التناص ما بين السرقة و الاقتباس   عدد القراء : 189   .


يحيى هاشم

 

يعد التناص من الظواهر النقدية التي باتت تستخدم وبشدة في النصوص الأدبية.

إختلفت الآراء حوله فالبعض يراه أنه فقر من الكاتب حتى يلجأ إلى نص كاتب غيره وينسخ جزءاً منه مستخدما إياه فى نصه.

والبعض يرى أنه سرقة وتجرؤ من الكاتب على نص غيره فالنسخ ولو جزئي يتم دون علم صاحب النص المنسوخ منه.

وما بين السرقة والاقتباس مازال المفهوم يتأرجح .

زمنيا كان التناص معروفا في الأدب العربى القديم حيث أن الشعرية العربية القديمة فطنت لعلاقة النص بالنصوص الأخرى منذ الجاهلية.

وضرب مثلا بهذا المقدمة الطللية ( الوقوف على الأطلال ) التي تعكس قراءة لعلاقة النصوص ببعضها والتداخل فيما بينها فالمقدمة الطللية لها التقليد الشعري ذاته من الوقوف على الأطلال والبكاء وذكر الدمن.

 - مفهوم التناص:

وضح مفهوم مصطلح (التناص)Lintertextualitعام 1966 العالم الروسي ميخائيل باختين M.Bakhtine،ولكنه ظهر بشكل أوضح على يد تلميذته جوليا كريستيلآا، البلغارية التي تحمل الجنسية الفرنسية، مصطلح التناصLintertextualitعام 1966، منطلقة من مفهوم الحوارية عند (باختين) الروسي.

وتقول كريستيلآ بأن التناصية هي (أن يتشكل كل نص من قطعة موزاييك من الشواهد، وكل نص هو امتصاص لنص آخر أو تحويل عنه).

 لذا يمكننا القول أن التناص هو أن يتضمن نص أدبي ما نصوصا أو أفكارا أخرى سابقة عليه عن طريق الاقتباس أو التضمين أو الإشارة بحيث تندمج النصوص مع النص الأصلى لتشكل نصاً جديداً متوحداً ومتكاملاً.

أى أنه:

نسخ أو إستقطاع جزء من نص آخر لكاتب آخر أو لنص آخر تحيل النص وبالتبعية قارئ إلى دلالة جديدة تندمج بين النص الأصلى والنص المستنسخ منه بهدف إستثارة ذاكرة القارئ وإحالة ثقافته ومخزونه القرائى إلى النص المنسوخ منه مع إعادة المزج بينه وبين قراءته للنص المكتوب أمامه فيكون فى حالة دمج بين النصين.

وبهذا لم يعد النص يحمل فكرا أحاديا للكاتب بل أصبح يحوي أكثر من فكر يتأرجح بين الفكر الأصلي وفكر النص المنسوخ منه.

إذن يمكننا القول:

أن التناص هو بحث عن الكتابة فى الكتابة بتذويب النصوص وإماتتها تناصيا وملكيا.

وكما يقول ( رولان بارت ) السيميائى الفرنسى ليس هناك ملكية للنص أو الأبوة النصية لأن الكتاب والمبدعين يعيدون ماقاله السابقون بصيغ مختلفة قائمة التأثر والتأثير , فالنص الأدبى يدخل فى شجرة نسب عريقة وممتدة فهو لا يأتى من فراغ ولا يفضي إلى فراغ.

وهذا ما يطلق عليه التناص حديثا , والسرقة الأدبية في النقد العربى القديم.

 - ويعاب على هذا التعريف:

أن من لا يعرف النص المنسوخ منه والمحال إليه من قبل الكاتب سوف يصاب بنوع من الحيرة أو الملل من أنه لن يستطيع أن يكون فى كامل تركيزه مع النص الذي يقرؤه لأنه يحيله إلى مستويات وكتابات أخرى يجهلها لذا سوف يصاب بالتشت حتى لو توازى هذا مع رغبته في البحث عن النص الآخر.

كما أيضا يمكن القول أن الأمر بات مشاعاً وأصبح المفهوم الخاص بملكية النص لصاحبه أمر قديم فكل النصوص أصبحت حقا للكل أن يأخذ منها مايشاء وقتما يشاء دون الإحالة أو تحديد صاحب هذا النص.

-تصنيف التناص:

يمكننا أن نصنف التناص كالتالى:

1-الاستشهاد : وهو الشكل الصريح للتناص.

2-السرقة : ويمكن أن نقول أنها أقل صراحة من الاستشهاد.

3-النص الموازي : وهي تبحث فى علاقة النص بالعنوان والمقدمة والتقديم والتمهيد .

4-الوصف النصي : تبحث في العلاقة بين النص والنص الذي يتحدث عنه.

5-النصية الواسعة : علاقة الاشتقاق بين النص الأصلى والنص القديم وبين النص السابق ( الواسع ) والنص الجديد .

6-النصية الجامعة : العلاقة بين الأجناس النصية التي يفصح عنها النص الموازي.

العولمة النصية:

تعتمد تقنية التناص على إلغاء الحدود بين النص والنصوص التى يتضمنها النص الجديد حيث تأتى تلك النصوص موظفة ومذابة فى النص فتفتح آفاقا جديدة مما يجعل للنص أكثر من مدى زمني وأكثر من دلالة مما يجعله غنيا وحافلا بالمعانى والدلالات.

وكأننا أمام عولمة وتذويب للحدود النصية , ولكن التذويب ليس للحدود ولكنه تذويب وإلغاء تام للملكية النصية فنصك لم يعد الآن ملكك فأنا أستطيع أن أستقطع منه ما يخدم نصى وليس لك حق الإعتراض.

 التناص تحديا للقارئ:

يعتمد التناص على قوة ذاكرة القارىء القرائية من حيث أن الكاتب لا يشير إلى الجزء المنسوخ لذا يجب على القارئ أن يتوقف متأملا من حيث دلالة الجزء.

لذا يمكن القول أن الكاتب يستقي التناص من عدة مصادر هي:

1-مصادر ضرورية:

ويكون فيها التأثير طبيعيا وتلقائيا , وهو مايسمى بالذاكرة أو الموروث العام .. مثل المقدمة الطللية في القصيدة الجاهلية.

2-مصادر لازمة:

وهي داخلية وتتعلق بنتاج الكاتب نفسه ( أن ينسخ من نص سابق له في نص جديد.

3-مصادر طوعية: وهي إختيارية وهي ما يطلبه الكاتب من نصوص متزامنة أو سابقة عليه ويستدخدمها الكاتب للدلالة على ذاتها.

-تنقسم التناص حسب توظيفه للنصوص إلى:

1-تناص ظاهر:

وهو الواعي أو الشعوري ويدخل ضمنه الاقتباس والتضمين.

2-تناص لاشعورى:

وهو تناص الخفاء ويكون فيه الكاتب غير واع بحضور نص في النص الذي يكتبه.