عودة ثقة المسلمين في العلماء والصالحين   عدد القراء : 70   .



عماد حسن ابو العينين

إن الله تبارك وتعالى مدح العلم في آيات كثيرة من كتابه الكريم وبيَّن أن العلماء لهم فضلٌ على غيرهم، وأنهم مصابيح هذه الأمة قال تبارك وتعالى: (إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء)وقال أيضًا: (شَهِدَ اللّهُ أَنَّهُ لاَ إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ وَالْمَلاَئِكَةُ وَأُوْلُواْ الْعِلْمِ قَآئِمَاً بِالْقِسْطِ)وقال صلى الله عليه وسلم : (مَنْ يُرِدْ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ) وقال أيضًا: (إِنَّ الْعُلَمَاءَ وَرَثَةُ الْأَنْبِيَاءِ).
ولما كان العلم والعلماء بهذه المنزلة العالية الرفيعة من ديننا، دأب اليهود والنصارى على وضع الخطط التي من شأنها صرف المسلمين عن دينهم وعلمائهم.
وفي البلاد التي استعمروها وضعوا الأبحاث والتقارير التي تحلل المسلمين وتعاملاتهم مع غيرهم فوجدوا أن المسلمين يتميزون بصفات منها:
1- أنهم متمسكون بالقرآن الكريم؛ لأنه كلام الله وشريعته إليهم، يتأثرون به ويتلونه آناء الليل وأطراف النهار.
2- متمسكون ببعضهم البعض لا فرق بين أبيض وأسود ولا فرق بين غنى وفقير وأن الكريم في ملتهم هو المتقي: (إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ).
3- متمسكون بالعلماء الذين يقرءون القرآن ويفهمونه ويتدبرونه ويعلمونه للأمة؛ لتسير بخطى ثابتة نحو التقدم والرقي: (يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ).
وقد وضعوا الخطط للقضاء على هذه الثلاث:
أما الأولى فلم يستطيعوا إليها سبيلاً، وقد حاولوا مرات كثيرة محو القرآن من الصدور وحرقه وتحريفه وتشويه معالمه، يقول غلادستون: (إنه ما دام هذا الكتاب –يعني القرآن- باقيًا في أيدي المسلمين فلن يستقر لنا قرار في تلك البلاد) والحمد لله باءت محاولتهم بالفشل؛ لأن الله تعالى تكفل بحفظ كتابه (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ).
أما الثانية فقاموا بعمل حواجز وحدود وهمية تفصل المسلمين بعضهم عن بعض وتجعلهم يقتتلون فيما بينهم، كما قاموا ببث بعض الأفكار التي من شأنها أن تفرق المسلمين، وتحولت هذه الأفكار إلى مناهج تُدرس مثل الوطنية والقومية، والله يقول: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ)، وكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يحكم من المدينة أكثر من ثنتين وعشرين دولة، ويقول الشاعر:
بالشام أهلي وبغداد الهوى وأنا
      بالرقمتين وبالفسطاط إخواني
وأينما ذُكر اسم الله في بلدٍ
      عددت ذاك الحمى من صُلب أوطاني
وأما الثالثة فقد قاموا بحملة مسعورة مستترة استعملت فيها كل أفانين الدعاية والإشاعة وأساليب علم النفس والاجتماع؛ لتشويه سمعة العلماء حتى تكرههم الأمة وترفض الائتمار بأمرهم أو التأثر بعلمهم وتكاتفت جهود الصليبية واليهودية ومن تبعهما للإجهاز على سمعة علماء الشريعة في قلوب أبناء الإمة، ولم يأبه العلماء لهذه الحملة في بادئ الأمر ولا عامتها ولكنها على مر السنين آتت أكلها الهدامة، وأفاقت الأمة الإسلامية على جيل جديد له نظرة جديدة، جيل آمن بأن العلماء غير صالحين لقيادة ركب الحياة.
قوم رجعيون، جامدون، متخلفون، متعفنون، رجال دين يشبهون كهنوت النصارى، أصبح هذا الجيل يرفض تمامًا فكرة العلماء والانصياع لهم كما أراد أعداء الإسلام له، وتكاتف مع أعدائنا للوصول إلى هذه الغاية وسائل إعلامنا التي أظهرت العلماء والصالحين في أشكال منفرة.
فكان من آثار ذلك الغبش أن جعل قطاعًا كبيرًا من الناس بعيدًا كل البعد عن المساجد، وإن دخلها وأنصت إلى الخطب والمواعظ سرعان ما ينسى ما سمع وإن سمع فلا يقنع من هؤلاء المشوهة صورهم عنده، فيجد بينه وبين العلماء حائلاً بسبب هذا الإعلام الرهيب ويجد نفسه دائمًا على خوف ووجل منهم.
ولكن نقول -وَكُلُّنَا ثِقَةٌ في الله- إن الصحوة الإسلامية هذا اليوم ما هى إلا إذن من الله تبارك وتعالى أن تنهض هذه الأمة وأن يتغير الحال ويتبدل المقال، فبعد هذا التشويه المنظم والخطط الشنيعة تجد جحافل الشباب المؤمن التقي الطاهر الساجد لله والتي ما كُنت تراها في أي عصر مضى لولا فضل الله، وتجد هذا الإقبال من العامة على قنوات تلفزيونية بعينها تُعنى بنشر الإسلام الصحيح وتُعرض عن القنوات الأخرى، ما كنت تتوقع حجمها لولا فضل الله ورحمته.
ولعلي في هذا المقام أن أُشبه الصحوة الإسلامية بالكرة المطاطية التي كلما اغتاظ أعداء الإسلام منها ضربوها بقوة في الأرض فارتفعت إلى علو، ويكون مقدار علوها على قدر شدة ضربهم إياها.