قيادة الرسول (صلى الله عليه وسلم) السياسية والعسكرية   عدد القراء : 169   .


نزول الأمر بالجهاد والأمر بالهجرة إلى المدينة

الحلقة (13)

إعداد/ محمد النعيمي

الحمد لله رب العالمين ولا عدوان الا على الظالمين والصلاة والسلام على إمام المجاهدين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه ومن سار على نهجه إلى يوم الدين. وبعد..

فبعد أن مر النبي (صلى الله عليه وسلم) وأصحابه بالدعوة إلى الله تعالى بعدة مراحل منها التهجير والقتل والتعذيب والاعتقالات، لم يزل رسول الله (صلى الله عليه وسلم) والذين آمنوا معه على إصرارهم، وما زالوا يزدادون يوماً بعد آخر. حتى اجتمعوا وبايعوه على قتال أعداء الإسلام كما ذكرناه في الحلقة الماضية. واليوم سيكون كلامنا عن شروط البيعة، والإذن بالجهاد في سبيل الله.........

شروط البيعة في العقبة الاخيرة

قال ابن اسحاق، وكانت بيعة الحرب، حين اذن الله لرسوله (صلى الله عليه وسلم) في القتال بشروط سوى شرطه عليهم في العقبة الاولى والتي كانت على بيعة النساء، وذلك ان الله تعالى لم يكن اذن لرسوله (صلى الله عليه وسلم) في الحرب. فلما اذن الله له فيها، وبايعهم رسول الله (صلى الله عليه وسلم) في العقبة الاخيرة على حرب الاحمر والاسود، اخذ لنفسه واشترط على القوم لربه، وجعل لهم على الوفاء بذلك الجنة.

قال ابن اسحاق: فحدثني عبادة بن الوليد بن عبادة ابن الصامت، عن ابيه الوليد، عن جده عبادة بن الصامت، وكان احد النقباء، قال: بايعنا رسول الله (صلى الله عليه وسلم) بيعة الحرب، وكان عبادة من الاثنى عشر الذين بايعوه في العقبة الاولى على بيعة النساء-على السمع والطاعة في عسرنا ويسرنا، ومنشطنا ومكرهنا، واثره علينا، وان لا ننازع الامر اهله، وان نقول بالحق اينما كنا، ولا نخاف في الله لومة لائم.

نزول الأمر لرسول الله (صلى الله عليه وسلم) في القتال

قال ابو محمد عبد الملك بن هشام، قال: حدثنا زياد ابن عبد الله البكائيّ، عن محمد بن اسحاق المطلبي، وكان رسول الله (صلى الله عليه وسلم) قبل بيعة العقبة لم يؤذن له في الحرب ولم تحلل له الاماء، انما يأمر بالدعاء الى الله والصبر على الاذى، والصفح عن الجاهل، وكانت قريش قد اضطهدت من اتبعه من المهاجرين حتى فتنوهم عن دينهم، ونفوهم من بلادهم، فهم بين مفتون في دينه، وبين معذب في ايديهم، وبين هارب في البلاد فراراً منهم، ومنهم من بأرض الحبشة.

ومنهم من بالمدينة، وفي كل وجه، فلما عتت قريش على الله عزوجل، وردوا عليه ما ارادهم به من الكرامة، وكذبوا نبيه (صلى الله عليه وسلم)، وعذبوا ونفوا من عَبَدَه ووحّده وصدّق نبيَّه، واعتصم بدينه، اذن الله عزوجل لرسوله (صلى الله عليه وسلم) في القتال والانتصار ممن ظلمهم وبغى عليهم، فكانت اول آية انزلت في إذنه في الحرب، وإحلاله له الدماء والقتال، لمن بغى عليهم. فيما بلغني عن عروة بن الزبير وغيره من العلماء. قول الله تبارك وتعالى:(أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ، الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَن يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيراً وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ).

أي إني إنما احللت لهم القتال لانهم ظلموا، ولم يكن لهم ذنب فيما بينهم وبين الناس. إلا ان يعبدوا الله، وأنهم اذا اظهروا اقاموا الصلاة، وآتوا الزكاة، وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر. يعني النبي واصحابه (رضي الله عنهم أجمعين). ثم انزل الله تبارك وتعالى عليه (وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ) أي حتى لا يفتن مؤمن عن دينه (وَيَكُونَ الدِّينُ لِلّهِ) أي حتى يعبد الله، ولا يعبد معه غيره.

قال ابن اسحاق: فلما أذن الله تعالى له (صلى الله عليه وسلم) في الحرب، وبايعه هذا الحيُّ من الانصار على الاسلام والنصرة له ولمن اتبعه، وأوى اليهم من المسلمين، أمر رسول الله (صلى الله عليه وسلم) اصحابه من المهاجرين من قومه، ومن معه بمكة من المسلمين، بالخروج الى المدينة والهجرة اليها واللحوق باخوانهم من الانصار، وقال: ان الله عزوجل قد جعل لكم اخوانا وداراً تأمنون بها فاخرجوا ارسالاً (جماعة في إثر جماعة) وأقام رسول الله (صلى الله عليه وسلم) بمكة ينتظر ان يأذن له ربه في الخروج من مكة، والهجرة الى المدينة.

ذكر بعض المهاجرين إلى المدينة وما حل بهم

بعد أن انتهت امور البيعة من الانصار (الاوس والخزرج) لرسول الله (صلى الله عليه وسلم): أطمأن رسول الله الى أن يذهب المهاجرون الى المدينة ليجدوا المأمن والمأوى من الانصار الذين فتحوا قلوبهم قبل بيوتهم الى اخوتهم المهاجرين. عند ذلك أمر النبي (صلى الله عليه وسلم) اصحابه بالهجرة ارسالاً (اي مجموعة مجموعة) او افراداً. ومنهم من اصابه بعض المشاكل فصبروا عليها فكان اول من هاجر الى المدينة من اصحاب رسول الله (صلى الله عليه وسلم) من قريش، ابو سلمة. واسمه عبد الله، هاجر الى المدينة قبل البيعة بسنة، وكان قد قدم على رسول الله (صلى الله عليه وسلم) من ارض الحبشة فلما آذته قريش وبلغه اسلام من اسلم من الانصار، خرج الى المدينة مهاجراً. قال ابن اسحاق: فحدثني ابي اسحاق بن يسار، عن سلمة بن عبد الله بن عمر ابن ابي سلمة، عن جدته أم سلمة (زوج النبي (صلى الله عليه وسلم)) قالت: لما اجمع ابو سلمة على الخروج الى المدينة رحل لي بعيره ثم حملني عليه. وحمل معي ابني سلمة في حجري، ثم خرج بي يقود بي بعيره، فلما رأته رجال بني المغيرة قاموا اليه، فقالوا هذه نفسك غلبتنا عليها، ارأيت هذه صاحبتك (يعني زوجتك) علام نتركك تسير بها في البلاد؟ قالت: فنزعوا خطام البعير من يده، فأخذوني منه (أي اختطفوها) قالت: وغضب عند ذلك بنو عبد الاسد رهط ابي سلمة (قومه) فقالوا: لا والله، لا نترك ابننا عندها اذ نزعتموها من صاحبنا. قالت: فجاذبوني ابني سلمة حتى خلعوا يده، وانطلق به بنو عبد الاسد، وحبسني بنو عبد المغيرة عندهم، وانطلق زوجي ابو سلمة الى المدينة. قالت: ففرق بيني وبين زوجي وبين ابني قالت: فكنت اخرج كل غداة (اول النهار) فاجلس بالابطح، فما أزال ابكي، حتى امسي سنة او قريباً منها حتى مر بي رجل من بني عمي، احد بني المغيرة، فرأى ما بي فرحمني. فقال لبني المغيرة، الا تخرجون هذه المسكينة، فرقتم بينها وبين زوجها وبين ولدها، قالت: فقالوا لي: الحقي بزوجك ان شئت، قالت: ردّ بنو عبد الاسد إليّ عند ذلك ابني. قالت: فارتحلت بعيري ثم اخذت ابني  فوضعته في حجري، ثم خرجت اريد زوجي بالمدينة. قالت: وما معي احد من خلق الله. قالت: فقلت: اتبلغ بمن لقيت (اسأل من لقيت) حتى اقدم على زوجي، حتى إذا كنت بالتنعيم (وهو موضع بمكة وسرف على مسافة فرسخين من مكة والفرسخ في قياساتنا الحالية يعادل (5كم تقريباً) لقيت عثمان بن طلحة بن ابي طلحة فقال لي، الى اين يا بنت ابي امية؟ قالت: فقلت: اريد زوجي بالمدينة. قال اومعك احد؟ قالت : فقلت: لا والله، الا الله وبُني هذا. قال والله مالك من مَتْرك، فاخذ بخطام البعير، فانطلق معي يهوي بي، فوالله ما صحبت رجلاً من العرب قط، ارى انه كان اكرم منه، كان اذا بلغ المنزل (اي المكان) اناخ بي، ثم استأخر عني، حتى اذا نزلت. استأخر ببعيري، فحط عنه (أي يذهب مسافة عند نزولها وصعودها كي لايراها) ثم قيده في الشجرة، ثم تنحى عني الى شجرة فاضطجع تحتها، فإذا دنا الرواح، قام الى بعيري، فقدمه فرحله، ثم استأخر عني، وقال :اركبي، فإذا ركبت واستويت على بعيري اتى فأخذ بخطامه. فقاده، حتى ينزل بي، فلم يزل يصنع ذلك بي حتى اقدمني المدينة.

فلما نظر الى قرية بني عمرو بن عوف بقباء، قال: زوجك في هذه القرية-وكان ابو سلمة بها نازلاً- فادخليها على بركة الله، ثم انصرف راجعاً الى مكة.

فكانت تقول: والله ما اعلم اهل بيت في الاسلام اصابهم ما اصاب آل أبي سلمة. وما رأيت صاحباً قط  كان أكرم من عثمان بن طلحة (وكان على الكفر في هذه الفترة، واسلم في هدنة الحديبية وهذ هي اخلاق الرجال عند العرب. فاختار الله هذا الرجل للاسلام ليتشرف بعد ذلك بصحبة رسول الله (صلى الله عليه وسلم) وكان ذلك كما ذكرنا في هدنة الحديبية.

ونكتفي بهذا القدر وللكلام بقية في هذه السيرة الجهادية لرسول الله (صلى الله عليه وسلم) والحمد لله رب العالمين وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.