| قصة قصيرة / المعاش   عدد القراء : 1470   . اليوم يتوقف قطار حياته، وتنتهي معه متاعبه وآلامه، ورحلة البحث عن الذات والزاد. سيودع ذكرياته حلوها ومرها، ويودع كرسيه ومكتبه، ويترك ادراجه مفتوحة للمرة الاولى. سيفارق حوائط حجرته الرمادية اللون، المنسوجة بالعناكب. شاهد عيان على صبره وصموده.. يودع زملاءه الوداع الاخير. وتنهمر دموع حارة بريئة، ودموع اخرى مزيفة. ويمصمص بعضهم شفتيه، ويتمنى آخرون حياة جديدة هادئة. ودعاء بالتوفيق من القلوب البيضاء. اما الدعوات الملعونة بالذهاب بلا رجعة فيقيناً له نصيب منها من القلوب الملونة. ولكنهم جميعاً زملاء، وشركاء رحلة العمر المهنية. اربعون عاماً من الكفاح والعمل المتواصل، لم يهن، ولم يئن، ولم يشكو لاحد علته، وقسوة أيامه، واليوم يتسلم ورقة ممهورة بكلمات شكر مستهلكة، ومعاشاً هو كل أمله في تحسين شؤون حياته، ومكافأة قالت عنها قوانينهم ولوائحهم انها تقرر حسب الدرجات والرتب وفصيلة الدم. وليس حسب المزايا الخلقية او المهارية او....!. كان مبكراً على غير العادة.. تتملكه أحاسيس غامضة، ومشاعر مختلطة من الشعور بالنهاية والبداية، والخلاص والميلاد. ولكن ايمانه بالله وعزمه الذي لا يلين زاده صبراً على صبره، ورسما على شفتيه ابتسامة متواضعة من الرضا والتفاؤل. اعتمد على الكريم، يسير بخطى هادئة متمهلة، قاصداً موقف الاتوبيس. وكان اثناء سيره ينظر الى اي شيء وكل شيء. كان يتأمل الناس والشوارع، والبيوت والحوانيت. كمن لديه شعور بانه لن يسير في تلك الطرق مرة اخرى، ولن يرى تلك الوجوه المألوفة، المجهولة من أصدقاء الطريق. كان يودع أشياء يراها للمرة الاولى. وأتته فكرة عفوية، شرع في تنفيذها على الفور، بتلقائية وبشاشة. فتقدم لكل من لقيه، ومد يده بالسلام والاحضان، سؤال عن الصحة والاحوال، ووداع مشحون بالدعوات الطيبة، حتى النساء كان لهن نصيب من سلام اللقيا وتحية الوداع أيضاً. والغريب أن كثيراً ممن قابلهم قد بادلوه السلام والتحية بتلقائية غير متكلفة. ومنهم من كان رد فعله بطيئاً، ولكنهم أيضاً مدوا أيديهم، ورددوا معه تحية الوداع بابتسامة مبهمة..! ولكنه لم يسلم من تعليقات بعضهم الساخرة والمتعاطفة، وخاصة النساء، فاحداهن فرت صارخة من أمامه وقد حسبته مجنوناً!! وأخرى خافت على نفسها من الاختطاف!! أما من ضحك بمرارة، وتعجب من قدر الزمان، فهو كل من شاهده من بعيد أو من إقترب منه. ما زال في طريقه يتشبع من رؤية كل ما تقع عليه عيناه. فاليوم.. واليوم فقط، شعر بنبض الاشياء، وبأشكالها، وحركة الناس وأصواتهم، وكأنه يرى ويشعر ويسمع للمرة الاولى في حياته. كانت الاتوبيسات تمرق أمامه، فيجدها بيوتاً داكنة الحمرة ذات نوافذ معتمة، تطل منها وجوه شاردة، متجهمة، لها نظرات مجهولة المعنى والقصد. اما داخل تلك البيوت المتحركة فذاك العذاب الدنيوي. أنفاس لاهثة.. أفواه برائحة طعامها.. عطور رديئة وصارخة.. أجساد مترهلة ومتصلبة.. سيقان بشرية تنوء بحمل هياكل شاحبة.. مجتمع متكامل محشور كيفما اتفق. لتظنهم أسرة واحدة مسها الفزع. فتداخلوا، وتلاصقوا ملتحمين ببعضهم البعض. صعد لا ارادياً. تدفعه ايادي الاخرين المتعجلين ترك جسده يتحرك بين الاجساد المتأرجحة. بلا مقاومة.. بلا جهد.. تحامل بجسده على الاكتاف المتلاصقة كي يحصل على حيز للوقوف معتدلاً. استعاد نفسه لحظة. فكر في يومه الاخير (آه.. كم ستكون المكافأة؟.. جهاز البنت.. مصاريف المدرسة.. طرحة لأم العيال.. كيلو لحمة من الجزار.. بطانية لاجل الشتاء.. الكمبيالة الاخيرة) لم يحتمل الوقوف. عاودته الآم المفاصل. زاغت عيناه من البحث عن مقعد (يا رب ماذا حدث للناس؟ اين احترام كبار السن والشيوخ كما هو مكتوب؟ آه يا زمن! وآه من هذا المكتوب! هانت الشيخوخة. ورخصت السنون!) ارتفع صراخ آلامه، ولم تتعد شفتيه. فلم يعد أحد يشعر بأحد..!!! خارت قواه.. ترك جسده.. تبسم بمرارة. سيصافحه المدير العام شخصياً، ويشد على يديه، ويمتدح أمانته ونزاهته واخلاصه في عمله. ويتمنى له حياة سعيدة. وربما اعطاه مكافاة شخصية.. ربما!! وقعت يداه على امرأة عجوز معتصرة بين الاجساد. رمقته بنظرة عتاب خاطفة.. تذكر أمه ودعواتها المتواصلة الصادقة (ربنا يفتح عليك يا ولدي. ويوسع في رزقك ويطول عمرك) (آه يا أمي في زمن النسيان تركوني. ونسيتك. ونسيت أمنية عمرك وحلم شيخوختك. فأنا مثلك يا أماه.. مشتاق ومتعطش لزيارة قبر الحبيب المصطفى عليه الصلاة والسلام). تزحزح جسد كان يلاصقه. استطاع ان يلف جسده الضئيل برفق.. بحث عن شيء يتكئ عليه.. فشل.. اشتد صراخ الآمه.. آهات خرساء.. آلام الروماتيزم تنخر في عظامه كالسوس الاعمى (كم ستكون المكافأة؟ جهاز البنت.. مصاريف المدرسة.. طرحة لأم العيال.. كيلو لحمة من الجزار.. بطانية لاجل الشتاء.. الكمبيالة الاخيرة) بدأ الدم الساخن يهرب من عروقه، رويداً رويداً فقد الاحساس بالألم بعدما تخدر بدنه تماما. حملق في الوجوه المحيطة به وتحجرت عيناه.. ارتخت يداه الواهيتان.. قفز الى وعيه المحتضر. محضر تسليم العهدة. الدفتر ذو الجلدة الزرقاء.. أمين المخازن وتلفيقاته القانونية.. أذونات صرف.. معدات.. مكاتب.. أقلام رصاص.. المدير العام شخصياً. ولكن ليس لتوديعه هذه المرة!! (لقد أتى يومي.. استرها يا ستار.. وماذا افعل في عجز العهدة الموروث؟ عهدة من لا عهد لهم ولا ضمير..). انتابته رعدة فزع. تلتها نوبات من اليقظة المتوجسة. تراءت له الاجساد المتلاحمة كآلاف من الموتى محشورين داخل قبر معتم. تاهت نظراته بين المعاني والاشكال. اشياء داخله تحتضر. تنهش جسده. تعصر قلبه.. تصرخ في صمت. تنادي الحياة.. تنتظر المكافأة. أنين يتصاعد من الاعماق: كم ستكون المكافأة؟ وكم سيكون المعاش؟.. جهاز البنت.. المدرسة.. طرحة.. الشتاء..!! تهاوى في سكون.. سقط بين الاقدام.. التفت حوله أجساد متعجبة.. خنقت روحه أنفاس متطفلة.. صوت يخرج من بين الأصوات: لا حول ولا قوة الا بالله. الرجل كان واقفاً كالأسد. |