| مأزق المالكي بين طهران وواشنطن   عدد القراء : 579   .
عبد الباري عطوان يقف السيد نوري المالكي رئيس وزراء العراق الجديد الذي يزور طهران حاليا امام استحقاقات ربما تكون الاصعب منذ توليه السلطة، تتمثل في محاولته اليائسة لإرضاء ايران دون ان يخسر الولايات المتحدة الامريكية في الوقت نفسه. فالخناق بدأ يضيق عليه وحلفائه، مع تزايد الضغوط الامريكية لاعتماد الاتفاقية الأمنية التي تعارضها ايران، ومعظم الفصائل والاحزاب الشيعية البارزة في العراق، لانها تضع البلاد تحت انتداب امريكي يمتد لعقود ان لم يكن لقرون قادمة. ولا بد من الاعتراف بأن السيد المالكي اجاد لعبة المناورة وكسب الوقت بشكل بارع، واثبت قدرة خارقة على البقاء في بلد تعصف به المشاكل والازمات من كل ناحية، حيث حول ضعفه، وانفضاض الكثيرين من حوله، الى احد ابرز نقاط قوته، ودون ان يحقق اي انجازات على الارض، خاصة المصالحة الوطنية، ودفع مسيرة الاعمار، وتوفير ابسط الخدمات الاساسية للمواطن العراقي وعلى رأسها الأمن، قوته ببساطة شديدة تكمن في انعدام البدائل. مساحة المناورة بدأت تنكمش، وبات الرجل عاجزا عن اللعب على حبال التناقضات الداخلية العراقية، او الاقليمية الاوسع نطاقا، وبات عليه ان يختار بين ايران حليفه القديم، وداعمه الاساسي، او الولايات المتحدة الحليف الجديد الذي سهل وصوله الى سدة الحكم. ارضاء الولايات المتحدة، يعني القبول بقواعد امريكية عسكرية دائمة (50 قاعدة) وتسليم ثروات البلاد النفطية بالكامل للشركات الامريكية العملاقة، وتمتع حوالي(150) الف جندي امريكي ومعهم نصف هذا الرقم من موظفي الشركات الأمنية بالحصانة الكاملة تجاه اي ملاحقات قضائية عراقية، وسيطرة سلطة الانتداب الامريكي الجديد على اجواء العراق ومياهه الاقليمية بالكامل. ومن المفارقة ان الجهة الوحيدة التي لا تعارض الاتفاقية الامنية الامريكية هي جبهة التوافق لانها تري فيها ضمانة للتصدي لما تسميه بالاطماع الايرانية في العراق، بينما ترفضها جميع الفصائل والاحزاب الشيعية علاوة على فصائل المقاومة الوطنية وهيئة علماء المسلمين لانها تمثل في رأيها انتقاصا فاضحا للسيادة العراقية. ورغم سوء الاتفاقية الأمنية فان لها ايجابية واحدة تتمثل في كونها فضحت جميع الاطراف المنخرطة في العملية السياسية المنبثقة عن الاحتلال الامريكي، فقد اظهرت انتهازية جبهة التوافق والمنخرطين فيها، خاصة الحزب الاسلامي، مثلما كشفت نفاق معظم الاحزاب والفصائل الشيعية الاخري، علاوة على سذاجتها السياسية. فهذه الفصائل والاحزاب التي تتباكي على السيادة العراقية حاليا، نسيت، او تناست، انها هي التي كانت حصان طروادة لاحتلال العراق وايصاله الى الوضع البائس الذي يعيشه حاليا. فالادارة الامريكية الحالية لم ترسل ربع مليون جندي الى العراق من اجل عيون الشعب العراقي، ولإحلال الديمقراطية وحفظ حقوق الانسان، فالولايات المتحدة لم تكن ابدا في تاريخها الحديث مؤسسة خيرية، وانما دولة عظمي تضع مصالحها الاستراتيجية، والاقتصادية منها على وجه الخصوص، فوق اي اعتبار آخر. فألان غريسبان وزير الخزانة الامريكي لاكثر من عشر سنوات لم يكن مجافيا للحقيقة عندما قال ان نفط العراق، والهيمنة عليه كان من العوامل الرئيسية لشن الحرب على هذا البلد، وسكوت ماكليلان الناطق باسم البيت الابيض لأكثر من ثلاث سنوات، لم يبالغ عندما قال في كتابه الأحدث ان ادارة الرئيس بوش استخدمت كل وسائل الخداع والكذب للتغطية على اهدافها الحقيقية لغزو العراق واحتلاله. الادارة الامريكية استثمرت اكثر من ستمائة مليار دولار حتى الآن في العراق، وخسرت حوالي اربعة آلاف من جنودها، علاوة على اصابة ثلاثين الفا آخرين، وهي قدمت كل هذه التضحيات من اجل السيطرة على هذا البلد، والبقاء فيه لعقود قادمة، حيث احتياطات نفطية تصل الى(350) مليار برميل، اي ضعف الاحتياطات النفطية السعودية التي تعتبر الأضخم في العالم بأسره. ونستطيع ان نعرف مدى اهمية هذه الاحتياطات مع توقع وصول سعر برميل النفط الى (150) دولارا الشهر المقبل. ومن غير المنطقي ان يتصور السيد المالكي وحلفاؤه، خاصة المجلس الاعلى بزعامة عبد العزيز الحكيم، انه يستطيع ان يتحالف مع طهران ضد المحتل الامريكي او العكس، ويبقى في سدة الحكم. فإما ان يعود الى الحضن الايراني، وينخرط في المعسكر المقاوم للاتفاقية الأمنية، او يفي بوعوده الى الذين اتوا به من المنفي على ظهور دباباتهم، ويتحول الى انطوان لحد عراقي. فالجمع بين الامريكان والايرانيين مثل من يحاول الخلط بين الزيت والماء، او بالأحرى البنزين والكبريت في اناء واحد. السيد المالكي يعيش حالة من الفانتازيا لا يعرف كيف يخرج منها، فقد كان لافتا تصريحه الذي ادلى به في طهران وقال فيه انه لن يسمح باستخدام العراق قاعدة لضرب ايران، مشيرا بشكل مباشر الى ما يتردد عن خطط امريكية في هذا الخصوص. فمثل هذا التصريح يبدو مفهوما لو ان الرجل سيد في بلاده، ويتمتع بالاستقلال الكامل، ويستند الى جيوش جرارة، واسلحة برية وجوية هي الاحدث، ولكنه لا يستطيع ان يبقي في الحكم يوما واحدا اذا غضب عليه السيد الامريكي، بل ربما لا يسمح له بالعودة الى المنطقة الخضراء التي لا يستطيع حمايتها، او حتي مغادرتها (بالامس سقطت القذائف في فناء وزارة الدفاع العراقية فيها وقتلت واصابت عدة اشخاص). القاسم المشترك بين السيد المالكي وحلفائه الامريكيين ان الطرفين باتت ايامهما معدودة في العراق، اللهم الا اذا حدثت معجزة، ونحن لسنا في زمن المعجزات لسوء حظهما. فمن الواضح ان الحلفاء ينفضون من حولهما، فالادارة الامريكية التي استخدمت الورقة الطائفية لتكريس احتلالها، باتت تدفع ثمنا باهظا لهذه المغامرة، فالطائفة الشيعية بدأت تتبادل الأدوار مع المثلث السني سابقا (تفكيك الى قوات صحوة وقوات صحوة ضد الصحوة، وضلع ثالث ما زال يقاوم ويقبض على الجمر)، وتنتقل الى خندق المقاومة تدريجيا، ودون ان تتخلى المقاومة السنية عن عدائها للاحتلال الامريكي اساسا. اما السيد المالكي فقد هجره اقرب حلفائه، السيد ابراهيم الجعفري، الذي انشق بالقسم الاكبر من حزب الدعوة، وانضم الى المعارضة. ومن هنا فإننا نرى بأن محاولة بعض الدول العربية، والخليجية منها على وجه الخصوص، اعادة فتح سفاراتها، وتعيين سفراء في بغداد، استجابة لضغوط امريكية تبدو خطوة متسرعة، وتصب في خدمة حكومة تعيش في غرفة العناية المركزة، انتظارا لرصاصة الرحمة. ونخشى ان ينطبق على هؤلاء المثل الشعبي الذي يقول يذهب الى الحج والناس راجعة.
|