| لماذا يبتلي الله المؤمنين؟   عدد القراء : 59   . الشيخ ضياء الدين عبد الله الصالح لقد ورد أيضاً في صحيح البخاري عن خباب بن الأرت( رضي الله عنه) قال: أتيت النبى(صلى الله عليه وسلم)وهو متوسد بردة في ظل الكعبة - وقد لقينا من المشركين شدة - فقلت : يا رسول الله ألا تدعو الله لنا ، ألا تستنصر لنا ، فقعد وهو مُحمرٌ وجهه فقال: (لقد كان من قبلكن ليمشط بأمشاط من الحديد ما دون عظمه من لحم أو عصب ما يصرفه ذلك عن دينه ، وليتمنَّ الله هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضر موت لا يخاف إلا الله) وإذا كانت هذه الاعتداءات على النبى(صلى الله عليه وسلم)وله من الجلال والوقار في نفوس العامة والخاصة فكيف بالصحابة الكرام، لاسيما الضعفاء منهم فأنتم تعلمون ما الذي كان يُفعل ببلال و خباب وآل ياسر وصهيب وابن مسعود وغيرهم ممن قالوا : لا إله إلا الله . فضربوا لنا أروع الأمثلة في الصبر على البلاء والتضحية لهذا الدين حتى ولو كانت بالأرواح والأبدان. فلقد كان الدين عندهم أغلى من أي شيء حتى من أرواحهم وأولادهم وأزواجهم وأموالهم .ولذلك أيدهم الله بنصره كما نصر المؤمنين من قبلهم وينصر الموحدين من بعدهم.. وتكون العاقبة على من عاداهم وانظر كيف كان عاقبة المجرمين.. ثمار وفوائد الابتلاء 1- معرفة حقيقة الناس ومصداقيتهم. إن الله عز وجل جعل الابتلاء سنة؛ ليعلم الصادق من الكاذب، وليعلم المؤمن من المنافق، ولو كان الأمر للرخاء والسهولة واليسر؛ لادعى كل مدعٍ أنه صادق، ولكن ليظهر الله الصادقين أهل الصلوات الخمس؛ ولا يخزيهم أبداً. والنبي عليه الصلاة والسلام وهو في غار حراء يوم نـزل عليه الوحي، خاف لما رأى عظم الملك، فذهب إلى خديجة رضي الله عنها ترتعد فرائصه، ووجِلَ قلبه وخاف وقال(خفت على نفسي، قالت: كلا والله لا يخزيك الله أبداً؛ إنك لتصل الرحم، وتُقرئ الضيف، وتُكسب المعدوم، وتعين على نوائب الحق) أتظن أن الله يخزي أهل الصلوات الخمس؛ أهل القرآن؛ وأهل السنة ؛ وأهل الأذكار؛ والصيام؛ وقيام الليل، والصدق مع الله؟! لا والله. إنما يجعل الله الرجس على الذين لا يؤمنون، إنما يخزي أعداءه ومحاربي دينه الذين لا يعرفون الصلاة، ولا القرآن، ولا المسجد، ولا السنة، ولا الصدق مع الله، ولا يعرفون موعود الله، ولا يقدمون دقيقة من أوقاتهم، ولا يعرفون إلاَّ الكأس والعهر، والفحش والخيانة، وانتهاك حرمات الله، يقول أبو بكر الصديق رضي الله عنه وأرضاه: (صنائع المعروف تقي مصارع السوء )فمن فعل معروفاً وقاه الله سبحانه منازل الخاسرين:(وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ) وقال سبحانه: (وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَا أَخْبَارَكُمْ). 2-تمحيص الصف الإسلامي من المنافقين ومن دروس الابتلاء أيضاً: تمحيص الصف الإسلامي، ليعرف الله من الذي يحب أن يُوصم الأخيار بالباطل والتهم. إن هذا الدين مستهدف بأساليب الله أعلم بها، حينها يعرف سُبحَانَهُ وَتَعَالَى من الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا، قال سبحانه(إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ) والله يعلم من الذي يسر بإخفاق الصالحين. إن المنافق يضحك بملء فيه يوم ينتقص من الإسلام ؛ حينها ينتصر الباطل ويخطب الدجال كما قال الذهبي قال:(إذا علقت الشائعة وانتشرت وصُدقت؛ حينها يخطب الدجال من على المنبر، وتتعطل المساجد، وتكذب الدعوة الصادقة، ويخرج المناوئون الحقراء الذين لا يتكلمون إلا في الظلام، وليس معنا شيء، ما معنا إلا رسالة محمد(صلى الله عليه وسلم). يقول أحد علماء الإسلام: (الإسلام والدعاة يمرضون ولا يموتون) (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لحافظون) (الحجر9). 3-: تكفير الخطايا والذنوب : من أسرار الابتلاء الذي ينـزله سُبحَانَهُ وَتَعَالَى في الأرض: تمحيص الخطايا والذنوب التي تعلق بالأخيار، والتي لا يسلم منها الأبرار، فيحتها سُبحَانَهُ وَتَعَالَى حتاً، فنسأله سبحانه أن نكون ممن إذا أذنب استغفر وإذا أُنعم عليه شكر، وإذا اُبتلي صبر، فمنازل الصادقين ثلاثة ، إذا ابتلي العبد صبر، وقال: إنا لله وإنا إليه راجعون، قالوا لـعثمان : ادخل على الرسول عليه الصلاة والسلام يبشرك بالجنة على بلوى تصيبك، قال: الله المستعان! وما هي البلوى؟ ضرج في التراب وذبح في بيته على المصحف. لما أدخل شيخ الإسلام ابن تيمية السجن -رحم الله ابن تيمية ، ورفع الله قدره على ما فعل وبذل من دمعه ودمه، وعروقه وسمعته، وعلمه ووقته- أدخله السجان وأغلق عليه الباب، فقال ابن تيمية :(فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ) يقول له أحباؤه: ماذا أصابك؟ فدمعت عيناه وقال: الابتلاء تمحيص، قال عليه الصلاة والسلام(ونقني من الذنوب والخطايا كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس) الابتلاء غسل للقلب وللمنهج، وغسل للطريق من القاذورات التي تعلق به، إما شهرة وإما سمعة وإما رياء لا يسلم منها العبد، يقول عليه الصلاة والسلام في الصحيح: (عجباً لأمر المسلم إن أمره كله خير وليس ذلك إلا للمؤمن، إن أصابته نعماء شكر فكان خيراً له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيراً له، وليس ذلك إلا للمؤمن).وفي الصحيحين(ما يصيب المسلم من نصب ولا وصب ولاهم ولا حزن ولا أذى ولا غم حتى الشوكة يشاكها إلا كفر الله بها من خطاياه). 4-دليل قوة الايمان ورسوخ العقيدة: فقد روى الإمام الترمذي وابن ماجة واحمد وصححه الألباني عن سعد بن ابي وقاص انه سأل رسول الله أي الناس اشد بلاءً؟ فقال:(اشد الناس بلاءً الأنبياء،ثم الصالحون،ثم الأمثل فالأمثل،يبتلى العبد على قدر دينه،فان كان في دينه صلبة-قوة-زيد عليه البلاء،وان كان في دينه رقة خفف عنه البلاء، ولايزال البلاء في العبد حتى يتركه يمشي على الأرض وما عليه خطيئة) 5-الابتلاء علامة لمحبة الله للعبد: فقد روى الترمذي عن انس وحسنه الألباني قوله :(إن عظم الجزاء مع عظم البلاء،وان الله تعالى إذا أحب قوما ابتلاهم،فمن رضي فله الرضا،ومن سخط فله السخط) 6- إرادة الخير للمؤمن: وفي صحيح البخاري قوله:(من يرد الله به خيرا يصب منه)، وفي سنن الترمذي قوله (إذا أراد الله بعبده الخير عجل له العقوبة في الدنيا،وإذا أراد بعبده الشرأمسك عنه بذنبه حتى يوفيه به يوم القيامة)، ـ فلا يظن مما سبق، أن المرض مطلب منشود، لا وكلا، فإنه لا ينبغي للمؤمن أن يتمنى البلاء، ولا أن يسأل الله أن ينزل به المرض؛ فلقد قال رسول الله: (سلوا الله العفو والعافية، فإن أحدا لم يعط بعد اليقين خيرا من العافية) رواه النسائي وابن ماجه.وقال مطرف: (لأن أُعافى فأَشكر أحب إلي من أن أُبتلى فأَصبر). 7- الرجوع والإنابة الى الله: قال تعالى(أولا يرون أنهم يفتنون في كل عام مرة أو مرتين ثم لايتوبون ولاهم يذّكرون). وقال تعالى(وبلوناهم بالحسنات والسيئات لعلهم يرجعون) وقال تعالى(ونبلوكم بالشر والخير فتنة والينا ترجعون). 8- إظهار التوحيد في الابتلاء ومن فوائد الابتلاء العظيمة: صدق التوحيد وألا يعتمد إلا على الله، ويعرف من جرب أن لا إله إلا الله لا تظهر حارةً صادقةً قويةً إلا يوم يبتلى العبد، فيقول: لا إله إلا الله من قلبه. 9- : معرفة مخططات ومكائد أعداء الإسلام ومن دروس الابتلاء: أن نعرف أعداء الإسلام، ومخططات اليهود والصليبين وما يكيدون للأمة من مكائد ومؤامرات وخطط شيطانية،كما حدث في ابتلاء اهل فلسطين والعراق وأفغانستان وغيرهم وفضح مخططات الاحتلال الأمريكي والصهيوني في المنطقة فأصبح درسا للأمة والعالم: (وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْر الماكرينُ). . وخلاصة القول إن الابتلاء سنة عامة من سنن الله القدرية والكونية لايستثنى منها احد، فقد ابتلى الله الأنبياء وهم صفوة الخلق فابتلاء الأنبياء رفع للدرجات وتفاضل في المقامات(تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض منهم من كلم الله ورفع بعضهم درجات). وأما ابتلاء المؤمنين فتمحيص للذنوب وتكفير للسيئات(وليبلي المؤمنين منه بلاءاً حسنا ان الله سميع عليم).وأما ابتلاءً الكافرين فعقوبة لهم في الدنيا قبل الاخرة نقمة عليهم مع ما لهم من العذاب يوم القيامة.فنسأل الله تعالى أن يجنبنا الفتن ما ظهر منها وما بطن ونسأله العفو والعافية في الدنيا والآخرة. |