درس نافع للأميركيين   عدد القراء : 73   .

جهاد الخازن
هل أبالغ كثيراً إذا قلت ان جورج بوش الابن خرب الدنيا؟ ربما كنت أبالغ، ولكن ليس كثيراً، فهو مسؤول قبل أي إنسان آخر، أو سبب، عن تردي الاقتصاد العالمي، وتأرجحه على حافة الهاوية.
ثمة نقطة واحدة لا أعتبر الرئيس الأميركي مسؤولاً عنها هي ارتفاع أسعار النفط، فهذا يخضع لقانون العرض والطلب، والمملكة العربية السعودية نفسها لم تستطع كبح ارتفاع الأسعار على الرغم من أنها زادت الانتاج، ثم هبطت الأسعار (12) دولاراً أو نحوها الأسبوع الماضي تأثراً بعوامل السوق، وأهمها اكتشاف المضاربين توافر(296.9) مليون برميل في السوق العالمية، والكل يخزن ويوفر نفطه الأسود ليوم أسود منه، وأيضاً الاحتياطي الاستراتيجي الأميركي الذي يرفض جورج بوش استعماله (هل يدخره لحرب مع إيران قد تغلق مضائق الخليج؟).
التراجع بدأ في أميركا قبل أن يلف العالم، وسوق العقار فيها انهارت، وسجلت خسائر الرهن العقاري أرقاماً خيالية في حجمها الظاهر، إلا أنها حقيقية تماماً، وقد قرأت رقم تريليون دولار لمجموع الخسائر. وسقط بنك بير ستبرنز، وتدخلت وزارة الخزانة الأسبوع الماضي لإنقاذ شركتين من أضخم الموجود في ميدان الرهن العقاري هما فاني ماي وفريدي ماك، فيما تسلمت الحكومة الفدرالية بنك اندي ماك في كاليفورنيا بعد أن أوشك على الانهيار.
وهكذا، وفيما كان رئيس البنك المركزي الأميركي يحاول طمأنة الأسواق المالية القلقة، ورئيس الأركان المشتركة يريد زيادة القوات في أفغانستان، كان الرئيس بوش في الحديقة الجنوبية للبيت الأبيض يمارس ما قال إنه لحظة تاريخية قبل أن أكمل مع القارئ أقول له إن الفقرة السابقة هي ترجمتي الحرفية للفقرة الأولى من خبر في واشنطن بوست يوم الخميس الماضي.
ما هي اللحظة التاريخية؟ كان الرئيس بوش يلعب الطابة (بيسبول) مع صغار في السادسة والسابعة من العمر، والجريدة قالت إنه استضاف(95) حفلة لها علاقة بالرياضة منذ دخوله البيت الأبيض لو كانت سياسات بوش في الداخل والخارج خربت الاقتصاد الأميركي وحده لربما قلت إن هذا درس نافع للأميركيين فلا يختارون أحمق جاهلاً المرة المقبلة. غير أن الرئيس الأميركي رئيس العالم أيضاً. ونسمع أنه إذا عطس الاقتصاد الأميركي أو سعل، يصاب الاقتصاد العالمي بزكام. وهذا ما حدث فعلاً، فانهيار سوق الرهن العقاري في أميركا أصاب بعدواه بقية العالم في بريطانيا هبطت نسبة الرهون العقارية في أيارالماضي(63%) عنها في الفترة نفسها من العام الماضي، وهبطت أسعار البيوت. وضُربت سوق العقار في إسبانيا وإرلندا، كما ضُربت صناعة السيارات والكيماويات في ألمانيا، وتراجع الاقتصاد الياباني مع تراجع أسواقه التقليدية.
وإذا شكا الأميركي من أن أسعار المواد الغذائية زادت(5%) عنها قبل سنة، وإذا قرأت في صحف لندن أن سلة المواد الغذائية زادت على الأسرة البريطانية بأكثر من مائة جنيه في الأسبوع، أستطيع أن أدرج ذلك تحت مادة كماليات، فالدول الغربية ثرية جداً وجسمها يحمل. ولكن الذي حدث أن أسعار المواد الغذائية زادت بشكل هائل وبما نكب الدول الفقيرة حيث أصبح المواطن يجد نفسه على حافة الجوع. وسعر القمح والرز زاد ضعفين في سنة، كما زاد سعر كل مادة غذائية أخرى، ووقعت اضطرابات في أكثر من (40)دولة.
سياسة بوش الاقتصادية كانت كارثية كسياسته الخارجية. هو دمر العراق على رأس أهله لأسباب كاذبة يجب أن يحاسب عليها ويحاكم، وقوّى إيران التي يريد التصدي لها، وهو بدأ الخراب الاقتصادي بالاستدانة من الصين ليحارب في أفغانستان والعراق، والنتيجة هنا أن روسيا التي خرجت من عقود الشيوعية شبه مفلسة عادت الآن بفضل النفط قوة عظمى تنافس الولايات المتحدة من جديد الاقتصاد ضحية أخرى للحرب (على العراق)، وهذه الكلمات ليست مني بل عنوان مقال كتبه النائب الأميركي رون بول قبل شهرين. وهو لو كتب اليوم لزاد الاقتصاد العالمي على الاقتصاد الأميركي.
كلمة السر الاقتصادية اليوم هي(stagflation،)وهي كلمة مركبة بالانكليزية تجمع كلمتين بمعنى الركود والتضخم في آن، وهو إنجاز لا يقدر على مثله إلا جورج بوش الابن.