مدرسة التفسير بالمأثور- تفسير القرآن العظيم/محمد الحسني   عدد القراء : 169   .


للإمام ابن كثير

المحور الثاني: منهجه في التفسير

قبل بيان منهج الامام الجليل ابن كثير في تفسير القرآن الكريم لابد لنا من توضيح لمعنى التفسير بالمأثور الذي يدور عليه كتابنا.

ان القرآن الكريم قد استغرق نزوله ثلاثا وعشرين سنة تقريبا ثم لم يكن ترتيبه التاريخي هو الترتيب التعبدي الثابت الان  ولكن نزول النص كان عند حصول الظروف الملائمة له او احتياج المسلمين الى حكمه بما يكتنفهم من امور وأحداث.

وترتيبه التاريخي معجز في وقت نزوله وترتيبه التعبدي معجز الى يوم القيامة ولاختلاف الاثنين احتاج المسلمون لنقل امين للصورتين ليعلم مغزى الاولى وهيئة الثانية وكلتاهما موقوفتان من الله سبحانه وتعالى وهذا ما قام به الرسول محمد صلى الله عليه وسلم وصحابته الكرام من بعده الذين حضروا نزوله وعلموا ظروفه وسمعوا امر الرسول صلى الله عليه وسلم بترتيبه كما اراد الله تعالى.

وهذا ما لاتستقيم عبادة المسلمين الا به فحرصوا على نقله وتظافروا بنقل التسلسل التاريخي والتعبدي للقرآن الكريم عرف ما اطلق عليه العلماء باسباب النزول وعرف ايضا ناسخ القرآن الكريم من منسوخه.

نقل المسلمون هذا ونقلوا معه بعض الشروح التي قام بها الرسول صلى الله عليه وسلم لبعض النصوص ونقل الصحابة القرآن الكريم وهم اعلم الناس به لانه نزل بلغتهم وتكلم عن احوالهم وعالج ادواء مجتمعهم فيعلمون ما نطق به القرآن عاما ولكنه اراد شيئا خاصا بعينه او ما يحكي قصة لاحد الناس واراد الله تعالى  بها عموم المسلمين او ان حكمها يعم بقية المسلمين وكذلك يعرفون مجمل القرآن الكريم وما كان فيه مبهما يعرفون قصده وغايته.وهذا كله سمي فيما بعد التفسير بالمأثور وقد قامت عليه مدرسة لها تفاسير لا تعنى الا بهذا النوع من التفسير وما لائمة من مدلولات النصوص القرآنية وقد اشتهر من هذه المدرسة الكثيرون وجاء من بعدهم الكثير ايضا ومنهم صاحب كتابنا هذا العالم الجليل الامام ابن كثير رحمه الله تعالى.

وقد جاء في مقدمة اصول التفسير لابن تيمية فان قال قائل فما احسن طرق التفسير فالجواب ان اصح الطرق في ذلك ان يفسر القرآن بالقرآن فما اجمل في مكان فانه قد فسر في موضع آخر وما اختصر في مكان فقد بسط في موضع آخر فان اعياك ذلك فعليك بالسنة فانها شارحة للقرآن وموضحة له واذا لم تجد التفسير في القرآن ولا في السنة رجعت في ذلك الى اقوال الصحابة فانهم في ذلك ادرى لما شاهدوه من القرائن والاحوال التي اختصوا بها ولما لهم من الفهم التام والعلم الصحيح والعمل الصالح لاسيما علماؤهم واذا لم تجد التفسير في القرآن ولا في السنة ولا وجدته عن الصحابة فقد رجع كثير من الائمة في ذلك الى اقوال التابعين فاما تفسير القرآن بمجرد الرأي فحرام لما رواه ابن عباس قال قال الرسول صلى الله عليه وسلم من قال في القرآن بغير علم فليتبوأ مقعده من النار. والاثر هو ما روي عن الرسول صلى الله عليه وسلم وما روي عن الصحابة او عن التابعين موقوفا او مرفوعا وهذا عند اهل الحديث ومنهم من يجعله مرادفا للحديث فيقصره ما روي عن الرسول صلى الله عليه وسلم.

اما التفسير بالاثر فقد اصطلح عليه اهل التفسير بانه ما جاء في القرآن ذاته من البيان والتفصيل لبعض آياته وما نقل عن الرسول صلى الله عليه وسلم وما نقل عن الصحابة رضوان الله عليهم وما نقل عن التابعين من كل ما هو بيان وتوضيح لمراد الله تعالى من نصوص كتابه الكريم.

ومدرسة التفسير بالأثر هي اول مدارس التفسير ظهورا لان الرسول صلى الله عليه وسلم كان يفسر ما اشكل على الصحابة فهمه من القرآن الكريم ولما كان الصحابة قد عايشوا الرسول صلى الله عليه وسلم وحضروا نزول الوحي استغنوا عن كثير مما احتاج غيرهم لفهم القرآن الكريم فكان ما فسره الرسول صلى الله عليه وسلم قليلا جدا.

وسر اعجازه يكمن في فهمهم له بسهولة ويسر لانه نزل بلغتهم التي كانت سائدة وهي مادة ادبهم وكلامهم وسبب ايمانهم انهم سمعوا كلاما يفهمونه بنظم لا يستطيعون ان يأتوا بمثله مع حلاوته وتحريكه النفس حتى وصفة العائدون من العرب بأنه سحر يؤثر فالصحابة رضي الله عنهم انشأوا مدارس للتفسير في الاقطار الاسلامية التي هاجروا اليها فتتلمذ عليهم التابعون واخذوا عنهم فهمهم وتفسيرهم فكان التابعون اعلم بتفسير القرآن بالمأثور عن النبي صلى الله عليه وسلم وعن الصحابة من الذين جاءوا من بعدهم.