشاهد الآن أن الكرامة والنخوة باتت أســـــيرة التوابيت ترقد بداخلها وهي مستكينة وغارقة في ثبات عميق حتى صارت الأرض مرتعاً لكل قاصٍ ودانٍ ينهل من خيراتها ما يشاء ويـبـذر أفكاره كيفما شاء ..وما على أبناء هـــذا الوطن إلا الجلوس بوضع القرفصاء فاغرين أفــواههم مـُنبهرين بما يرونه من حضارة وتقدم!!! فمتى يستـــفيقون مما تناولوه من مـُهدئات ومسكنات ......!!؟
ولعلي هنا أضع تساؤلي عن آلية التغيــير وهل ستكون انطلاقتها من القمة أم من القاعدة،ولو أجبت على تساؤلي بنفسي، لقلت (أنه كثيرا ًما  خاب الرجاء بالقمم التي اعتلتها الثلـــــوج وتجمد الضمــــير من شـِدة برودتها، فقد جعلوا أجسادنا وحـُرماتنا بسلبية قراراتهم وجبات ومـُقبلات فاتحة لشهية الغير ......!!!! نتيجة انتفاء وانعدام الرغبة والإيمان بالوحدوية والجماعية شكلا ً وموضعا ً والاكتفاء بالاســتـقواء على بعضنا البعض بالغريب ..والتباهي بمجــد القبيلة والعائلة والمال والإرث وفي سبيل نيل رضاء جلادنا كان لابد من تقديم قـُربان له...فلم يجدوا غير دماء أشقائنا ليروي به ظمـــأ وهننا وضعفنا ....!!!! هذا عن القمة  أما عن القاعدة فمـُصيبتها أعظــم.
فقد تغيرت الدماء بالعروق واعتلاها البرود والتجمد بفعل ما تحوقنت به الاوردة يومياً من جرعات الخزي والعار فنتج عن ذلك أجيال لا تنتفض عروقها الإ في مشاهدة الأفلام الماجنة أو أثناء تناول حـُقن المـُخدرات
وأصبح نشيدهم اليومي ( يا عــم شـِم وسـِيبك من الهـــــــــم(حتى أصحاب الكرامة منهم كانت لقمة العيش والسعي لتلبية أمورهم الحياتية .في ظل هذا التردي الاقتصادي،هي الشوكة التي تعاني منها أجسادهم وكفيلة بوضع ضمائرهم في التوابيت  فكيف لقاعدة نشيدها اليومي السعي على لقمة العيش الطاحنة ...والتهليل والتزمير لفرق الكورة ...والتباهي والتعالي بعضهم على بعض ... فهل أن تكون هي نقطـــــة الانطلاق نحو التغير ؟؟؟؟
وفي ظل هذا التردي والوهن (القممي والقاعدي يكتب ويزخرف التاريخ عباراته .فكما كتب وشهد لنا بالعزة والقوة وشهد لنا بتعليم جميع الشعوب فنون العلم والمعرفة والثقافة ..والنصرة لإخواننا وجيراننا  سيشهد علينا بأننا تخاذلنا عن الانتصار لسيرة خير خلق الله.
سيشهد علينا بأننا قدمنا دماء إخواننا كقربان لمغتصبي خيراتنا!؟
سيشهد علينا بأننا تباهينا بإرسال الأموال لأعدائنا خشية ًمن شبه إعصـــــار....!!؟
وياليت ( كاترينا) وقع بهم ...ألم يكن الفلسطينيون والعراقيون أولى بتلك الأموال.
سيشهد علينا التاريخ بأننا حبسنا ضمائرنا خلف ضلوعنا وأغمضنا أجفاننا وتلحفنا العز والنعيــــم وإخواننا تعرت عوراتهم وانتهكتها كلاب الغرب .....!!؟
سيذكر التاريخ يوم سيرنا خلف مشهــــد الضمـــير ونحن نواريه مثواه الأخير
وحناجرنا بالصياح والعويل تتأسى وتقـــول .. كان في يوم ما (صاحي ويتحرك).