| قضية الظلم   عدد القراء : 1592   . حول التعذيب لا شك ان صور التعذيب وألوانه وأهواله التي تعرض ويتعرض لها الشباب المسلم لو عرضت على الناس في فيلم مرئي ومسموع - لأصيب معظم المشاهدين بالذهول وبالامراض العصبية لمجرد المشاهدة فما بال الحقيقة والواقع؟!. أذكر اني استدعيت مرة لأخذ أقوالي كشاهد اثبات بوقوع تعذيب لأحد الاخوة كان قد قدم بلاغاً للنائب العام بهذا الخصوص - عندما سُمح بتقديم مثل هذه البلاغات، وعند أخذ اقوالي، طلب مني المحقق أن اقسم بالله ان اقول الحق، فقلت: أقسم بالله ان اقول الحق ولو انني لن أقول الحق. فدهش المحقق وسألني: وكيف ذلك؟ قلت: ان ما حدث من ايذاء وتعذيب لا يمكن ان يوصف على حقيقته بعبارات او الفاظ أقولها، فمهما حاولت أن اوصف فلن يكون الحق، وأكون بذلك قد بخست الذين قاموا بالتعذيب عبقريتهم وفنهم في التعذيب وما أدوه لاسيادهم من واجب.. ثم قلت للمحقق: بدل ان تجهدوا أنفسكم بالتحقيق، لاثبات ان فلاناً عذبه فلان وترك التعذيب أثاراً على جسده أثبتها الطبيب الشرعي الى اخر ذلك، فلعل الاسهل والاوفر في الجهد ان تقوموا بأثبات ان فلاناً او فلاناً من الآلآف الذين اعتقلوا لم يتعرض للتعذيب، فالتعذيب كان جماعيا لم ينجُ منه أحد، ثم ان صوره كانت متعددة، وربما كان الضرب أخف من بعضها بكثير، في يد المحقق امام هذا المنطق ولم يستطع ان يرد او ينكر على هذا القول. ان الاماكن المختارة للتعذيب بعيدة عن سمع الناس وبصرهم ولكنها تحت سمع الله وبصره وما يحدث فيها من تعذيب متجدد الالوان وممتد الزمن دون توقف ولا تخفيف، وهذا الصراخ المتعالي من المعذبين و المختلط بذكر الله والشكوى اليه والسب والالفاظ البذيئة من افواه الجند المعذبين.. والشباب مقيد بالاغلال، معصوب العينين لا يدري متى واين يأتيه العذاب والتعذيب، وكلما اراد ان يبتعد عن مصدر التعذيب لا يستطيع وقد حرم شربة ماء فضلاً عن الطعام، كل هذه الصور وغيرها مما لا يوصف بكلمات يتبدل أثره على نفس المؤمن حينما يقرأ في القرآن عن مصير الظالمين والمظلومين في الاخرة، عن حال المعذَّبين والمعذبات.. وها هي آيات قليلة من كثير تصف لنا هذا الحال: ((يَوْمَ يَغْشَاهُمْ الْعَذَابُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ وَيَقُولُ ذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ)). ((هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِنْ نَارٍ يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُءُوسِهِمْ الْحَمِيمُ * يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ * وَلَهُمْ مَقَامِعُ مِنْ حَدِيدٍ * كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيهَا وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ * إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ * وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنْ الْقَوْلِ وَهُدُوا إِلَى صِرَاطِ الْحَمِيدِ)). أحاديث حول الظلم والظالمين: * عن جابر ابن عمر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا يزال المؤمن في فسحة من دينه ما لم يصب دماً حراماً). فكم من أخوتنا المؤمنين لقوا الله شهداء تحت التعذيب، و بالرصاص وعلى اعواد المشانق، ومن نسفت عليهم البيوت، من دفنوا أحياء، فيا ويل الظالمين!. * وعن جابر بن عبد الله رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( من لا يرحم الناس لا يرحمه الله). * عن هشام بن حكيم بن حزام ضي الله عنه أنه مرَّ بالشام على أناس من الاقباط وقد أقيموا في الشمس وصب على رؤوسهم الزيت، فقال ما هذا؟ قيل: يعذبون في الخراج.. وفي رواية حبسوا في الجزية فقال هشام اشهد اني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (ان الله يعذب الذين يعذبون الناس في الدنيا) فدخل على الامير فحدثه، فامر بهم فخلوا. * وعن ابي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من كانت عنده مظلمة لأخيه من عرضه أو من شيء فليتحلله منه اليوم قبل ان لا يكون دينار ولا درهم، ان كان له عمل صالح اخذ منه بقدر مظلمته، وان لم يكن له حسنات اخذ من سيئات صاحبه فحمل عليه). ولا بد للظلم من نهاية نعم، لا بد من نهاية، فدوام الحال من المحال، ولكنه الامتحان من الله لعباده المؤمنين، ووعد الله للمستضعفين المظلومين من عباده المؤمنين بالنصر وعد الحق فقد قال تعالى : ((أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ * الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ)). ((وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمْ الْوَارِثِينَ * وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الأَرْضِ وَنُرِي فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ)). وقديماً خاطب موسى قومه وهم يتعرضون للعذاب ((قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا إِنَّ الأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ * قَالُوا أُوذِينَا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَأْتِيَنَا وَمِنْ بَعْدِ مَا جِئْتَنَا قَالَ عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الأَرْضِ فَيَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ)). وكانت النتيجة ان اغرق الله فرعون وجنوده في البحر ونجى موسى وقومه وفي عصرنا نرى نهاية الظالمين وتبقى دعوة الله في نماء واتساع والامل كبير ان ينتهي الظلم ومعه الظالمون، حينئذ يقال: ((فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ)). ثم ان الاسلام يطالب بدفع الظلم عن أنفسهم وعن اخوانهم، لا يرضى لهم الذل والهوان والاستضعاف، ولكن يريد لهم العزة والقوة والسيادة، ((وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لا يَعْلَمُونَ)). ومن صفات المؤمنين: ((وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمْ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ)) . ويعتبر الذين يرضون بالذل والاستضعاف بما يعرضهم للفتنة في دينهم ظالمين لأنفسهم، ((إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمْ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُوْلَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا)). ويحث المسلمين على قتال الكافرين والظالمين الذين يظلمون اخوانهم المسلمين، ((وَمَا لَكُمْ لا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنْ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَل لَنَا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا وَاجْعَل لَنَا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيرًا)). ومع ذلك فباب التوبة مفتوح: فالله تعالى يقول: ((إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ)). حقا ان الامر متعلق بمشيئة الله ان شاء غفر وان شاء عذب، وقال تعالى: ((قُلْ يَاعِبَادِي الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ)). ويقول: ((فَمَنْ تَابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ)). وحتى الذين فتنوا المؤمنين، فباب التوبة مفتوح لهم، ويفهم ذلك من قول الله تعالى: ((إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ)). فهلا سارع العقلاء من الظالمين وجندهم الى هذا الباب المفتوح أمامهم قبل ان يغلق قبيل الموت الذي ياتي بغتة، فيقلعوا عن الظلم، ويردوا المظالم و يعملوا صالحاً مستغفرين الله، عسى الله ان يقبل توبتهم ويحسن خاتمتهم فاننا نحب الخير للناس كل الناس: بأن يرجعوا الى الله ويلتزموا بشرع الله ونكل امر الظالمين الى الله في قبول توبتهم من عدمه. |