تأريخ العراق بعشرة دولارات   عدد القراء : 88   .



آثار العراق تُباع بثمن بخس - (قطع أثرية تعود إلى آلاف السنين تُباع بـ(50) ألف دولار.. اشتريتها فقط بعشرة دولارات)
البصائر/ متابعة إخبارية

بهذه الكلمات يلخص خبير آثار عراقي مأساة شعب أجبره الواقع الدامي في ظل الاحتلال على بيع كل شيء، حتى تاريخه؛ للوفاء بمتطلبات حياته اليومية. فبعد الغزو، الذي قادته الولايات المتحدة في آذار 2003، أصبح تاريخ العراق، الذي لا يقدر بثمن، في أيدي من يجهل قيمته، بما في ذلك الأطفال الذين ينقبون عنه، ويباع في السوق السوداء بثمن بخس، تحت أعين الحكومة التي تفضل لعب (دور المتفرج)، برغم الدعوات إلى التدخل.
هذا الواقع المرير يرصده فيصل وليد، خبير الآثار العراقي، بقوله لاحدى الشبكات الاخبارية الدولية: (عندما كنت بالأردن أراد شخص أن يبيعني -مقابل ألف دولار- طوابع يعود تاريخها إلى آلاف السنين، ويقدر ثمن الواحدة بـ(50) ألف دولار، إلا أنني تمكنت من شرائها بـ(10) دولارات فقط).
ويحتوي العراق، موطن الحضارات الآشورية والبابلية والسومرية، وغيرها، على أزيد من عشرة آلاف موقع أثري، معظمها من الناحية القانونية غير مستكشف.
عمليات النهب المنظمة لهذه المواقع الأثرية دفعت عالم الآثار العراقي مصطفى صبحي للتحذير من أن تاريخ بلاد الرافدين، الذي لم يكتشف رسميا بعد، معرض للضياع على أيدي اللصوص، مضيفا أنه: (حتى الأطفال يتم استخدامهم للتنقيب عن هذه الآثار، بلا أدنى خبرة عن كيفية الحفر دون الإضرار بالآثار).
ودعا صبحي جميع المسؤولين في الداخل والخارج إلى اتخاذ تدابير أمنية لوقف نزيف العراق لتاريخه وثقافته، مؤكدا أن مثل هذه المواقع الأثرية يمكن أن تدر على العراق ملايين الدولارات.
وبحسب منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو)، فإنه من المستحيل تماما معرفة عدد المواقع الأثرية التي اكتشفها اللصوص ونهبوا ما بها من آثار وباعوها، مشيرة إلى أن نهب المواقع الأثرية يجري بلا هوادة في العراق، خصوصا بالجنوب.
انعدام الأمن
ومعظم المواقع الأثرية موجودة في المناطق الوسطى من بلاد الرافدين الذين يعيشون في دوامة من الفوضى الأمنية تحت الاحتلال.
وانعدام الأمن كما يقول وليد، خبير الآثار العراقي، هو (السبب الرئيسي وراء ترك المواقع الأثرية عرضة للسرقة، ولعمليات الحفر التي يقوم بها مفتقرون للخبرة يدمرون مواقع تضم أقدم وأندر آثار العراق).
ويأسف وليد للإهمال الذي تعانيه هذه المواقع، ولعدم وجود استثمارات لتنميتها وإظهارها أمام العالم، مشددا على أن (الحكومة ملزمة بالحفاظ على تاريخ العراق أكثر من أي جهة أو شخص آخر).
ومتفقا مع وليد، يطالب أيمن عبد اللطيف، وهو أيضا خبير آثار، الحكومة الحالية باتخاذ إجراءات حاسمة للحفاظ على تاريخ بلاد الرافدين: (إذا كان الأطفال يقومون بالحفر، فيمكنك تخيل حجم الدمار الذي لحق بالمواقع الأثرية).
ويعدد عبد اللطيف معالم المأساة بقوله: إن (الشرطة الحكومية تغمض عينها عن سرقة الآثار، والحكومة أبعد ما يكون عن الموضوع، وعلماء الآثار الذين يحاولون تقديم المساعدة يتعرضون للخطر من جانب عصابات السوق السوداء).
ويوضح أنه(لا يوجد عدد كاف لحراسة هذه المواقع، ونادرا ما يتوافر التيار الكهربائي؛ مما يجعل بقاء الحراس في هذه المواقع ليلا أمرا مستحيلا).
ورسميا يوجد نحو عشرة آلاف موقع أثري يحميها حوالي ألف شخص فقط تابعون لوزارة الثقافة، وفي عهد الرئيس السابق كانت عقوبة سرقة الآثار غليظة، تتراوح ما بين السجن لمدة تصل إلى 70 عاما والإعدام.
في وضح النهار
وكما ينعكس الوضع الأمني المتردي على حفر المواقع وسرقة آثارها، فإنه يسهم أيضا في سهولة بيع هذه الآثار؛ ففي الأسواق المركزية، وفي وضح النهار، يعقد لصوص الآثار صفقاتهم، دون خوف من الشرطة.
ويقول عبد اللطيف: (الآثار، كالقطع النقدية القديمة، والطوابع، والذهب، والخزف، وحتى لوحات وتماثيل صغيرة من الآلهة القديمة، يمكنك العثور عليها بسهولة في الأسواق)، مضيفا أن التفاوض على الثمن يتم بسرعة، ويتراوح متوسط أسعار القطع الأثرية ما بين 10 و100 دولار.
ويحاول أحد باعة الآثار في السوق المحلية بالعاصمة بغداد تبرير ما يفعله بالقول: (إذا لم نأخذ نحن هذه الآثار، فيمكن أن يأخذها الأمريكيون مثلما يستولون على نفط العراق)
ويضيف المتاجرون باثار العراق: (نبيع الآثار لمن يستطيع العناية بها، وفي الوقت نفسه نستخدم أموالها التي تعود علينا في إطعام عائلاتنا).
وعن التواجد الأمني بهذه الأسواق، يوضح ذلك الشخص أنه (لا توجد رقابة حكومية، وبإمكان أي شخص اختيار القطعة الأثرية التي يريدها من أسواق بغداد)، مشيرا إلى أنه اشترى حقيبة فيها قطع أثرية من شابين يأتيان كل أسبوع من مدينة بابل وبحوزتهما قطع مختلفة.
مكبات للقمامة
بشير علي أحد هؤلاء الذين يهوون جمع الآثار، ويدير متجرا صغيرا للفن في بغداد، ومؤخرا اشترى العديد من القطع الأثرية بأقل من (20) دولارًا، ويبيع بضاعته لهواة جمع الآثار في كل من الأردن وسوريا، بأسعار تتراوح ما بين ثلاثة آلاف دولار وعشرة آلاف.
ويقول علي: إن (من يحفرون ويبيعون هذه الآثار ليس لديهم أدنى فكرة عن قيمة ما يبيعونه ولا الفرق بين القطع الأثرية).
ويتابع: (بالنسبة لهم (لصوص الآثار) كل شيء مجرد قطع تاريخية، يمكن مبادلتها بمواد غذائية أو بعض الملابس.. أعرف أن هذه التجارة غير قانونية، ولكن يجب على الحكومة أن توقف من يحفرون لرجال الأعمال).
ويحاول تبرير مزاولته هذه التجارة غير الشرعية بقوله: (على الأقل نحمي هذه القطع الأثرية من خلال بيعها للخبراء والهواة.. هذا أفضل بكثير من تركها بين أكوام القمامة، أو أن تدمرها العمليات العسكرية للاحتلال والحكومة).
ومؤخرا اكتشف خبراء أن أربعة مواقع أثرية في كل من النجف وكربلاء وبغداد تستخدم كمكب للنفايات.