أسئلة الاتفاقية الأمريكية العراقية المقبلة   عدد القراء : 175   .


ياسر الزعاترة

بعيداً عن الهجمة على الموصل ومن قبلها كل المدن العراقية التي تتمرد على الاحتلال وتحتضن المقاومة، وبعيداً عن الجدل الممل حول عودة جبهة التوافق إلى حكومة المالكي (كيفى تبقى حكومة خرج أكثر الشركاء منها: التيار الصدري، التوافق، الفضيلة؟)، بعيداً عن ذلك كله تنهض مسألة المفاوضات الجارية سراً بين المجموعة العاملة تحت الاحتلال بمسمى حكومة (المالكي والحكيم على وجه التحديد) كواحدة من أهم القضايا التي تطرح على أجندة البحث في العراق هذه الأيام.

ليس ثمة معلومات واضحة حول ماهية الاتفاقية، ربما لأنها لم تنجر بعد، لكننا لن نحتاج الكثير من الذكاء كي ندرك أهم تلك البنود ممثلة في تشريع بقاء المحتلين في العراق من خلال قواعد عسكرية دائمة أو مؤقتة، الأمر الذي سيبرر من خلال الحديث عن تجارب معروفة مثل ألمانيا واليابان، فضلاً عن التبجح بالقول إن تلك القواعد موجودة في عدد من الدول العربية من دون أن يقول أحد إنها دول محتلة.

كل ذلك لا يعدو أن يكون ضرباً من التذاكي السياسي الذي يخفي واقع الحال ممثلاً في أن جوهر الصفقة بين الطرفين (سيقع الكثير من الخلاف في التفاصيل) يتمثل في حصول طرف على حق البقاء في السلطة يستمتع بامتيازاتها، مقابل حصول الطرف الآخر (الأمريكي) على حق استعمار البلد وإلحاقه بمنظومة المصالح الأمريكية في المنطقة، بل ربما استخدامه منصة لابتزاز دول الجوار.

على أن أسوأ ما في اللعبة المتوقعة هو ما يتعلق بمواقف الأطراف المختلفة من الاتفاقية، ذلك أن كلام الأمين العام لحزب الله حول نهاية عذر المنخرطين في العملية السياسية لم يكن موقفاً متفرداً، رغم إدراكنا لحرج حزب الله بسبب تفهمه المعلن لسياسات القوى الشيعية المتحالفة مع الاحتلال. نعم لم يكن بوسع نصر الله أن يفتح ملفاً من هذا النوع من دون موافقة إيرانية، لأن (الولي الفقيه) الذي سمح له بالتصرف بما يراه في لبنان، لن يسحب ذلك بالضرورة على مواقفه حيال ملف بالغ الأهمية بالنسبة لإيران، إن لم يكن الأكثر أهمية في هذه المرحلة، إضافة إلى الملف النووي بالطبع.

نقول ذلك تبعاً لقناعتنا بإمكانية أن تتتوافق القوى السياسية العربية السنية المنضوية في العملية السياسية مع المالكي على تمرير الاتفاقية، لا سيما جبهة التوافق والصحوات التي تتقاضى مخصصاتها من المحتلين مباشرة، وصارت أقرب إلى حزب سياسي منها إلى مليشيا، وإن بقيت تحمل السلاح بهدف تأكيد الوجود والدفاع عن النفس، وربما لأغراض البلطجة واستعراض القوة أيضا.

سيحدث ذلك في مقابل مواقف رافضة من قوىً شيعية على رأسها التيار الصدري والفضيلة، وربما المراجع الشيعية في النجف الذين قد يدعون إلى استفتاء على الاتفاق، وليس مجرد عرضه على البرلمان.

في تفسير موافقة المجموعات الشيعية الرئيسة (الدعوة والمجلس الأعلى)، يمكن القول إنه منطقها هو الخوف من انقلاب واشنطن على الشيعة وإعادة اللعبة إلى نظام عسكري: للعرب السنة فيه اليد طولى، وأقله العبث بالتركيبة العسكرية التي اطمأنت القوى الشيعية إليها بوصفها عنوان قوتها وسيطرتها على الوضع.

أما القوى المحسوبة على العرب السنة فستمرر الاتفاق بسبب شعورها بأهمية وجود القوات الأمريكية لحماية تطور منجزاتها في ظل قناعتها بإمكانية تحسن وضعها بمرور الوقت، فضلاً عن أن أكثرها لن يكون ذا قيمة في حال انتهى تحالفه مع المحتل ومن يوالونه، تماماً كما هو حال الحلفاء الشيعة في الحكومة. هكذا يتغلب البعد الشخصي والحزبي، مع قدر من التبرير المذهبي، ما يعني أن الانقسام حول الاتفاقية لن يكون مذهبياً سافراً، فمقابل قوى المقاومة وهيئة علماء المسلمين في الساحة السنية سيكون هناك التيار الصدري وآخرون في الساحة الشيعية، وييقى سؤال الموقف الإيراني الذي سيؤثر بالضرورة على عموم المعركة، وخلاصته هي: هل ستميل طهران إلى صفقة مع الأمريكان، أم إلى تصعيد يحول بينهم وبين إنجاز الاتفاقية؟!.