هل سينفع المالكي تغيير زئير الأسد إلى أم الربيعين؟/هيفاء زنكنة   عدد القراء : 186   .


قبل أن يشد الرحال الى مدينة الموصل ليقف متغنيا بما سيحدثه من خراب، تحدث رئيس وزراء حكومة الاحتلال نوري المالكي عن مشاعره وحديث ساسة الاحتلال العراقيين عن مشاعرهم هو امتداد لحديث سادة البيت الأبيض عن مشاعرهم إزاء الأحداث، يستخدمون فيه المفردات التعبيرية ذاتها. والحديث عن المشاعر هو تقليد شعبوي أمريكي يتبعه السياسيون والمواطنون على حد سواء.........


. حيث لا يجد الامريكي حرجا في الحديث عن مشاعره الخاصة وبصوت عال امام الجميع، سواء في اللقاءات الخاصة ام العامة او حتى على شاشات التلفزيون. واذا ما كان الاحتلال قد حقق نجاحا واحدا في (العراق الجديد) فان نجاحه سيكون في مجال تدريب الساسة العراقيين على التعبير عن مشاعرهم المخلوطة بالتقية في خطبهم وتصريحاتهم، فبتنا نسمع عن مشاعر قلقهم وراحتهم وبهجتهم أحيانا ورفضهم وعدم قبولهم احيانا أخرى.

لذلك لم يستغرب المواطن العراقي تصريحات المالكي الاخيرة عندما قال انه (لن يقبل) ان تبقى الموصل اسيرة كما كانت مدن الرمادي والفلوجة والبصرة ومدينة الصدر بأيدي القاعدة وبقايا النظام السابق والخارجين على القانون. وانه (مرتاح) لتعاون أهل الموصل مع حكومة الوحدة الوطنية التي تسعى لإعادة (البهجة) وبسط القانون في مدينة الموصل... وبطبيعة الحال كان المالكي يتحدث عن العملية العسكرية المشتركة بين قوات الاحتلال الامريكي وحكومة الاحتلال المسماة، بداية، عملية زئير الاسد. الا ان المالكي أدرك وقبل ان يصل مدينة الموصل، مدينة اولى المدارس واوائل المتعلمين في العراق ومدينة التفوق العلمي والطبي والمعماري والروح الوطنية، الى انه اذا ما اراد تسويق الهجوم العسكري على المدينة بشكل اعلامي ناجح، سيتوجب عليه تغيير اسم العملية، عربيــا، لكي يتجنب الضجة الاعلامية غير المرغوبة التي صاحبت شن الهجوم على مدينة الثورة (الصدر) تحت اسم عملية صيد الجرذان.

وكان مصدر عسكري عراقي قد وضح لنا سبب استخدام الاسم المثير للاحتقار والتقزز لوصف أهل المدينة الكادحة: (ان بعض الجنرالات الامريكيين يصفون المسلحين في المدينة بالجرذان التي تطلق النيران وتعود لتختبئ بين صفوف الابرياء من السكان، وهو ما دفعهم لتسمية هذه العملية بصيد الجرذان). ولا بد ان المالكي نفسه كان متخوفا من تسمية صيد الجرذان، لا لحرصه على كرامة المواطنين، ولكن لانه وجد ان من الافضل له ان يوصف بانه يقود صولة الفرسان على ان يوصف اعلاميا وشعبيا بأنه صائد الجرذان! وقد غلب استخدام اسماء الحيوانات، كبيرها وصغيرها، على العمليات العسكرية بقيادة الاحتلال والالوية العسكرية، مثل لواء الذئب والعقرب، إما تعظيما لشأنها وارهابا للناس او للحط من كرامة العراقيين، وان كانت التسمية قد وصلت ادنى درجاتها في العملية الموجهة ضد أهل مدينة الثورة. ويخبرنا د. عبد السلام المسدّي، أستاذ اللسانيات في جامعة منوبة بتونس في بحث أكاديمي له عنوانه، فعل التسمية بين العمليات العسكرية ومقاصد السياسة، قائلا:

(إن كثافة حضور الكائنات الحيوانية في أفعال التسمية حين يكون موضوعها الحروبَ والمنازعات وما يصطلح عليه بالعمليات العسكرية تؤكد بجزم أن المقصود بفعل التسمية يخرج عن غرضه الأول البديهي وهو فعل التعيين، إنّنا بحضرة قصد إرادى من الدرجة العليا، وهو الإصرار على توطين المفاهيم المرومة ودفعها إلى أن تقبع في اللاوعي الجماعي عبر الحامل اللغوي، فكأنها عملية تطويق لمحاصرة إرادة المتلقى مهما يكن موقعه أو انتماؤه، ومهما تكن منطلقاته في الحكم على فعل الحرب. ولئن كانت أسامي الحروب متجذرة في تواريخ الصراع فإن المشهد اللغوي ـ السياسي ـ الحربي، تجلت مظاهره بفوارق نوعية فائقة. ويوشك أن ينحصر الأمر في مبدأ إطلاق الاسم على الفعل الحربي عند اعتزام إنجازه، وهذا ما يؤكد أسبقية الإضمار، وهو ما يجعل التسمية جزءا ملتحما بالأداء العسكري). لهذه الاسباب مجتمعة، ولئلا تفضح حقيقة العملية وبشاعتها، بل يراد لها ان تبقى قابعة متوارية خلف الخطاب السياسي غيروا الاسم بسرعة، مستدركين خطأهم تجاه الوعي الجماعي العراقي. فتم تغيير اسم العملية ضد أهل الموصل من زئير الأسد الى أم الربيعين، للدلالة على نعومة مسار العملية بل وجماليتها المشابهة لجمال المناخ في مدينة الموصل.

واذا كانت عملية الهجوم الوحشي على مدينة الثورة قد سببت قتل مئات الضحايا وتهديم البيوت وفرض الحصار على اهالي المدينة بشكل عقاب جماعي لمدة شهرين تقريبا، والقتال لا يزال دائرا فيها على الرغم من اعلان الهدنة بين ساسة الاحتلال انفسهم بمعزل عن المواطنين، والحال هو نفسه في مدينة البصرة، فإن اول ملامح (نجاحات) المالكي في مدينة الموصل هو اعتقال 500 مواطن من بينهم العسكريون والاساتذة وكل من حدث وعارض الاحتلال على مدى السنوات الماضية، تحت ذريعة التخلص من الارهاب التي لم يعد هناك من يصدقها باستثناء اعضاء حكومة الاحتلال ووفق قاعدة الاعلام النازي: واصل الكذب حتى تصدق اكاذيبك. وقد وصف مجلس عشائر نينوى عملية (أم الربيعين) بانها عمل انتقامي من الضباط الذين اشتركوا في أداء واجبهم الوظيفي والوطني في الحرب العراقية الايرانية.

وهذه ليست المرة الاولى التي تهاجم فيها مدينة الموصل بحجة التخلص من (ارهابيي القاعدة وبقايا النظام السابق)، فقد شن الجيش الأمريكي واحدة من عملياته الوحشية برفقة من دربهم من العراقيين على حقوق الانسان في عام 2004، حيث تم الاعلان عن (تنظيف المدينة) بعد قتل المئات من مواطنيها. كما ان المالكي ليس الوحيد بين رؤساء حكومات الاحتلال الذين يباركون عمليات الاحتلال فقد سبقه رفيق دربه في حزب الدعوة الاسلامي الدكتور ابراهيم الجعفري، حين بارك بدعواته اعلان ًجيش الاحتلال الأمريكي شن عملية السيف، في مدينتي حديثة وهيت في محافظة الأنبار، في عام 2005 بهدف (اقتلاع الإرهابيين الأجانب). ثم مضى للقاء توني بلير، رئيس الوزراء البريطاني يومها، مؤكدا له: ان عامين سيكونان كافيين بل وأكثر من كافيين لإحلال الأمن في بلادنا. وها هو المالكي يعيد تدوير الاسطوانة المشروخة نفسها بينما يعاني اهل الموصل من شحة غير مسبوقة بمياه الشرب بعد قطع المياه في مناطق بكاملها وتفاقم ازمة شحة الغذاء بسبب منع التجول المستمر منذ أيام. وازدادت الحالة الصحية سوءاً حيث يمنع الوصول الى المستشفيات والمراكز الصحية وخاصة لذوي الحالات الطارئة من النساء والأطفال الى جانب ذوي الامراض الخاصة والمزمنة فضلا عن قلة الخدمات العامة وتراكم النفايات وما قد يحدث من جراء ذلك من انتشار للامراض.

ان ما تتعرض له المدن العراقية الواحدة تلو الاخرى من قصف وحصار ومداهمات واعتقالات تحت ذريعة محاربة الارهاب من قبل قوات الاحتلال الوحشية وبالتعاون مع حكومة المالكي ما هو الا عقاب جماعي وحملة ترويع وترهيب منظمة لاخضاع المواطنين واجبارهم على الهجرة واهانة البقية منهم ومنعهم من دعم المقاومة الوطنية. ان العقاب الجماعي هو جريمة حرب بكل المقاييس والقوانين الدولية، ولن يتساهل القانون، في المستقبل، مع حكومة وساسة الاحتلال مهما غيروا من اسماء العمليات العسكرية لتجميلها. ولن يتساهل الوعي الشعبي أيضا مع الساكتين عن تلك الجرائم والمبررين لها، غباء ام بسبب الربح والغنيمة، المتعامين عن تجارب حركات التحرر التاريخية وحتمية هزيمة الاحتلال.