حرية الصحافة ضحية العدوان الأمريكي على العراق/أ. د. سليمان صالح   عدد القراء : 166   .


 

كانت حرية الصحافة من أهم خسائر الأمريكيين في العراق، وهذه الحرية هي أهم العوامل التي أدت إلى تقدم أمريكا، وتشكيل صورتها الإيجابية، وهي الشيء الوحيد الذي يمكن أن نقول بكل وضوح إننا نحسد عليه الأمريكيين.

كان مشهد الصحف الأمريكية التي تستطيع أن تنشر أوراق البنتاغون، وتجبر الإدارة الأمريكية على سحب قواتها من فيتنام، وترغم الرئيس الأمريكي على التخلي عن الحكم عقب فضيحة ووترغيت يثير الكثير من الحسد ذلك أننا لم نكن نملك القدرة على الغبطة، فالحصول على مثل تلك الحرية لم يكن يدور بخيال الذين يعيشون في الدول النامية، واستخدام هذا التعبير يشير إلى أقصى درجات الأدب، فتلك الدول لا تنمو بشكل يجعلنا نستخدم هذا المصطلح.

وكانت حرية الصحافة أهم ما يمكن أن يفخر به الأمريكي وهي التي تؤكد أنه مواطن يتمتع بكل حقوق الإنسان، فحرية الصحافة هي أهم ضمانات حقوق الإنسان، ولا يمكن بدونها أن يتمتع مواطن بهذه الحقوق، كما أن هذه الحرية هي التي تمنع الحكومات من إساءة استخدام السلطة ضد المواطنين، وتشكل رقيباً دائماً على ممارسات السلطة، لذلك دأب الكثير من المواطنين على ترديد مقولة توماس جيفرسون، وهو أحد أهم مؤسسي أمريكا: انني أفضل الحياة في دولة فيها صحافة على الحياة في دولة فيها حكومة.

لكن يبدو أن ذلك زمن مضى يجب أن يبكي الأمريكيون عليه، وأن ينتظروا الكثير من الانتهاكات لحقوقهم وحرياتهم في غياب حرية الصحافة.

الصحافة كانت تعرف

 سوف أقدم لكم الأدلة من كتابات الأمريكيين أنفسهم، وسأبدأ بتقديم الأدلة على أن الصحافة الأمريكية تعرف الكثير من المعلومات عن الأوضاع في العراق لكنها لا تجرؤ على نشرها. من أهم تلك المعلومات ما حدث في سجن أبي غريب وهو يشكل جريمة ضد الإنسانية يجب أن يشعر كل أمريكي بالعار منها، يقول الكاتب الأمريكي جريج ميتشل: إن صور ضحايا التعذيب في أبي غريب قد وصلت إلى الصحف الأمريكية قبل انفجار تلك الفضيحة بزمن طويل لكن الصحف الأمريكية لم تقم بنشرها، ولقد اتهم مسؤول عن حقوق الإنسان في العراق بول بريمر بأنه قد تم إبلاغه بانتهاكات حقوق الإنسان في هذا السجن.

كما نشرت جريدة النيويوركر بعد إذاعة الفضيحة أن دونالد رامسفيلد قد أعطى موافقته شخصياً على استخدام الإجراءات التي أدت إلى انتهاك حقوق الإنسان في هذا السجن الذي تحول إلى مكان تنتهك فيه كرامة الإنسانية كلها. هناك أدلة أخرى مهمة هي أن الصحفي الأمريكي الحاصل على جائزة بوليتزر تشارلز هانلي قد استطاع أن يحصل على الكثير من الحقائق عن مذبحة سجن أبي غريب قبل انكشاف الفضيحة بوقت طويل، وأنه حاول أن ينشر بعض المعلومات، لكن معظم وسائل الإعلام الأمريكية رفضت نشر هذه المعلومات، وحاولت التعتيم على ما يجري في السجون العراقية التي تسيطر عليها القوات الأمريكية.

يتساءل جريج ميتشل: أين كانت وسائل الإعلام الأمريكية قبل شهور طويلة من انتشار الفضيحة، ولماذا لم تقم بنشر المعلومات التي كانت تعرفها عن هذا السجن، والسجون الأخرى؟.

لقد كانت الصحافة تعرف الكثير من الحقائق، ومن أهمها تلك التي حصل عليها تشارلز هانلي الذي قدم لوكالة أنباء اسوشيتد برس الكثير من القصص عن ارتفاع أعداد الضحايا المدنيين من أهمها لقاءات مع ستة من المعتقلين العراقيين الذين أطلق سراحهم في 1 تشرين الثاني 2003، وهي تؤكد أن هذا السجن أصبح مكانا لتعذيب البشر وارتكاب جرائم ضد الإنسانية.

لكن وسائل الإعلام الأمريكية رفضت نشر هذا التقرير، وهذا يعني أن هذه الوسائل قد تخلت عن دورها التاريخي في تحقيق حق الجماهير في المعرفة، وحراسة مصالح المجتمع، وأصبحت لا تقوم بدور كلب الحراسة، وتركت السلطات الأمريكية ترتكب جرائم تاريخية كبرى دون رقابة أو حساب.