| بعض قواعد الدعوة في الإسلام   عدد القراء : 2166   . لم يكن الاسلام في يوم من الايام يدور حول محور واحد انما تنوعت محاوره وتعددت ليكون ديناً شمولياً، واسعاً مرناً قادراً على استيعاب الحياة بكل شؤونها ومرافقها وجزئياتها وحيثياتها، وهذه الشمولية هي التي اكسبته رداءه العالمي الذي يصلح لكل زمان ومكان وجنس ومن اهم محاوره: أولا: المحور الدعوي وهو رافد عظيم من روافد الدين اذ لا يمكن للدين أن تقوم له قائمة أو تدوم له دائمة الا بدعاة مخلصين مؤمنين بقضيتهم عاملين لله تعالى، داعين الى الخير والفضيلة التي بعث بها النبي صلى الله عليه وسلم وهؤلاء هم ورثة الانبياء اذا تخلقوا بما تخلق به العلماء والدعاة الى الله تعالى من العلم النافع والعمل الصالح والحكمة والأناة والصبر والخلق الرفيع، وبهذه الصفات يصلح المرء أن يكون داعية للاسلام فان تخلف شرط من الشروط يخل ذلك بنجاح دعوته أولا ويخل بتحقيق مرضاة الله تعالى، فكل داعية عليه أن يتدبر آيات معينات من كتاب الله تعالى تعينه على دعوته والدوام عليها. * أولها قوله تعالى: ((قل هذه سبيلي أدعو الى الله على بصيرة)) والبصيرة هي العلم بما يدعى اليه فلا يجوز للمرء أن ينصِّب نفسه داعية الى الله تعالى وهو جاهل بما يدعو اليه. وثانيها: قوله تعالى: (( فاصبر كما صبر أولوا العزم من الرسل)) فلا يكون الداعية ناجحاً في دعوته من غير صبر على ما يدعوا اليه، فاذا آمن الداعية بأنه يدعو الى الحق فلا بد للحق من صابر عليه ليبلغ الحق غايته ولذلك قرن الله تعالى بين الحق والصبر في سورة العصر حين قال الله تعالى: ((وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر)) وهما أمران متلازمان لعلو الحق وظهوره فالحق بلا صبر يعلو ولا يظهر، والصبر على غير الحق لا ينتج ولا يثمر فكم من صابر على الباطل ضاع صبره سدى في الدنيا والاخرة. وثالثها: قوله تعالى: ((وانك لعلى خلق عظيم)) وهو وصف لأخلاق سيد الدعاة محمد صلى الله عليه وسلم، فلا بد لكل مدعٍ انه داعية من اتباع النبي صلى الله عليه وسلم ان يكون ذا خلق عظيم لان الله تعالى قال: ((لقد كان لكم في رسول الله اسوة حسنة)). فكل من يتأسى بالنبي صلى الله عليه وسلم يجب ان يتصف بالاخلاق الفاضلة والسمت الحسن والسمعة الطيبة والشمائل الكريمة وان لم يكن كذلك فهو مشوه لسمعة الاسلام والمسلمين وخارج عن سنة سيد المرسلين محمد صلى الله عليه وسلم، ومع الاسف الشديد رأينا وسمعنا عن اناس يدعون انهم دعاة ولكنهم تعلموا الدين والدعوة من غير اخلاق؟! فلا ترى عليهم سمت الصالحين ولا اخلاق المتقين ولا سلوك السالكين طريق الخير والحق المبين ودعوة الايلام من هؤلاء براء والانبياء والدعاة منهم براء فلا خير في دعوة لم تسكب بوعاء الاخلاق الفاضلة والسمت الحسن ولا خير في داعية خرم مروءته بخوارم الكذب والخيانة والغدر وشهادة الزور وجعل الدنيا اكبر همه ومبلغ علمه، وشد الرحال الى حب السمعة والشهرة والصدارة والمال والجاه والتميز على الاقران، لا يحترم عالماً لعلمه ولا كبيراً لكبره ولا فاضلاً لفضله ولا عاملاً مخلصاً لاخلاصه، يتجرأ على الله بالفتيا بغير علم، ويتقول على الله ورسوله صلى الله عليه وسلم من غير برهان ولا هدى ولا كتاب منير ((ثَانِيَ عِطْفِهِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَنُذِيقُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَذَابَ الْحَرِيقِ * ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلامٍ لِلْعَبِيدِ)). ورابعها: قوله تعالى: ((فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنْ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ )) فالداعية الى الله تعالى يجب ان تكون هيناً ليناً سهلاً بسيطاً متواضعاً يتجنب اسباب صدود الناس عنه وعن الحق الذي يدعو اليه وهما سببان رئيسيان: الاول: متعلق باللسان. والثاني متعلق بالقلب، فاما السبب المتعلق باللسان فهو الفضاضة في القول والفضاضة هي الخشونة في المنطق والرعونة في الحوار والسلاطة في الامر بالمعروف والنهي عن المنكر واستخدام الالفاظ النابية البعيدة عن الادب والذوق الرفيع. فكلما كان الداعية سهل المنطق حلو اللسان عذب الالفاظ كان الناس ارغب في دعوته واكثر التزاما بأمره واجتناباً لنهيه عن المنكر. واما السبب المتعلق بالقلب فهو الغلظة والقسوة من غير رقة او رحمة او شفقة على المدعو، فقلب الداعية يجب ان يكون حنوناً شفافاً، رقيقاً، رحيماً، شفوقاً، منكسراً ليرى المدعو كيف رق قلب الداعية له فهو يقطر خيراً وبركة وبشرى لمن يدعوه وهذه الرقة والشفقة والرأفة على المدعو هي امتداد للرحمة التي بُعث بها النبي محمد صلى الله عليه وسلم كما قال الله تعالى: ((وما أرسلناك الا رحمة للعالمين)) فالدعاة الى الله تعالى يجب ان يكونوا جزءاً من هذه الرحمة التي يجب ان تفيض على المدعو من قلب الداعية ومن لسانه ومن يديه فلا يرى المدعو من الداعية الا الرحمة والعطف والشفقة والرأفة. وخامسها: قوله تعالى: ((ادع الى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي احسن))، فهذا امر من الله تعالى بان تكون الدعوة الى الله تعالى محاطة بالحكمة والرشد والاناة والتعقل والحلم، بعيداً عن الطيش والحمق والسفاهة والتهور واللامبالاة، وكذلك يجب ان تكون الموعظة حسنة لا سيئة، طيبة لا خبيثة، نافعة لا ضارة، بانية لا هادمة، معمرة لا مخربة. وكذلك الجدال، يجب ان يكون بالتي هي احسن من الاقوال والالفاظ والمنطق الجميل، وبالحجة والبيان الواضح بعيداً عن التكلف والتشدق والتفيهق. وسادسها: قوله تعالى: ((لقد جاءكم رسول من انفسكم عزيز عليه ما عنتم حريصٌ عليكم بالمؤمنين رؤوف رحيم)). وهذه الآية من الآيات الجامعة للخير والبركة والفضل الذي منّ الله تعالى به على المؤمنين ببعثة رسول الله صلى الله عليه وسلم واول الفضل من الله تعالى قوله جل وعلا واصفاً رسوله محمداً صلى الله عليه وسلم ((عزيز عليه ما عنتم)) اي يعز عليه ويشق عليه صلى الله عليه وسلم ما يشق على امته من العنت وهو المشقة والضنك والضيق والعسر، ولان عسر الامة وعنتها وضيقها يشق عليه صلى الله عليه وسلم من الله تعالى على امته ما لم يمنه على امة من الامم، فهي امة مرحومة مخفف عنها كثير مما ثقل على الامم قبلها يبين ذلك قوله تعالى في خواتيم سورة البقرة التي أوتيها رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يؤتها نبي قبله حيث قال تعالى: ((ربنا لا تؤاخذنا ان نسينا او اخطأنا)) جاء في الحديث القدسي الصحيح ان الله تعالى يقول اذا قرأ المسلم هذه الآية ((قد فعلت)) وقوله تعالى ((ربنا ولا تحمل علينا اصراً كما حملته على الذين من قبلنا)) يقول الله ((قد فعلت))وقوله تعالى ((ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به)) يقول الله: ((قد فعلت)) وقوله تعالى ((واعف عنا واغفر لنا وارحمنا انت مولانا فانصرنا على القوم الكافرين)) يقول الله تعالى: ((قد فعلت)) وهذا كله من فضل الله تعالى على هذه الامة ببركة النبي محمد صلى الله عليه وسلم الذي يشق عليه عنت امته وضيقها. فالشاهد هنا قوله تعالى: ((عزيز عليه ما عنتم)) فهذه الآية دليل على ان الداعية يجب عليه تجنب ما يشق على الامة ويضيق ما وسعه الله تعالى عليها ويدل على هذا المعنى قوله صلى الله عليه وسلم : (بشروا ولا تنفروا ويسروا ولا تعسروا) ويدل عليه قول الصديقة عائشة رضي الله عنها: (ما خُير رسول الله صلى الله عليه وسلم بين امرين الا اختار ايسرهما ما لم يكن اثماً) وقولها: (ما لم يكن اثماً) هو ضابط عظيم ومهم لقضية التيسير، فطالما الامر لن يدخل في حيز الحرام القطعي في دلالته وثبوته فالامر فيه سعة ان شاء الله تعالى فالداعية الى الله تعالى يجب ان يضيق ما ضيقه الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم بالادلة القطعية وان يوسع ما وسعه الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم فاذا صار التضييق في امر واسع او التوسعة في امر ضيق فهذا سبب عظيم من اسباب وقوع الامة في العنت الذي يعز على رسول الله صلى الله عليه وسلم. وثاني الفضل من الله تعالى على هذه الامة في قوله جل وعلا: ((حريص عليكم)) فالنبي صلى الله عليه وسلم كان حريصا على اصحابه وامته من ان يرتد احد عن دينه او ان يدخل احد النار او ان يحرم احد دخول الجنة ولهذا السبب لم يُدعْ رسول الله صلى الله عليه وسلم خيراً الا ودل امته عليه ولا شراً الا وحذر امته منه وذلك من شدة حرصه على امته من ان يفوتها خير الدنيا والاخرة او ان يصيبها شر في الدنيا والاخرة وكذلك الدعاة يجب ان يحرصوا على هداية الناس وانقاذهم من النار وادخالهم الجنة فاذا رأى المدعو حرص الداعية عليه ولم يكن ذا مقصد دنيوي من مالٍ او جاه او شهرة وصدارة كان ذلك دافعاً كبيراً لاستقبال الحق من الداعية والانصات بالاذن والقلب، اما اذا رأى المدعو ان الداعية ليس حريصا عليه وعلى هدايته، انما هو قوله من لسانه يريد بها ان يظهر للناس انه ذو علم ومعرفة وانه افضل منهم واعلم منهم فهذا والله هو عارض خطير من عوارض عدم قبول الحق والصواب ولا بد من اظهار الحرص والحرقة والجدية في دعوة الناس الى الله تعالى، ولا بد من اشعارهم انهم مهمون عند الداعية وانه جاد في ارادة الخير لهم في الدنيا والاخرة وحينئذ يجد آذاناً صاغية وقلوباً واعية لما يقول. وثالث الفضل والمنة من الله تعالى لعباده المؤمنين هو قوله تعالى: ((وبالمؤمنين رؤوف رحيم)) وهو وصف لرسول الله تعالى بالرحمة الخاصة والرأفة الخاصة بالمؤمنين بعد الرحمة لجميع الخلق والعالمين فالرحمة العامة يدل على قوله جل وعلا: ((وما ارسلناك الا رحمة للعالمين)) واما الرحمة الخاصة فيدل عليها الشاهد في هذا المقام، فلا بد اذن من اعتبار هاتين الرحمتين في الدعوة الى الله تعالى فاذا دعونا كافراً فيجب ان نكون رحماء في دعوته ولا نجادله الا بالتي هي احسن، واما اذا دعونا مسلماً عاصياً أو منحرفاً أو ضالاً فيجب ان نكون به ارحم وأرأف لأن النبي صلى الله عليه وسلم موصوف بانه بالمؤمنين رؤوف رحيم فينبغي ان نتنبه الى ذلك في دعوتنا الى الله تعالى فلا نسوّي بين من ادخل في الرحمة العامة من الكفار والمشركين وبين من ادخل في الرحمة الخاصة من المؤمنين والمسلمين والموحدين فهؤلاء لهم من الرحمة والرأفة القدح المعلى وحصة الأسد. أنظر وتأمل.
|