خنساء العراق   عدد القراء : 1393   .

في صباحٍ دموي كما هو المعتاد في صباحات بغداد الحزينة بعدما دخلتها قوات الاحتلال تابعت مسيري بين الكتل الكونكريتية والطرق المغلقة لعلي اصل الى محل عملي بالوقت المحدد.
وبينما انا في طريقي وجدنا قوات الاحتلال قد قطعت الطريق وتساندها بذلك قوات الحرس الوطني، ترجلت من السيارة ووقفت استطلع الامر كان شباب الحي متجمهرين حول القوات فسألت احدهم ماذا يحدث؟ فأجاب:
انه بيت يضم ستة من الارهابيين قامت القوات الامريكية بمداهمته وما كاد ان يكمل حتى قاطعه زميل له قائلاً:
لا انهم مجاهدون، انهم اناس آمنون في دارهم وقد وصلت وشاية الى هذه القوات المحتلة فجاءت ليلاً وطرقوا باب هؤلاء على طريقتهم الخاصة والمعهودة فقد قاموا بالقاء قنابل صوتية وأحاطوا بالبيت من كل جانب وقاموا باطلاق الرصاص عشوائياً فما كان من هؤلاء الشباب الستة الا ان قاوموهم وواجهوهم واستمرت المواجهة بينهم لثلاث ساعات متواصلة كبّدوا الامريكان فيها خسائر فادحة فقد اصابوا طائرة واحرقوا همراً وقتلوا جنوداً واصابوا اخرين فقد رأيت بعيني طائرة وهي تنقل الجرحى انها معركة حقيقية، مائة جندي مقابل ستة من الشباب.
فقلت في نفسي فعلاً انها معركة حقيقية فاذا قيست بالقوانين الدنيوية فالمعركة غير متكافئة ولكن الايمان يفعل فعله انهم فتية امنوا بربهم وأمنوا بقضيتهم فدافعوا عنها وعن دينهم وشرفهم وقاتلوا قتال الابطال انهم ستة رجال بمواجهة هذا الطاغوت بعدته وعتاده المتطور انهم رجال صدقوا مع الله فزادهم الله تشريفاً رجال تركوا الحياة وزخرفها وشدوا رحالهم الى الجنان على ظهر سنام الاسلام وذروته. بعد ان استجليت الموقف من الناس المتحلقين حول هذه القوات رجعت الى نفسي وتذكرت حديثا لرسول الله صلى الله عليه وسلم ((لا يزال الجهاد حلواً خضراً ما قطر المطر من السماء وسيأتي على الناس زمان يقول فيه قراء منهم ليس هذا بزمان جهاد فمن ادرك ذلك فنعم زمان الجهاد. قالوا يا رسول الله أو أحد يقول ذلك؟ قال نعم من لعنه الله والملائكة والناس اجمعون)).
وبينما تعتمل بداخلي هذه الافكار وتتداخل فيما بينها المشاهد واذا بي اقف امام امرأة هي ام لواحدٍ من هؤلاء الستة فسألتني:
كيف حالك يا ولدي؟ فاجبتها أهلا خالة لماذا انت هنا؟
قالت: لان ابا الخطاب استشهد مع هؤلاء الابطال ليلة امس.
وهنا زادت دهشتي بهذا الموقف فبعد هذا الموقف البطولي منهم تجاه هذه المواجهة يكون احدهم رابع أولاد هذه الام التي اطلقت عليها ((خنساء العراق)) في زمن طغت على الكثير من الناس الحياة المادية والركون الى الدنيا.
وقفت امامها متسائلاً من دون ان انبس ببنت شفه فعرفت سؤالي وقالت: الحمد لله الذي شرّفني باستشهادهم واحسبهم وادخرهم عند الله شهداء وادعوا الله ان يجمعني بهم في جنة الخلد فقلت لها:
هنيئاً يا أم الابطال وهنيئاً لهم بما نالوا من رضوان الله فستبقى صورهم شاهداً حياً في ضمير العراق ونبراساً يضيء طريق امتنا ووفاءً مني لأبي الخطاب ان اذكره للناس ليكون قدوة يقتدون بها.
رحم الله ابا الخطاب واسكنه فسيح جناته فقد كان كثيراً ما يردد هذه الابيات
بدمي أسطر قصتي وجهادي
      ودليل صدقي عدتي وعتادي
طلع الصباح وساحتي مملوءة
        بالمعتدين وزمرة الاوغاد
طلقات رشاشي بليل دامسٍ
     احلى من البسمات في الاعياد
وبعد هذه الابيات قفلت راجعاً الى بيتي وكتبت قصتي هذه لتكون نبراساً لجيل المؤمنين.