غزو العراق .. يستنزف ثقافته وحضارته وثروته   عدد القراء : 1417   .

البصائر/ متابعة ثقافية..
مازال تراث العراق الثقافي الغني يتعرض لنهب متواصل سواء في المواقع الأثرية أو حتى في بغداد نفسها، لا تزال أبواب المتحف الوطني العراقي ـ وهو خامس أهم المتاحف في العالم ـ موصدة أمام الناس خوفاً من سرقة كنوز المتحف من غارة تنفذها مافيا الآثار المنظّمة تنظيماً جيداً. يقول الدكتور ماك كوير جيبسون، الأستاذ بالمعهد الشرقي بجامعة شيكاغو على ما حدث في العراق على جبهة الآثار. وجيبسون الذي عمل في الحفر والتنقيب لسنوات عديدة في موقع نيبور السومري بجنوب العراق، هو رئيس معهد الأكاديمية الأمريكية للأبحاث. كان جيبسون واحداً من الباحثين الذين حذّروا إدارة الرئيس بوش قبيل حربه عام 2003 من أن أعداداً كبيرة من آثار التاريخ الإسلامي والتاريخ القديم في بلاد ما بين النهرين يمكن أن تُسرق، وأن متاحف العراق يمكن أن تُنهب خلال الحرب. لكن المفجع أن الإدارة لم تصغ لتحذيرات ونداءات أطلقها خبراء آخرون مثله. نتيجة لذلك فإن آثاراً، ورُقماً، ووثائق عراقية، يعود تاريخها لآلاف السنين قد استخرجت من تحت الأرض من مواقع أثرية، ثم بيعت لمهربي آثار مزوّدة بشهادات منشأ مزوّرة، وهي الآن بحوزة أفراد ومؤسسات تجارية عديمة الضمير، ومجردة من القيم والأخلاق. بالرغم من أن جيبسون لم يزُر العراق منذ تموز 2003 عندما شارك في بعثة لليونسكو للتحقيق في نهب المتحف الوطني العراقي، إلا أنه يُتابع عن قرب ما يحصل في المتاحف العراقية وفي الميدان أيضاً. لقد أُبلِغَ مؤخراً بمعلومات قيّمة حول آخر تطورات نهب الآثار العراقية من قبل الدكتور دوني جورج، رئيس المتحف العراقي، بعد الاحتلال، الذي قام بزيارة لشيكاغو. يؤكد جيبسون ما يلي: (الأمريكان لا يعملون أي شيء لمنع نهب الآثار في العراق، لقد ذهبوا إلى العراق بقوات قليلة ولم يعملوا شيئاً لوقف النهب فور سقوط النظام. ما إن بدأ النهب، أصبح من المستحيل وقفه. تحاول الكتيبتان الإيطالية والهولندية أن تقدما المساعدة، لكن ليس بمقدورهما أن تقدّما سوى القليل جداً). لقد أصبح نهب الآثار صناعة مزدهرة قائمة بحد ذاتها، ففي مدن مثل السماوة والناصرية هناك سائقو الشاحنات يأخذون مجموعات من الأشخاص إلى مواقع الآثار في الصباح الباكر ثم يعيدونهم ما بعد الظهر. بإمكان قوات الاحتلال الأمريكية والأجنبية أن توقف النهب إذا ما صادرت أو دمّرت الشاحنات التي تحمل اللصوص إلى ومن المواقع الأثرية. يقول جيبسون إن (تحسناً طفيفاً) جرى في الأشهر الأخيرة عقب نشر دائرة الآثار مجموعات من الحرس في الأماكن الرئيسية من المواقع. بدأ النهب، ومازال جارياً حتى الساعة، في نفس اليوم الذي عبرت فيه قوات الاحتلال الأمريكية الحدود من الكويت إلى العراق في 21 آذار 2003، بدأ الفلاحون بسرعة يحفرون لصالح تجار الآثار المحليين الذين دخلوا في تجارة الآثار في أعقاب غزو الولايات المتحدة للعراق عام 1991. منذ ذلك الحين، كان هناك نهب ضئيل، أو ما يمكن أن نسميه (نهب بالقطّارة) للآثار العراقية، لأنه في ظل النظام السابق كانت الآثار مُصانة ومحمية بشكل جيد لأن رئيس النظام السابق كان يريد أن يربط نفسه والعراق الذي يحكمه بعراق الماضي القوي. وهكذا فقد كانت سرقة الآثار عقوبتها الإعدام. يقول جيبسون (الآن العراق، هذا البلد الذي كان لديه أفضل سجل في السيطرة على الآثار والحفاظ عليها، بات فريسة للصوص، وتجار الآثار). وقد تزامن النهب مع ازدهار السوق العالمية لتجارة الآثار بعد أن شهدت هبوطاً أواخر سنوات الثمانينات. وقد وصل الاهتمام بالآثار العراقية إلى أوجه عقب بيع مجموعة (إيرلنماير) التي تم جمعها بصورة قانونية في العشرينات والثلاثينات، في أربعة مزادات منفصلة، كان هناك فرق كبير في أسعار آثار بلاد ما بين النهرين، فمثلاً ختم أسطواني باعه تاجر بخمس مائة دولار، وصل سعره في المزاد إلى 15.000 دولار. لكن يجب أن ننتبه فهذه ليست القاعدة، فتجار الآثار في العراق يعرفون قيمة الآثار جيداً، فلديهم فهرس مصوّر ويعرفون الأسعار.
- يقول جيبسون - (خلال الستين يوماً الأولى من الاحتلال الأمريكي كان هناك بين 200 إلى 300 شخص ممن يعملون لصالح تجّار الآثار يحفرون في الموقع من جديد، ويواصل: ما إن حلّ ايلول 2003 حتى كان أكثر من نصف المواقع الأثرية العراقية قد دُمِّرت، ومنذ ذلك الحين خسرنا أغلب المواقع السومرية الرئيسية، باستثناء موقعي أور، وأوروك نجيا من التدمير، لقد حفر اللصوص في المواقع الأخرى بطرق وحشية وسيئة للغاية، فالمواقع العراقية الآن تشبه الغربال الممزّق من كثرة الثقوب والحفر. لا يوجد موقع أثري واحد جنوبي بغداد قد سَلِمَ من التخريب، بعد ذلك توجّه اللصوص نحو الشمال، لا نعرف ماذا يحصل الآن على وجه التحديد في المحافظات العراقية).
وقال جيبسون: (السلطات العراقية تقول إن الأمور تتحسن، لكن الامر على غير ذلك فوضع المتحف العراقي لا يزال محفوفاً بالمخاطر).
و يقول جيبسون: (المتحف حتى الساعة لا يملك جرداً نهائياً لما تم فقدانه فمحتويات واحدة من أهم غرف الخزن لم يتم تصنيفها ولا فهرستها حتى الآن). ويواصل جيبسون: هذه الغرفة اقتحمت خلال عملية النهب التي جرت بين 9 و13 نيسان عندما احتلت بغداد. المواد المخزونة فيها وُضِعَت بترتيب على رفوف خصصت كل مجموعة منها لمكتشفات معينة. تم التعرف على القطع التي نُهِبت من الغرفة بواسطة وثائق الحفر. عندما دخل اللصوص إلى الغرفة، كنسوا المواد الأثرية من الرفوف كنساً. الكثير من القطع الأثرية إما كُسٍرَت أو سُحِقَت، والكثير منها كان مبعثراً على الأرض. هذه الغرفة ستحتاج إلى وقت أطول من غيرها لإجراء عملية الفهرسة.
يقول جيبسون: (ما لا يقل عن 15.000 قطعة أثرية قد فُقِدَت، استعيد منها 5000 فقط) ويختتم جيبسون بالقول: لكن التدفق الجاري حالياً للقطع الأثرية من المواقع إلى خارج العراق يجعل ما فُقد من المتحف العراقي ضئيلاً جداً. لم نخسر القطعة الأثرية بحد ذاتها فحسب... لقد خسرنا فحوى هذه القطع... والقرينة التي تقدمها... وسياق الكلام الذي تحمله... والبيئة التي عاشت فيها... والمحيط الذي صنعها... لقد خسرنا 80 % من المعلومات التي تقدمها كل قطعة أثرية عن المجتمعات التي أنتجتها... لقد خسر العراق وما زال يخسر حتى الساعة ثقافته وحضارته وثروته.
فلا أحد يرغب في التوجه إلى مواقع ليرى حفراً في أرض تحولت إلى أشبه ما يكون بالغربال!.