مدرسة التفسير بالمأثور- تفسير القرآن العظيم   عدد القراء : 150   .


للإمام ابن كثير

محمد الحسني

2- السنة النبوية المطهرة:

وهذا هو الركن الذي لا يقوم التفسير بأي شكل من اشكاله بدونه فقد كان الرسول (صلى الله عليه وسلم) هو الواسطة الوحيدة بين الله والناس والقرآن هو معجزته ودستوره وبرنامجه الذي اعده له الله لاصلاح الانسانية.

وقد كلفه الله سبحانه بتبليغه للناس فقال تعالى (يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ). (المائدة: 67)

وكان الرسول الكريم (صلى الله عليه وسلم) يبلغ القرآن الكريم ساعة نزوله حتى يصل الى اقصاهم.

وكان فيما ينزل قصص وعبر واحكام ونظم فكان الصحابة الكرام (رضي الله عنهم) يفهمون القصص ويعتبرون بها ولا يصعب عليهم في فهمها شيء فهي بلغتهم وعلى اساليب كلامهم تركيباً وافراداًَ ولكن القرآن يحتوي على غير اللغة العربية السائدة وهي لغة قريش وان قل من مفردات في لغات العرب الاخرى فالعرب يفهمونه جملة لان لغة قريش ملتقى اللغات حيث انها لغة اهل البيت الذي يحج اليه العرب جمعياً ولكن قد يخفى على قسم من افراد القبائل بعض المفردات التي ليست بلغتهم او قليلة الاستعمال في لغة قريش فيشرحها الرسول (صلى الله عليه وسلم) لهم اذا سألوه. هذا بشأن المفردات او التراكيب الغريبة اما الاحكام فكان (صلى الله عليه وسلم) يفسر ما جاء في القرآن الكريم تفسيراً عملياً حيث يذكر القرآن الكريم العبادة ولم يكن للمسلمين عهد سابق بها قبل الاسلام ولا قبل ان تنزل فمثلاً الصلاة لم تكن معهودة لديهم واذاً فلابد من معرفة معنى الخطاب في قوله تعالى (اقيموا الصلاة) وكذلك الزكاة والحج وجميع العبادات التي تتطلب اعمالا معينة.

وهذا التفسير ملازم للقرآن الكريم لا يستغنى عنه ابداً ولا لاحد ان يقول اني استغني عن السنة بالقرآن الكريم فقد قال (صلى الله عليه وسلم)(الا اني أوتيت الكتاب ومثله معه الا اني قد أوتيت القرآن ومثله الا يوشك رجل شبعان على اريكته يقول عليكم بهذا القرآن فما وجدتم فيه من حلال فاحلوه وما وجدتم فيه من حرام فحرموه الا لا يحل لكم لحم الحمار الاهلي ولا كل ذي ناب من السباع ولا لقطة من مال معاهد الا ان يستغني عنها صاحبها). فالسنة هي المكملة للقرآن الكريم.

وحاصل القول ان الرسول (صلى الله عليه وسلم) فسر ما احتاج اليه المسلمون من القرآن الكريم وما فهمه المسلمون لم يتعرض له الرسول (صلى الله عليه وسلم) الا اذا شعر انهم ربما فهموه على غير ما اراد الله تعالى به ولكن الرسول (صلى الله عليه وسلم) لم يفسر جميع القرآن الكريم اذ لم يكن لهم به حاجة في ذلك الوقت.

3- تفسير الصحابة الكرام (رضي الله عنهم)

الصحابة الكرام (رضي الله تعالى عنهم) هم الذين اختارهم الله تعالى لمجلس الرسول (صلى الله عليه وسلم) ولحمل رسالته وتبليغ شريعته وقد اصطفاهم لذلك ولذا فانهم كانوا نموذجاً فريداً تقتدي به الانسانية وتسير على هداه الى يوم الدين وقد وردت في فضلهم آيات كثيرة تشهد لهم بمجموعهم وهناك آيات جاءت تشهد بفضل افراد منهم ومن الآيات التي  تكلمت عن فضلهم جمعياً قوله تعالى (مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاء عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاء بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَاناً) (الفتح: 29).

وهناك آيات كثيرة تكلمت بفضلهم وصفاتهم وقد روى ابن عبد البر قوله (حدثني خلف بن قاسم قال حدثنا ابو احمد عبد الله بن محمد بن ناصح المعروف بابن المفسر الدمشقي بمصر قال حدثنا ابو بكر احمد بن علي بن سعيد القاضي قال حدثنا ابو هشام الرفاعي قال حدثنا روح بن عبادة عن سعيد بن ابي عروبة عن قتادة قوله عز وجل (وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ هُوَ الْحَقَّ) (سبأ: 6). قال:(هم اصحاب محمد (صلى الله عليه وسلم)).

سئل سعيد بن المسيب عن شيء فقال:(اختلف فيه اصحاب محمد (صلى الله عليه وسلم) ولا ارى لي معهم قولاً. قال ابن وضاح هذا هو الحق قال ابن عمر معناه ليس له ان يأتي بقول يخالفهم به). ولا يستطيع انسان ان يحصي  فضلهم ابداً.

هؤلاء الصحابة (رضي الله عنهم) اعلم الناس بالقرآن الكريم بعد رسول الله (صلى الله عليه وسلم) لانهم شاهدوا نزول الوحي وعلموا ظروف النصوص القرآنية كل على انفراد فيعلمون كل ما يحيط بالنصوص من ظروف، اضف الى ان القرآن الكريم نزل بلغتهم كما اسلفنا وعالج احوالهم التي كانوا عليها فمنها ما اخرها ومنها ما امرهم بتركها فتركوها فهم اعلم بما ابقوا وما نبذوا ولذا فان احسن الناس علماً بتفسير القرآن الكريم هم الصحابة على تفاوت بينهم فمنهم الذي برع في تفسير القرآن الكريم هم الصحابة على تفاوت بينهم فمنهم الذي برع في تفسير النصوص مطلقاً ومنهم الذي علم ما جاء في القرآن الكريم من احكام ومنهم من ادرك واستوعب ما جاء في القرآن من الفرائض، وهكذا.

هذا حالهم من الناحية العامة التي تحتمل النظر والرأي منهم ومن غيرهم وهناك ظروف احاطت بالنص القرآني لا سبيل اليها بالعقل او النظر فلا بد من النقل فيها وهي من الامور اللازمة لتفسير النص ولا يستقيم التفسير بدونها كأسباب النزول وترتيب السور والآيات وتعيين المراد في آيات الأحكام.

ومثال مما جاء في الاحكام قال تعالى (السَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُواْ أَيْدِيَهُمَا)(المائدة: 38)

فلا يستطيع احد ان يتوصل بأعمال الفكر الى أي اليدين التي تقطع وهل  يستطيع ان يعلم مقدار المال الذي تقطع من اجل سرقته اليد.

ولما كان من المستحيل التوصل بطريق الاستنتاج الى ذلك فان جاء عن الصحابي فيه شيء وان لم يقل فيه رسول الله (صلى الله عليه وسلم) فإنه يأخذ حكم المرفوع. وهكذا جميع آيات الاحكام التي جاءت عامة او مجملة او مبهمة. وهذه من المستلزمات لفهم النص ولا يمكن ان يفهم بدون العلم بها عن طريق النقل.

ثم مسألة اسباب النزول او الوقائع التي نزل النص لها فواكب حدوثها نزول الآية فحكتها وهذه مما لا غنى لاحد عنها في فهم النص القرآني.

ومثلاً آخر قوله تعالى:(لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُواْ)(المائدة: 93)، فمن غير معرفة سبب النزول تفسر هذه الآية على انها تبيح الخمر فهل يستطيع مفكر ان يستنج ان هذه الآية (رخصة للسابقين الذين ماتوا قبل تحريم الخمر اذ سأل الصحابة عن حكمهم فنزلت).

وقوله تعالى:(قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا)(المجادلة: 1) فمن من الناس يستطيع ان يخبرنا عن المرأة (انها خولة بنت ثعلبة وزوجها أوس بن الصامت انه ظاهر منها) اذ لم يرد في ذلك نقل عمن شهد وحضر نزول الآية.

وكذلك في ناسخ القرآن ومنسوخه لا سبيل الى معرفته الا بنقل الرسول (صلى الله عليه وسلم) او الصحابة (رضي الله عنهم) الذين يعلمون اي النص اسبق نزولاً ثم بعدئذ نعلم ايهما الناسخ المعمول به.

جميع ما ذكرنا لا يمكن ان يستغني فيها المفسر للقرآن الكريم عن النقل عن الصحابة الكرام (رضي الله عنهم) فان جاء عنهم فيها شيء وان لم ينسبوه الى الرسول (صلى الله عليه وسلم) فهو واجب الاخذ به على كل حال ولا يمكن تخطي قول الصحابي في شيء من ذلك ابداً على ان قسماً من العلماء يرى ان قول الصحابي واجب الاخذ به حتى في المسائل التي يمكن فيها الاجتهاد.

ولابد من القول ان الصحابة على رأي جميع علماء المسلمين كلهم عدول ثابتة عدالتهم بالكتاب والسنة والاجماع فمن روى منهم شيئاً فلا يسأل عن عدالة روايته وانما يصدق من غير نظر والذي لا يستوثق منهم من نفسه لا يخوض في شيء من الرواية ابدا كما شاهدنا كثيراً منهم يتحرج من الرواية خوفاً من زيادة حرف او نقصان كلمة فالذين رووا شيئاً من السنن او التفسير ضابطين لما ذكروا.

والصحابي هو الذي شاهد الرسول (صلى الله عليه وسلم) وهو مسلم ومات وهو على الإسلام.